المخدرات وحادثة قتل المدمن بناته

سامي بن خالد الحمود

2011-12-13 - 1433/01/18
عناصر الخطبة
1/ قصة قتل المدمن لزوجته وثلاث من بناته 2/ أضرار تعاطي المخدرات 3/ أسباب تعاطي المخدرات 4/ الوقاية والعلاج 5/ وقفات سريعة لمن ابتلي بالإدمان

اقتباس

كفى بهذه الحادثة واعظاً للنفوس! كفى بهذه الفاجعة شاهداً على قبح المسكرات والمخدرات، وأنها تقتل كل المعاني الجميلة في حياتنا!.

 

 

 

 

الحمد لله الذي أحل الطيبات، وحرَّم الخبائث، القائل في محكم كتابه العزيز: (يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) [المائدة:4].

والصلاة والسلام على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، محمد بن عبد الله، الذي ما من خير إلا دعا أمته إليه، وما من شر إلا حذرها منه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلَاً سَدِيدَاً) [الأحزاب:70].

عباد الله: كنت سأتحدث إليكم عن الإجازة لولا الحادثة المفجعة التي وقعت قريباً منا في أحد أحياء شمال الرياض، ونشرتها بعض الصحف المحلية، ثم وقفتُ صباح هذا اليوم على بعض التفاصيل الجديدة من مصدر أمني رسمي.

وقعت الحادثة في يوم الثلاثاء الماضي، وقبل اليوم الأخير من الامتحانات، رجل كبير، قارب الخمسين سنة، أدمن المخدرات، وفُصِلَ مِنْ عَمَلِه بسبب الإدمان، تحطَّمَتْ حياتُه، وَمَرِضَتْ نفسه، ووقع الطلاق بينه وبين زوجته، مع وجود سبعة من الأبناء والبنات.

وفي لحظة شيطانية، يدخل الرجل على مطلقته وبناته، وهو في حالة هيجان، فيقتل الزوجة بالمسدس، ثم يلحق بها بناتِها، بل بناتِه هو الثلاث، الواحدة تلو الأخرى، الأولى في الثالثة عشرة من عمرها، والثانية في الخامسة عشرة، والثالثة في الثامنة عشرة، وتصاب الرابعة ذات الأربع والعشرين بشظايا من العيار الناري في صدرها لترقد في العناية المركزة.

وقعت الفاجعة، وفُجع الجيران بما وقع للأسرة المنكوبة، لاسيما وقد شهدوا بصلاح هذه الأسرة وحسن أخلاق أبنائها وبناتها.

وفي المدرسة الثانوية التي تدرس فيها إحدى القتيلات، كان الحال مأساوياً؛ تقول إحدى الطالبات: نزلنا من القاعات ونحن أسعد ما نكون بانتهاء الامتحانات، فإذا بالمعلمة تفاجئنا وتقول: اطلبوا لزميلتكم الرحمة يا بنات، أخوها اتصل ويقول لكم حللوها، تحولت المدرسة إلى ساحة للحزن والبكاء على هذه الفتاة المسكينة، وليتها واحدة، بل ثلاث وأمهم، وعلى يد من؟ على يد والدهم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

اللهم اجبر مصاب هذه الأسرة، واغفر للفقيدات، وأسكنهن غرفات الجنات، وأبدلهن عن شبابهن نعيماً وسروراً في جوارك يا رب العالمين.

عباد الله: كفى بهذه الحادثة واعظاً للنفوس! كفى بهذه الفاجعة شاهداً على قبح المسكرات والمخدرات، وأنها تقتل كل المعاني الجميلة في حياتنا!.

نحن اليوم بين ثلاثاءين، الثلاثاء الماضي الذي وقعت فيه هذه الجريمة، والثلاثاء القادم الذي يوافق اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، والذي تخصصه دول العالم للتذكير بمكافحة المخدرات والتوعية بأضرارها.

المسكرات أو المخدرات كلمة قليلة الحروف، قاتلة المعاني، وسلاح خطيرٌ بيد فاقدي الضمير، تفتك بالعقول والأجساد والأموال، وتدمر الأسر و المجتمعات.

وإذا كانت النصوص من الكتاب والسنة قد تضافرت على تحريم الخمر استعمالاً وبيعاً وشراءً وغير ذلك، فقد أجمع العلماء على إلحاق المخدرات بالخمر في التحريم؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة:90].

وإذا كان العاقل يدرك تماماً أضرار هذه الآفة، فلا بأس أن نذكِّر ببعضها:
فمنها الأضرار الدينية؛ فهي تصد عن ذكر الله وعبادته، وتضعف الإيمان، وتقتل الحياء من الله، وصاحبها ملعون مطرود عن رحمة الله، هذا في الدنيا؛ أما في الآخرة فإن متعاطيها متوعد بالعقوبات الشديدة، روى مسلم عن جابر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُلُّ مُسْكِرٍ حرام، إن على الله -عز وجل- عهداً لِمن يشرب المسكر أن يَسقيه من طينة الخبال". قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: "عرَق أهل النار". أو "عصارة أهل النار".

ومنها الأضرار الصحية الخطيرة على أجهزة الجسم المختلفة كالجهاز العصبي والدوري والهضمي والتناسلي والجلد والعظام و الأسنان وغيرها.

ومنها الأضرار الاجتماعية؛ من انهيار الأسرة، وانحراف أفرادها، وكثرة حالات الطلاق، ووقوع العداوة والبغضاء، وانطفاء نار الغيرة على العرض في قلب المدمن؛ بل إنه قد يلجأ -والعياذ بالله- إلى المتاجرة بعرضه للحصول على المخدر.

ومنها الأضرار الأمنية من وقوع الجرائم و انتشارها، ووقوع الحوادث المرورية.

ومنها الأضرار الاقتصادية؛ سواء على دخل المتعاطي وحالة أسرته المادية، أو على اقتصاد الدول في مكافحة المخدرات، ومستشفيات الإدمان، والسجون.

عباد الله: وإذا كانت هذه أضرار المخدرات فإننا نتساءل: كيف يجرؤ العاقل أن يتعاطى هذه السموم؟ وما أسباب هذه الظاهرة؟.

إن من أهم أسباب هذه الظاهرة ضعف الإيمان؛ ولهذا يقول -عليه الصلاة والسلام- في حديث أبي هريرة المتفق عليه: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن".

إن أقواماً ضَعُف إيمانُهم، ونَسُوا ربَّهم، وهجروا مساجدَهم، هم أقربُ الناس إلى طريق المخدرات.

ومن الأسبابِ المهمةِ ضعفُ التربية الأُسَرية؛ بإهمال الوالدين تربيةَ أولادهم، أو القسوة والكبت والحرمان، أو التفرقةِ وعدمِ العدل بين الأولاد. وقل مثل ذلك في الدلال المفرط، وضعف جانب المنع والوقاية في الأسرة.

ومن مظاهر ضعفِ التربيةِ القدوةُ السيئةُ، وذلك بأن يقع أحدُ الوالدين في تعاطي المخدرات.

أذكر أني قبل سنواتٍ التقيت بأحد المدمنين في مستشفى الأمل، سألته عن سبب إدمانه، فقال: دخلتُ يوماً على والدي وهو يستخدم الهيروين، طلبت منه أن يعطيَني مما معه، فأعطاني وقال: اذهب واستخدمه في الغرفة الأخرى.

ومن مظاهر ضعف التربية التفكك الأسري، وكثرة الخلافات بين الزوجين، وقل مثل ذلك في طول غياب الوالدين عن المنزل، فالوالد مشغول بعمله أوتجارته أو جلساته وسهراته، والوالدة مشغولة بعملها أو زياراتها لصديقاتها.

التقينا في دار الملاحظة بشاب عمره سبعة عشر عاماً، وكان يقول: بعد طلاق أمي من أبي عشت أنا وإخواني مع أبي، كان أبي سائق أجرة، ويغيب عنا طويلاً، فانحرف سلوكي، وتركت المدرسة، ثم وقعت في المخدرات.

ومن الأسباب رفقة السوء، مفاتيح الشرور، وأعوان الشياطين، الذين ربما يلتقي بهم الشاب في المدرسة أو الحي، أو النوادي و الحدائق والأماكن العامة.

قبض على أحد الشباب في قضية استعمال مخدرات، التقيت بالشاب وسألته عن سبب تعاطيه المخدرات، فقال لي: إن السبب هو أحد رفاقي المنحرفين في الحارة، عندما ركبت معه السيارة ناولني الحبة، فقلت له: إن المخدرات ضارة؛ فردَّ عليَّ وقال: لا تخف، أنـا أتعاطى الحبوب منذ سنوات ولم يصبني شيء، يقول: فأكلت الحبة وأتبعتها بأخرى حتى وقعت في الإدمان.

ومن الأسبابِ وسائلُ الإعلام، ولا سيما ما يعرض في بعض القنوات الفاسدة من مشاهد شرب الخمور وتعاطي المخدرات، مما يغري الشباب بل والفتيات بشربها، وفي بحث أجري على بعض المدمنات في مستشفى الأمل بالرياض ذكرت غير واحدة منهن أنها كانت تتأثر عندما تشاهد الرجال والنساء في الأفلام الأمريكية والغربية يشربون الخمر في جلسات وسهرات مغرية، مما دفعها للتجربة.

ومن الأسباب السفر إلى الخارج، ففي دراسة على متعاطي المخدرات في السعودية والبحرين والكويت تبين أن52 % من متعاطي المخدرات في هذه البلاد سبق لهم السفر إلى الخارج، إنهم يسافرون عبر بوابات المطار، ويعودون عبر بوابات الوهم والإدمان.

نسأل الله تعالى أن يقينا وأسرنا من هذا البلاء الخطير، والشر المستطير، إنه على كل شيء قدير.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عبده المصطفى.

عباد الله: ويبقى السؤال الهام، ما هو العلاج؟ هل يكفي وجود مستشفى الأمل لعلاج المدمنين وتنتهي القضية؟.

الجواب: لا؛ المستشفى لا يكفي لأمرين:
أولاً: إن المستشفى إمكانياته محدودة، رغم الجهود المشكورة التي يبذلها العاملون في المستشفى، وكلنا أمل في المسؤولين في وزارة الصحة أن يسارعوا إلى توسيع وتحسين وضع المستشفى، ليكون بحجم الظاهرة والعدد الكبير للمدمنين في مدينة مليونية كمدينة الرياض.

ثانياً: إن بناء المستشفيات لا يمثل سوى 25 % من حل المشكلة كما يشير إليه كبار الباحثين وأطباء علاج الإدمان في العالم، ويبقى ثلاثة أرباع الحل بيد المريض، والأسرة، والمدرسة، والمسجد، والجهات الأمنية، والمجتمع كله.

ولعلي أذكر بإيجاز بعض النقاط في الوقاية والعلاج.
أولا: لا بد من الاهتمام بالعلاج الإيماني؛ فإن الإيمان هو الحل لكثير من مشاكل الشباب والأمة، الإيمان الذي جعل الصحابة مدمني الخمر في الجاهلية يريقونها حتى جرت بها شوارع المدينة وهم يقولون: انتهينا انتهينا!.

ثانياً: رسالة إلى الآباء والمربين بضرورة الاهتمام بالتربية وإصلاح النشء، "وكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته". وكم -والله!- أحزن وأتألم عندما يشكو لي بعض الشباب انحراف آبائهم، وربما يصلي بعضهم معي في هذا الجامع وقد اسود وجهه، ونكّس رأسه، ثم يقول: عندنا مدمن في البيت. فأقول له: مَن هو؟ فيقول: الوالد هو المدمن!.

فإلى هؤلاء الشباب أقول: إن فساد الأب أو المربي لا يبرر فساد المتربي، فاصبر لربك، واثبت على دينك.

ثالثا: الرفقةَ الرفقةَ! تذكر -أخي الشاب- أن طبقة الأقران أهم مصادر التلقِّي والاقتداء عند الإنسان، فقل لي مَن تصاحب أقل لك مَن أنت، وأصدق من هذا قوله -عليه الصلاة والسلام-: "المرءُ على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" أخرجه الترمذي وحسَّنه الألباني.

رابعا: ومن العلاج كذلك احتواء أوقات الشباب، وملؤها بالنشاطات المفيدة والنافعة، والاستفادة من حلقات تحفيظ القرآن، والمراكز الصيفية، والمخيمات الشبابية وغيرها.

وفي الختام، هذه سبع خطوات سريعة لعلها تكون طوق نجاة لمن وقع فعلاً في الإدمان:
أولا: لا بد من معرفة السبب والدافع لتعاطي المخدرات، وعلاج هذا السبب من مشاكل نفسية، أو عائلية، أو رفقة سيئة، أو فراغ... الخ.

ثانياً: يمكن الاستعانة بمستشفى الأمل، سواء بالتنويم في المستشفى، أو عن طريق العيادات الخارجية.

ثالثا: يحتاج المدمن إلى جرعة إيمانية قوية، وإنعاش للقلب، وملازمة أهل الخير ومجالسهم.

رابعا: توكَّلْ على الله، واستعن بالله، وأكثر من الدعاء والالتجاء إلى الله.

خامساً: استعن بعائلتك وأصدقائك، واطلب منهم الدعم والتشجيع.

سادساً: إذا فشلت في الإقلاع فلا تيأس، البعض ينجح بعد المحاولة الرابعة أو ربما أقل أو أكثر.

سابعا: الصبر، ضع في حسابك أنك ربما ستتعرض لأعراض انسحابية بسبب فقد الجسم للمادة، فعليك بالصبر، وكلها أيام ويتعود جسمك بإذن الله.

ثامناً: ليس بالضرورة أن يكون العلاج برضا المريض، بل يمكن أن يجبر عليه لمصلحته، وهذا الأمر فيه نظام علاجي سري مطبق الآن، يمكن أن تستفيد منه الأسر بالتنسيق مع إدارات مكافحة المخدرات.

تاسعاً وأخيراً: أقول لكل مدمن بادر قبل فوات الأوان، هل تنتظر يا أخي أن ينزل بك ملك الموت وأنت سكران؟ أو تفارق الدنيا وبيدك سيجارة الحشيش فتلقى الله بها؟ هل تنتظر وأنت تبيع عقلك أن تنسلخ من إيمانك، أو تقتل نفسك أو أحبابك؟.

هل تأملت الحادثة التي ذكرتها في أول الخطبة، رجل يقتل بناته الثلاث وأمهم في لحظة واحدة، بأي ذنب قتلوا؟ ماذا لو كنت أنت القاتل؟ إنها خطوات أولها حبة أو شربة أو سيجارة، وآخرها مآسٍ وفواجع في الدنيا والآخرة، كيف لا تحركك هذه الحادثة وتفجر في قلبك بركاناً من الغضب والبغض للمسكرات والمخدرات، ولكل من يتعاطاها ويروجها، فتبادر للتوبة منها؟.

ألا فلْنتق الله جميعاً، ولنبادر بالتوبة، وليقدم كل منا ما بوسعه أمام هذا الخطر العظيم الذي يهدد بيوتنا وأسرنا، نسأل الله السلامة والعافية.

اللهم صل على محمد...
 

 

 

 

 

 

المرفقات

وحادثة قتل المدمن بناته1

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات