المتكبر -جل جلاله-

د عبدالله بن مشبب القحطاني

2021-02-28 - 1442/07/16
التصنيفات: التوحيد
عناصر الخطبة
1/اسم الله المتكبر ودلائله 2/الكبرياء لله وحده 3/ذم الاتصاف بالكبرياء ومآل المتكبرين 4/خطر الاتصاف بصفة الكبر.

اقتباس

وَصِفَاتُ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ-: صِفَاتُ كَمَالٍ وَجَلَالٍ؛ فَرَبُّنَا الْمُتَكَبِّرُ يَتَكَبَّرُ وَيَتَعَالَى وَيَتَقَدَّسُ وَيَتَنَزَّهُ عَنِ الِاتِّصَافِ بِالْعَجْزِ وَالْقُصُورِ، وَالنَّقْصِ وَالْجَهْلِ، وَالضَّعْفِ وَالنَّوْمِ؛ وَغَيْرِهَا مِمَّا اتَّصَفَ بِهِ...

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللَّهِ: الْكِبْرِيَاءُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ اللَّهُ مَادِحًا نَفْسَهُ: (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[الْجَاثِيَةِ: 37]، وَقَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)[الْحَشْرِ: 23]؛ فَمِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- "الْمُتَكَبِّرُ".

 

فَرَبُّنَا الْمُتَكَبِّرُ تَكَبَّرَ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، وَتَكَبَّرَ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَتَكَبَّرَ عَنْ ظُلْمِ الْعِبَادِ، وَرَبُّنَا الْمُتَكَبِّرُ هُوَ الَّذِي يَتَكَبَّرُ عَلَى عُتَاةِ خَلْقِهِ إِذَا نَازَعُوهُ الْعَظَمَةَ؛ فَهُوَ الْمُتَكَبِّرُ، الْمُتَكَبِّرُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، الْمُتَعَظِّمُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْحَدَثِ وَالذَّمِّ.

 

وَأَصْلُ الْكِبْرِيَاءِ: الِامْتِنَاعُ، وَرَبُّنَا الْمُتَكَبِّرُ مُمْتَنِعٌ عَنِ النَّقْصِ وَالسُّوءِ وَالْعَيْبِ، وَالتَّاءُ فِي اسْمِهِ (الْمُتَكَبِّرُ) لَيْسَتْ تَاءَ التَّعَاطِي وَالتَّكَلُّفِ؛ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ يَتَعَظَّمُ وَلَيْسَ بِعَظِيمٍ، وَإِنَّمَا هِيَ: تَاءُ التَّفَرُّدِ وَالِاخْتِصَاصِ.

 

وَالتَّكَبُّرُ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِهِ -سُبْحَانَهُ-؛ لِأَنَّهُ وَحْدَهُ الْمَلِكُ وَمَا سِوَاهُ مَمْلُوكٌ، وَهُوَ وَحْدَهُ الرَّبُّ وَمَا سِوَاهُ مَرْبُوبٌ، وَهُوَ الْخَالِقُ وَحْدَهُ وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ وَحْدَهُ الْمُتَفَرِّدُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ وَالْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ، وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ"(حَدِيثٌ صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، وَاللَّهُ -تَعَالَى- قَالَ: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)[الْحَشْرِ: 23]؛ فَالْمُنَزَّهُ عَنِ النَّقَائِصِ؛ الَّذِي لَهُ الْمُلْكُ وَالتَّصَرُّفُ وَالتَّدْبِيرُ وَالْعَظَمَةُ وَالْكَمَالُ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ؛ هُوَ وَحْدَهُ الْمُتَكَبِّرُ، لَا شَرِيكَ لَهُ.

 

لِذَا؛ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ الْمُتَكَبِّرُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِنَفْسِهِ، وَتَوَعَّدَ مَنِ اتَّصَفَ بِهَا بِالْعِقَابِ الشَّدِيدِ؛ صَحَّ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحَدًا مِنْهُمَا؛ قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ"(حَدِيثٌ صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

 

وَصِفَاتُ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ-: صِفَاتُ كَمَالٍ وَجَلَالٍ؛ فَرَبُّنَا الْمُتَكَبِّرُ يَتَكَبَّرُ وَيَتَعَالَى وَيَتَقَدَّسُ وَيَتَنَزَّهُ عَنِ الِاتِّصَافِ بِالْعَجْزِ وَالْقُصُورِ، وَالنَّقْصِ وَالْجَهْلِ، وَالضَّعْفِ وَالنَّوْمِ؛ وَغَيْرِهَا مِمَّا اتَّصَفَ بِهِ الْخَلْقُ؛ وَلِذَا؛ فَأَنْتَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ!- إِذَا اسْتَحْضَرْتَ صِفَاتِ اللَّهِ فَاعْلَمْ أَنَّهَا صِفَاتُ كَمَالٍ وَجَلَالٍ، وَانْفِ التَّشْبِيهَ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ صِفَاتِهِ -سُبْحَانَهُ-.

 

فَجَمَالُهُ بِالذَّاتِ وَالْأَوْصَافِ *** وَالْأَفْعَالِ وَالْأَسْمَاءِ بِالْبُرْهَانِ

لَا شَيْءَ يُشْبِهُ ذَاتَهُ وَصِفَاتِهِ *** سُبْحَانَهُ عَنْ إِفْكِ ذِي الْبُهْتَانِ

 

وَمَقَامُ الْمَخْلُوقِ: مَقَامُ عُبُودِيَّةٍ وَخُضُوعٍ، وَذُلٍّ وَانْكِسَارٍ لِلْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ؛ لِذَلِكَ نَزَّهَ اللَّهُ -تَعَالَى- أَنْبِيَاءَهُ وَعِبَادَهُ الصَّالِحِينَ عَنِ الْكِبْرِ، وَكَانُوا يَسْتَعِيذُونَ مِنَ الْكِبْرِ وَالتَّكَبُّرِ؛ (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا)[مَرْيَمَ: 14]، (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)[مَرْيَمَ: 32]، (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ)[غَافِرٍ: 27].

 

وَمَنِ اتَّصَفَ بِهَا فَسَدَتْ نَفْسُهُ، وَزَالَ عَنْهَا صَلَاحُهَا، وَطُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ بِالرَّانِ؛ (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)[غَافِرٍ: 35]، وَلِذَا؛ كَانَ إِبْلِيسُ إِمَامَ الْمُتَكَبِّرِينَ؛ (إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)[ص: 74].

 

وَهِيَ صِفَاتُ الْمُلُوكِ الطُّغَاةِ؛ كَفِرْعَوْنَ وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِ مِنَ الطُّغَاةِ؛ (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ)[الْقَصَصِ: 39]، وَمَنْ زَادَ مَالُهُ وَكَثُرَ عِيَالُهُ، وَبَارَزَ اللَّهَ بِهِمَا؛ تَسَلَّلَ الْكِبْرُ إِلَى قَلْبِهِ، فَمَنَعَهُ مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ؛ كَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ؛ (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ)[الْمُدَّثِّرِ: 11- 26].

 

وَالْكِبْرُ: سَبَبُ هَلَاكِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبِةَ بِالْحَقِّ؛ (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ)[غَافِرٍ: 15]، وَقَالَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ)[الْأَعْرَافِ: 88]، وَقَالَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)[الْأَعْرَافِ: 76].

 

وَمَآلُ الْمُتَكَبِّرِينَ: جَهَنَّمُ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ -نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا-؛ (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)[غَافِرٍ: 60]، (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ)[الزُّمَرِ: 60].

 

وَلَا يَتَسَلَّلُ الْكِبْرُ إِلَّا إِلَى الْقَلْبِ الْمَرِيضِ؛ (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[غَافِرٍ: 56].

 

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "مَا دَخَلَ قَلْبَ امْرِئٍ شَيْءٌ مِنَ الْكِبَرِ قَطُّ إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ بِقَدْرِ مَا دَخَلَ مِنْ ذَلِكَ؛ قَلَّ أَوْ كَثُرَ".

 

وَقَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "مَا تَكَبَّرَ أَحَدٌ إِلَّا مِنْ ذِلَّةٍ يَجِدُهَا فِي نَفْسِهِ"؛ فَإِذَا تَسَلَّلَ أَصْبَحَ مُنَازِعًا، صَحَّ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ"، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً! قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ"(أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ)، وَمَنْ لَمْ يَقْبَلِ الْحَقَّ وَازْدَرَى النَّاسَ يَكُنْ مُتَكَبِّرًا، وَمَآلُهُ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، صَحَّ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ"(أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ).

 

وَجَاءَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ، يُقَالُ لَهُ: بُولَسُ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ: طِينَةِ الْخَبَالِ"(حَدِيثٌ صَحِيحٌ)؛ -أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا-.

 

حُكِيَ: "أَنَّ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ نَظَرَ إِلَى الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ يَسْحَبُهَا، وَيَمْشِي الْخُيَلَاءَ؛ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! مَا هَذِهِ الْمِشْيَةُ الَّتِي يَبْغَضُهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: أَمَا تَعْرِفُنِي؟ فَقَالَ: بَلْ أَعْرِفُكَ، أَوَّلُكَ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُكَ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَحَشْوُكَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ بَوْلٌ وَعَذِرَةٌ".

 

لَوْ فَكَّرَ النَّاسُ فِيمَا فِي بُطُونِهِمُ *** مَا اسْتَشْعَرَ الْكِبْرَ شُبَّانٌ وَلَا شِيبُ

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: الْكِبْرُ: مَرَضٌ عُضَالٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ إِبْلِيسَ، وَقَدِ ابْتُلِيَ بِهِ فِي هَذَا الزَّمِنِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ فَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَفْضَلِ الْخَلْقِ! سَوَاءٌ فِي الْمَعِيشَةِ أَوِ الْعَشِيرَةِ أَوِ الذَّهَبِ أَوِ الْمَالِ؛ حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ!

 

وَمَنِ اعْتَرَاهُ هَذَا؛ فَقَدِ اعْتَرَاهُ الْكِبْرُ؛ فَلْيَنْظُرْ فِي بَاطِنِهِ نَظَرَ الْعُقُلَاءِ، وَلَا يَنْظُرْ إِلَى ظَاهِرِهِ نَظَرَ الْبَهَائِمِ! وَلْيَتَذَكَّرْ أَصْلَ وُجُودِهِ، وَمِنْ أَيْنَ خَرَجَ؟ وَنِهَايَتُهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا.. جِيفَةٌ مُنْتِنَةٌ! وَعَلَيْهِ بِالتَّوَاضُعِ وَمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ وَضِعَافِ النَّاسِ، وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى، وَمُشَاهَدَةِ الْمُحْتَضَرِينَ وَأَهْلِ الْبَلَاءِ، وَالنَّظَرِ فِي سِيَرِ الْمُتَكَبِّرِينَ وَأَخْبَارِهِمْ؛ كَيْفَ كَانُوا؟ وَإِلَى أَيِّ شَيْءٍ صَارُوا؟

 

كَأَنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ بِأَخْبَارِ مَنْ مَضَى*** وَلَمْ تَرَ فِي الْبَاقِينَ مَا يَصْنَعُ الدَّهْرُ

فَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي فَتِلْكَ دِيَارُهُمْ *** مَحَاهَا مَجَالُ الرِّيحِ بَعْدَكَ وَالْقَبْرُ

 

اللَّهُمَّ! إِنَّا نَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمُتَكَبِّرِ: أَنْ تَرْحَمَ ضَعْفَنَا، وَتَسْتُرَ عَيْبَنَا، وَتَغْفِرَ ذَنْبَنَا.

 

اللَّهُمَّ! إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالسَّدَادَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعِفَّةَ وَالْغِنَى، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ؛ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ؛ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، وَأَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لَنَا خَيْرًا.

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَأَخْرِجْنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّاتِنَا، وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّتِنَا وَأَمْوَالِنَا، وَاجْعَلْنَا مُبَارَكِينَ أَيْنَمَا كُنَّا.

 

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

المرفقات

المتكبر -جل جلاله-.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات