المرأة بين التكريم والتحرير

عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ

2022-10-07 - 1444/03/11
عناصر الخطبة
1/ معاناة المرأة في الجاهلية 2/ صور إكرام الإسلام للمرأة 3/ الإسلام خير من تعامل مع المرأة 4/ دعاوى تحرير المرأة دعاوى تخريب وإفساد

اقتباس

إن من أنار الله بصيرته، وفتح قلبه وشرح صدره للإسلام ليعلم حقًّا أن ما تعيشه المرأة في ظل شريعة الإسلام وفي هذا البلد المبارك باحترام وإكرام وعمل، يليق بها بحشمة وستر وعفاف، يعلم أن هذا هو الحق، ويعلم أن دعاة تحرير المرأة دعاة سوء وفساد، ودعاة شر وضلال وانحراف عن منهج الله المستقيم، يريدون أن يجردوا فتياتنا من كل قيمة وكل خلق فضيل ..

 

 

 

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. 

أما بعد:

فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله: لقد رفع الله شأن المرأة، وأعلى مكانتها، فجعلها أُمًّا لها حق البر والإحسان، وزوجة لها حق المعاشرة والمعاملة بالمعروف، وبنتًا يجب تربيتها ورعايتها، وأختًا يجب إكرامها والغيرة عليها، وخالة يُحسَن إليها وتُكرَم.

هذه المنزلة العالية التي أنزلها الإسلام إياها اعترافًا بحقها وبيانًا بفضلها، والمجتمعات الإسلامية في عصور الإسلام الراقية ساروا على هذا المنهج، وهذه الرعاية العظيمة؛ ما أعطى المرأة اعتبارًا ومكانةً لم تكن في أي مجتمع سوى مجتمع الإسلام.

أيها المسلم: وكم عانت المرأة في الجاهلية، بل في العصور المنحرفة عن الهدى ما عانت، كم ظُلمت وأهينت كرامتها وبليت بأنواع الظلم، فجاء الإسلام ليرفع الظلم عنها وينزلها المنزلة اللائقة بها، وليؤديها حقوقها، وليكرمها بأنواع من التكريم العظيم.

فمن صور تكريم الإسلام للمرأة: أنها إنسان معتبر، داخل في عموم قوله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء:70]، جعلها نفسًا، فهي أحد أصلي بني آدم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) [النساء:1].

ومن صور تكريم الله لها: أنه حذّر الأمة من أخلاق الجاهلية التي كانوا يعاملون بها المرأة، فكانوا يئدون البنات ويقتلون البنات خوفًا من العار أو خوفًا من الفقر، ويقرون الذكور، فجاء الإسلام ليحرم هذا الظلم: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) [الإسراء:31]، بل جعل هذا الوأد كبيرة يسأل عنها فاعلها يوم القيامة: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) [التكوير:8-9]. ومحمد -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن عقوق الأمهات ووأد البنات.

ومن صور تكريم الله لها: أنه ذم الجاهلية في أنهم يكرهون البنات: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [النحل:58-59].

ومن صور تكريم الله لها: أنه جعلها هبة للإنسان كالذكر، يقول -جل وعلا-: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) [الشورى:49].

ومن صور تكريم الله لها: أن جعل إكرام البنات سفينةً لدخول الجنة، وحجابًا من النار؛ يقول -صلى الله عليه وسلم-: "من كان له ابنة فلم يهنها ولم يقدم الولد عليها، وجبت له الجنة"، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: "من ابتلي بشيء من هؤلاء البنات فصبر عليهن وأحسن إليهن، كُنّ له ستارًا من النار".

ومن صور تكريم الله لها: أنه جعلها والرجل سيان في ثواب الأعمال، قال -جل وعلا-: (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر:40]، وقال: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) [آل عمران:195]، وقال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97].

ومن تكريم الله لها: أن جعل الأخلاق الإسلامية التي ينال بها العبد ثواب الله متساويًا فيها الرجال والنساء، قال الله -جل جلاله-: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب:35].

ومن صور تكريم الله للمرأة: أنه جعل الحماية لها من قبل الزوج ودفاعه عن عرضها جهادًا في سبيل الله، ينال بها درجة الشهداء، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد".

ومن صور تكريم الله لها: أنه أمرها بصيانة عرضها وحفظ فرجها وغض بصرها، ونهاها عن التبرج والسفور، وأرشدها إلى معالي الأمور، يقول الله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) [النور:31]، ويقول: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [الأحزاب:33].

ومن صور تكريم الله لها: أنه نهاها من كل وسيلة قد تؤدي إلى انتهاك عرضها وتسلط الأراذل عليها، ونهاها أن تسافر بلا محرم، وأوجب عليها صحبة المحرم في سفرها، وناشدها -إن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر- أن لا تسافر إلا معها محرم لها؛ إكرامًا وحفاظًا على عرضها، وصيانة لشرفها، ومنعًا لتسلط الأراذل عليها، وكذلك نهاها أن تخلو بمن ليس محرمًا لها، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها الرجل إلا مع ذي محرم"، وقال: "إياكم والدخول على النساء"، قال رجل: أرأيت الحمو؟! فقال -صلى الله عليه وسلم-: "الحمو الموت". والحمو قريب الزوج. وقال: "ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما".

هكذا منعها الإسلام من وسائل الشر حتى لا يتسلط عليها أراذل البشر، وسقيط الناس ممن لا إيمان ولا تقوى عنده.

ومن صور تكريم الله لها: أنه جعل الوصول إليها بالطرق المشروعة، بكرامة وعزة وشرف، فشرط في النكاح حضور وليها -أبيها أو أي قريب لها هو وليها-، وشرط الشاهدين عند حضور العقد، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، وأمر بإعلان النكاح فقال: "أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف"، وشرع الوليمة له، فقال لعبد الرحمن بن عوف: "أولمت؟!"، قال: لا. قال: "أولم ولو بشاة". ورغّب في حضور دعوات الزواج فقال: "ومن لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم-". كل ذلك لأن هذا النكاح نكاح شرعي يجب إعلانه وإظهاره، والتواصي بكتمانه من أسباب فساده، ولذا ذكر بعض العلماء أنه لو اتفق الولي والزوج والزوجة وأهلوهم إلى إخفاء النكاح وكتمانه كان نكاحًا باطلاً، خلاف ما يقول البعض بأن هذا الزواج يكتم فيدخل للبيت ويخرج كأنه سارق وما كأنه زواج، بل بعضهم قد لا يُعلم بأولاده إلا بعد موته وقد تضطرب الأحوال، كل هذا أمر يخالف الشرع.

ومن تكريم الله لها: أن أوجب الإنفاق عليها بالمعروف: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) [الطلاق:7].

ومن تكريم الله لها: أنه نهى الزوج عن ضربها بلا سبب شرعي فقال: "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يضاجعها"، وقال: "لا تضرب الوجه ولا تقبح"، وأمر بإطعامها مما يطعم، وكسوتها والإحسان إليها ومعاشرتها بالمعروف.

ومن صور تكريم الله لها: أن حرّم على الزوج عند تعدد الزوجات الظلم والجور، فقال: "من كان له زوجتان فمال مع إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل".

ومن تكريم الله لها: أن جعل لها نصيبًا من الميراث: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) [النساء:7]، وقال: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء:11].

أيتها المرأة المسلمة: هذه كرامة الله لك، وهذا فضله وإحسانه، أما أعداؤك وأعداء دينك فليسوا مُكرِمين لك، ولكنهم يهينونك أي إهانة، ويجعلونك متعة ولعبة بأيديهم، لا يرعون خلقًا ولا ذمة ولا يتقون الله.

أيتها المرأة المسلمة: وإن سمعت كرامة الله لك، فاسمعي ما كانت تعامل المرأة في الجاهلية قبل الإسلام، وقد يكون هذا موجودًا عند أمم لا تحكم شرع الله، ولا تقيم وزنًا للفضيلة والكرامة: كانوا في جاهليتهم يتشاءمون بالبنت، ويسمون من له البنات بالأبتر، حتى قالوا عن سيد ولد آدم: إنه الأبتر، لأنهم لم يروا له ذكورًا أحياءً، فقال الله: (إِنَّ شَانِئَكَ) -أي عدوك- (هُوَ الْأَبْتَرُ) [الكوثر: 3]، أما محمد فقد رفع الله ذكره، وأعلى شأنه، صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدين.

لقد كانوا في جاهليتهم يحرمون المرأة الميراث من أبيها أو أمها أو زوجها، يحرمونها الميراث، ويقولون: الميراث لمن يحمل السيف ويحمي البيضة، وجاء الإسلام فخالفهم، فأوجب لها حقها في الميراث، فمن حاول استنقاص ميراثها أو الحيلولة بينها وبين ميراثها، سواء في النقود أم في الثوابت من الأراضي وغيره، فإنما هو متخلق بأخلاق الجاهلية.

وكانوا في جاهليتهم يرثون المرأة، فأخو الزوج إذا ألقى ثوبًا عليها بعد موت زوجها فهو أحق بها، إن شاء نكحها، وإن شاء حبسها حتى يستوفي الصداق منها، أو يحبسها حتى تموت، فجاء الإسلام ينهى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا)، وكانوا يعضلونها حتى تفتدي، فقال الله: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) [النساء:19].

وكانوا في جاهليتهم ليس للطلاق حد، ولا لتعدد الزوجات حد، بل الأمر على مصراعيه في النكاح والطلاق؛ ما أضر بالمرأة وأساء إليها، فجاء الإسلام ليحدد العدد بأن الزوجات أربع، مع شرط العدل والقيام بالواجب: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) [النساء:3]، وحدّ الطلاق بالثلاث حتى لا يكون تلاعب في الأعراض بين الرجال والنساء.

وكانوا في جاهليتهم لا يسمعون لها صوتًا، يزوجها الأب رضيت أم سخطت، فجاء الإسلام ليمنع من ذلك: "لا تنكح البكر حتى تستأذن"، ولما زوَّج رجل من الصحابة ابنته بقريب له دون استئذانها رفعت الأمر لرسول الله وقالت: يا رسول الله: يريد أن يرفع بي خسيسته، فألغى النبي النكاح، ثم قالت: يا رسول الله: إن كان بقيت معه، ثم قالت: "إنما أريد أن أبين أن ليس للرجال في إجبار الفتيات".

أيها المسلم، أيتها المسلمة: إن الجاهلية قبل الإسلام في ظلم للمرأة، ومن أنواع ظلمهم لها أنهم استمرؤوا نكاح الشغار، فكان الرجل يزوج المرأة على أن يزوجه وليُّها أخته أو بنته، ويجعلون هذا شرطًا، فجاء الإسلام ونهى عن نكاح الشغار، وكانوا أيضًا يعملون أعمالاً سيئة مع المرأة، فكانوا يستبضعون، أحيانًا يبحثون عمن يعرف بالشجاعة والكرم، فيبيته الرجل مع زوجته، عسى إذا بات معها أن تحمل بشخصية مثل تلك الشخصية التي يظن، فجاء الإسلام وألغى ذلك، وكانوا أيضًا يتخذون الصديقات والخليلات، فألغى الإسلام كل وسائل الفساد والشر والبلاء.

أيتها المرأة المسلمة: إنما يريد الإسلام بك الخير والصلاح والحفاظ على القيم والأخلاق والفضائل، ودعاة السفور وتحرير المرأة إنما يريدون بك الرذائل: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) [النساء:27-28].

ومن قارن بين جاهلية العرب أو غيرهم، وبين عدل الإسلام وخيره ونظامه، علم حقًّا أن الإسلام هو الذي أعطى المرأة حقها، الحق المشروع الذي به قوام الأسرة والذي به السعادة في الدنيا والآخرة.

رضينا بالله ربا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا رسولاً، ثبتنا الله وإياكم على قوله الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

 

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى حق التقوى.

أخي المسلم: إن من أنار الله بصيرته، وفتح قلبه وشرح صدره للإسلام ليعلم حقًّا أن ما تعيشه المرأة في ظل شريعة الإسلام وفي هذا البلد المبارك باحترام وإكرام وعمل، يليق بها بحشمة وستر وعفاف، يعلم أن هذا هو الحق، ويعلم أن دعاة تحرير المرأة دعاة سوء وفساد، ودعاة شر وضلال وانحراف عن منهج الله المستقيم، يريدون أن يجردوا فتياتنا من كل قيمة وكل خلق فضيل، يريدون أن يصبغوها صبغة غير إسلامية، شرقوا بالإسلام، وضاقت به صدورهم؛ لأن قلوبهم مليئة بالكفر والنفاق، وسب الشريعة والقدح فيها، يريدون أن يسخّروا بنات المسلمين ليكونوا خادمات لهؤلاء؛ لقد اعترف كثير من هؤلاء الكتاب وبعض من اغترّ بهم من الفتيات أن دعاة تحرير المرأة ما أرادوا بها خيرًا، وإنما أرادوا الشر والفساد، يدعون لإفساد بنات الغير؛ أما زوجاتهم وبناتهم فمصونات مكرمات بعيدات، فليتق اللهَ المسلمُ فيما يقول ويتحدث.

أختي المسلمة: إن الله أمرك بأمر، وأمرُ الله حق أن يطاع، وأمرُ رسوله حق أن يطاع: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) [الأحزاب:36].

أختي المسلمة: قدوتك والله خيار نساء المسلمين، زوجات محمد -صلى الله عليه وسلم-، خديجة وعائشة وحفصة وصفية وزينب وأم سلمة وأم حبيبة وميمونة -رضي الله عنهن-، هن القدوة الصالحة لك، فاقتدي بهن في أخلاقهن وأعمالهن، ولا تثقي بكثير مما يقال ويكتب لتحرير المرأة؛ كلها دعاوى جوفاء، كلها ضلال ومغالطة، كلها سوء وفساد لمن تدبر وتعقّل، كم عانى أعداء الإسلام الذين خلطوا الجنسين، كم عانوا من المشاكل وبدؤوا بفصلهما في المراكب وفي المدارس؛ لأنهم رأوا أن الاختلاط ضار ومفسد وهادم للأخلاق، وللأسف الشديد فإن بعض أبناء المسلمين يريدون أن يقعوا فيما تخلى عنه الآخرون، وهذا كله جهل، إن شريعة الإسلام هي العدل والحق والرحمة والإحسان والسعادة في الدنيا والآخرة.

وفقنا الله وإياكم للاستقامة على دينه، وهدانا وإياكم سواء السبيل، وجنبنا وإياكم طرق الشر والفساد، وهدى كتابنا ورجال صحافتنا وإعلامنا لما فيه الخير والصلاح، وأن يتبصروا فيما يكتبون ويقولون ويتحدثون، فإن الله سائل كلاًّ عما قال: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:18].

واعلموا -رحمكم الله- أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار. وصلوا -رحمكم الله- على محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك ربكم؛ قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56]. وفي الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم-: "من صل عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا"، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك وخيرتك من خلقك سيد ولد آدم، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، ووفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللهم وفق إمامنا إمام المسلمين عبد الله بن عبد العزيز لكل خير، اللهم أمده بالصحة والسلامة في دينه وبدنه، ووفقه لما تحبه وترضاه، اللهم وفق ولي عهده سلطان بن عبد العزيز لكل خير، وسدّده في أقواله وأعماله، ووفق النائب الثاني نايف بن عبد العزيز لكل خير، وأعنه على مسؤوليته واجعلهم جميعًا أئمة هدى وقادة خير ورشاد، إنك على كل شيء قدير: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر: 10].

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201].

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على عموم نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
 

 

 

 

المرفقات

بين التكريم والتحرير

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات