المباح: أحواله وأحكامه (1)

فريق النشر - ملتقى الخطباء

2022-10-07 - 1444/03/11
التصنيفات:

 

 

د. محمد مصطفى الشيخ

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

 

فإن الله تعالى خلق لنا ما في الأرض جميعًا، وأحلَّ لنا الطيبات، حتى كان الأصل في غير العبادات الحِلَّ والإباحة، والمشهور عند الأصوليين أنَّ المباحَ مستوي الطرفين من حيث الفعل والترك، فلا يلحقه مدح ولا ذم في الحالين، لكن دلَّت نصوص الشريعة على أن المسلم قد يثاب إذا فعل المباح، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((وفي بُضْع أحدكم صدقة))، فهل الإثابة هنا لأنَّ المباح قد اقترَنَ بأمْر قلبيٍّ زائد، وهو نية التقرُّب إلى الله؟ أم أنَّ المسلم مُثاب على فعل المباح مطلقًا؟

 

 

إنَّ تعريف أهل العلم للمباح إنما هي للمباح من حيث هو، أما واقع المسلم في تعامله مع المُباحات، فله أحوالٌ عدَّة، نُجملها في هذه المقالة، مستقرئين كلام المحقِّقين، فنقول وبالله التوفيق:

 

أحوال المسلم مع المباح:

 

(1) الحال الأولى: أن يَتناول المباح لا من جهة الإذن، بل لداعي النفس والشهوة؛ كمن يحتاج المال فيَطلب تحصيله كيفما اتَّفق، فإنْ وَجَدَ مال غيره سَرَقَه (حرام)، وإن وجد من يُسلِّفه استدان (مباح)، فهذا ظاهرٌ أنه غير مُثاب على المباح إنْ فعله، بل يعاقَب على نيته إن بلغت مرتبة العزم على مُواقَعة الحرام.

 

 

 

(2) الحال الثانية: أن يتناول المباح لداعي النفس والشهوة لكن من جهة الإذن الشرعي، فهو أبدًا مستحضرٌ حرماتِ الله، فالحلال ما أحله الله والحرام ما حرَّمه، فهذا مثاب على عقد القلب بقطع النظر عن تناوله المباح من عدمه، فإنَّ المثوبة على قبول شرع الله والتزامه، الذي هو أصل دين الإسلام ومقتضى التوحيد - لا تنفك عن العبد المسلم، وهذا من فضل الله تعالى، وقد قال: ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ﴾ [القلم: 35]، وهذا يصدق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات))؛ لأنَّ مِثل هذا عنده أصل النيَّة الصالحة، وأصل الإخلاص والقصد، الذي به صحَّ إسلامه وقُبلت أعماله، مثلما أخبر المولى الكريم بقبول الأعمال من الأعراب الذين نَفَى عنهم الإيمان.

 

 

 

ويساعدنا في هذا المقام تقرير ابن تيمية أن: "النية الحكمية تقوم مقام النية المستحضرة وإن كانت النية المُستحضَرة أكمل وأفضل، فإذا نوى العبد صلاة الظهر في أول الأمر أجزأه استصحاب النية حكمًا، فكذلك العبد المؤمن الذي دَخَلَ الإيمانُ في قلبه قد نوى نية عامة أن عباداته هي له لا لغيره، فإنه إن لم يكن كذلك كان منافقًا، فإذا نوى عبادة معينة من صلاة وصوم كان مستصحِبًا لحكم تلك النية الشاملة لجميع أنواع العبادات" [الفتاوى: 26 / 29 - 30]، وتقريرُه الفرقَ "بين مَن لم يُرد الله بعمله لا جملة ولا تفصيلاً، وبين من أراده جملة وذهل عن إرادته بالعمل المعين تفصيلاً"، ونقول: فكذلك العبد المؤمن الذي معه الأصل قد نوى نية عامَّة ألا يفعل إلا حلالاً.

 

 

 

(3) الحال الثالثة: فإنِ انضاف إلى هذا العقد الأول إرادةُ مرضاة الله في الفعل المعيَّن كما في الحديث: ((تَبتغي بها وجه الله)) - ((تَحتسبها))، انقلَب المباح إلى طاعة وقربة يُثاب عليها فوق أجر إسلامه، والله تعالى أعلم.

 

 

 

وقد فصَّل ابن تيمية والشاطبي[1] رحمهما الله في المباح وأحكامه تفصيلاً عظيمًا، حاصله:

 

أن فعل العبد بحسب الأمر المُطلَق:

 

  • إما أن يكون بالنسبة إلى الشرع وجودُه راجحًا على عدمه، وهو الواجب والمستحب، فالصدقة على المسكين مستحَبَّة، لكن قد تَحرم إذا تعينت نفقة واجبة من هذا المال.

 

 

 

  • وإما أن يكون عدمه راجحًا على وجوده، وهو المحرَّم والمكروه؛ فأكل المَيتة محرَّم بالنظر إلى الأمر المُطلَق، وإن كان مباحًا أو مطلوبًا حال الاضطرار.

 

 

 

  • وإما أن يستوي الأمران، وهو المباح، وهذا بالنظر إلى ذات الفعل، لا بالنظر إلى ما يستلزم، فهو مستوي الطرفين من حيث هو مباح، لا من حيث هو ذريعة إلى أمر آخر، ولا بالنظر إلى ما يتعلق به في سوابقه أو قرائنه أو لواحقه مما قد يَصير به غيرَ مباح؛ "كالمال إذا لم تؤدَّ زكاته كان مغرمًا ووبالاً، وكالخيل إذا ربطها في سبيل الله فهي أجر ومغنَم".

 

 

 

ثم الفعل المُعَين الذي يقال: هو مباح، إما أن يقصد به الاستعانة على الطاعة أوْ لا يقصد ذلك، فإن قصدَ الاستعانة به على الطاعة: صارَ محبوبًا راجحَ الوجود بهذا الاعتبار، وهذه هي الحال الثالثة التي ذكَرنا آنفًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين لسعد: ((إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا ازددتَ بها درجة ورفعة، حتى اللقمة تضعها في فِي امرأتك))؛ متفق عليه[2]، وقال صلى الله عليه وسلم في الصحيح: ((نفقة المسلم على أهله يحتسبُها صدقةٌ)) متفق عليه[3]، وهذه النصوص تُرتب الثواب على فعل المباح بقصد زائد، وهو قصد القُربة والطاعة.

 

 

 

  • وإن لم يقصد به الطاعة (الحال الثانية أعلاه، وهي مسألتنا): مِثل من فَعَلَ فُضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة (ولا معصية)، وكذلك من فَعَلَ المباحات مع الغفلة؛ أي: أتى أفعال الغفلة والشهوة التي يُمكن الاستعانة بها على الطاعة؛ (كالنوم والأكل والشرب واللباس والنكاح)، لكنه لا يقصد بها الطاعة، وفي الجملة: ما لا يُحتاج إليه من المباحات أو يُحتاج إليه ولم يَصحبه إيمانٌ يجعله حسنة، فهذه المباحات بالنظر إلى أنها شغلت العبد عن طاعة الله، فعدمُها خير من وجودها؛ لأنها نزلت به عن رتبة المقربين، وبالنظر إلى أنها شغلته عن معصية الله فهي رحمة في حقه؛ لأنها ارتفعت به عن درجة العصاة الظالمين لأنفسهم[4]، وبالنظر إلى أنها تشغله عن مباح آخر كان المباح الأول مستوي الطرفين من هذه الحيثية، فيقال: لا فرق بين هذا وهذا، فالحاصل أن هذا يصلح للأبرار المقتصدين أهل اليمين الذين يتقربون إلى الله بالفرائض؛ كأداء الواجبات وترك المحرَّمات، ويشتغلون مع ذلك بمباحات، فهؤلاء قد يكون المباح المعَين يستوي وجوده وعدمه في حقهم إذا كانوا عند عدمه يشتغلون بمباح آخر.

 

 

 

فمن فعل مثل هذه المباحات - مع أداء الفرائض واجتناب المحارم باطنًا وظاهرًا - فهو من المقتصدين أصحاب اليمين، وفِعلُهُ هذا لا ثواب فيه ولا عقاب، إلا أنه نقص من العبد عن مرتبة المقربين السابقين؛ ولهذا كان تركُها خيرًا له وإن لم يعاقَب عليها.

 

 

 

فإن الذي ينبغي ألا يَفعل من المباحات إلا ما يستعين به على الطاعة، ويقصد الاستعانة بها على الطاعة، فهذا سبيل المقربين السابقين الذين تقربوا إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض.

 

 

 

ولنا تعقيب على مرتبة الأبرار المقتصدين أهل اليمين الذين يتقرَّبون إلى الله بالفرائض، ويشتغلون مع ذلك بمباحات، وكون هؤلاء قد يكون المباح المعَين يستوي وجوده وعدمه في حقهم إذا كانوا عند عدمه يشتغلون بمباح آخر، فلا ريب أن هذا الكلام وجوده عسير في الواقع، فمن ذا الذي فعل الواجبات جميعًا وانتهى عن المحرَّمات، ثم عنده فضلُ وقتٍ لفضول المباحات؟ خاصة في زماننا الذي لم تقم فيه الكفاية في كثير من الفروض، وقد تعيَّنت على المسلمين جميعًا، وبخاصَّة الطلاب والدعاة والعلماء والمجاهدون، فلا ريب أننا يَنبغي أن نشتغل بالنوافل بعد الفرائض عسى الله أن يجبر بها التقصير في الفرائض، ولهذا قيل: ليس نافلة لأحد بعد رسول الله، ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ [الإسراء: 79]؛ لأن التقصير في الفرائض حاصل لجميع الأمة من بعده فتُجبَر بالنوافل، فلا تكون النافلة دائمًا نافلةً بمعنى الزيادة والفضل، والله ذو فضل عظيم.

 

 

 

يقول ابن تيمية: "والزهد المشروع هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة، وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله، كما أن الورع المشروع هو ترك ما قد يضرُّ في الدار الآخرة، وهو ترك المحرَّمات والشبهات التي لا يستلزم تركُها تركَ ما فِعلُهُ أرجح منها، كالواجبات.

 

 

 

فأما ما ينفع في الدار الآخرة بنفسه أو يعين على ما ينفع في الدار الآخرة، فالزهدُ فيه ليس من الدِّين، بل صاحبه داخل في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [المائدة: 87]، كما أن الاشتغال بفضول المباحات هو ضد الزهد المشروع، فإن اشتغل بها عن فعل واجب أو [ترك] محرم، كان عاصيًا، وإلا كان منقوصًا عن درجة المقربين إلى درجة المقتصدين) [الفتاوى: 10 / 21].

 

 

 

ولعله بهذا التقرير يتَّضح للمسلم معنى المباح، وما ينبغي أن يأتي منه وما يذر، فيسلك بذلك سبيل العارفين العابدين، الذين رَعَوْا حقوق الله حق رعايتها.

 

 

 

وتبقى لنا مسألة، وهي حديث: ((وفي بُضْع أحدكم صدقة))، وفي هذا الحديث أصل عظيم نتكلم عليه - بإذن الله - في المقالة القادمة، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

[1] عقد الشاطبي بحثًا نفيسًا في المُباح أولَ كتابه، ضبَط به المسائل والأحكام المتعلِّقة به، وبيَّن حقيقة موقف السلف من المُباحات ومقصود الشارع من طلب التمتع بالطيبات أو ذم الدنيا والمال... إلخ، فراجعه فإنه عظيم النفع؛ وخاصة المسألتين الأوليين [الموافقات: ك / الأحكام، القسم الأول (خطاب التكليف)، المسألة الأولى والثانية، 1 / 171 - 223].

 

[2] البخاري: ك / الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى...، ح (56) - ك / الجنائز، باب رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة، ح (1296) - ك / الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس، ح: (2742) - ك / المناقب، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهمَّ أَمضِ لأصحابي هجرتهم)) ومرثيته لمن مات بمكة، ح: (3936) ك / المغازي، باب حجة الوداع، ح: (4409) - ك / النفقات، باب فضل النفقة على الأهل...، ح: (5354) - ك / المرضى، باب قول المريض: إني وجع، أو: وارأساه، أو: اشتد بي الوجع...، ح: (5668) - ك / الدعوات، باب الدعاء برفع الوباء والوجع، ح: (6373) - ك / الفرائض، باب ميراث البنات، ح: (6733)، ومسلم: ك / الوصية، باب الوصية بالثلث، ح: (1628)، وأبو داود: ك / الوصايا، باب ما جاء في ما لا يجوز للموصي في ماله، ح: (2864)، والترمذي: ك / الوصايا، باب ما جاء في الوصية بالثلث، ح: (2116)، وأحمد: ح: (1443)، ح: (1483)، ح: (1485)، ح: (1491)، ح: (1527)، ح: (1549)، ومالك: ك / الأقضية، باب الوصية في الثلث لا تتعدى، ح: (1495)، والدارمي: ك / الوصايا، باب الوصية بالثلث، ح: (3196) الجميع من حديث سعد بن أبي وقاص.

 

[3] البخاري: ك / الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى...، ح: (55) - ك / المغازي، باب..، ح: (4006) - ك / النفقات، باب فضل النفقة على الأهل...، ح: (5351)، ومسلم: ك / الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين، ح: (1002)، والنسائي: ك / الزكاة، باب أي الصدقة أفضل، ح: (2545)، الترمذي: ك / البر والصلة، باب ما جاء في النفقة في الأهل، ح: (1965)، وقال: حسن صحيح، وأحمد: ح: (16634)، ح: (16661)، ح: (21842)، والدارمي: ك / الاستئذان، باب في النفقة على العيال، ح: (2664) الجميع من حديث أبي مسعود الأنصاري.

 

[4] لكن لا يُقال: إن المباح مستحَبٌّ أو واجب؛ لأنه شغله عن محرَّم؛ وذلك لأن المباح الذي اشتغل به عن محرم لم يؤمر به ولا بامتثاله أمرًا مقصودًا، لكن نُهي عن الحرام، ومِن ضرورة ترك المنهيِّ عنه الاشتغال بضدٍّ من أضداده، فهذا يقع لازمًا لترك المنهي عنه، فليس هذا المباح هو الواجب المحدود بقولنا: الواجب ما يذم تاركه ويعاقب تاركه أو يكون تركه سببًا للذم والعقاب، ولكن قد يصحُّ أن يُقال: ترك المنهي واجب لذاته، ولا يكون إلا بفعل مباح أو مأمور، فيكون المباح مباحًا من جهة نفسه، وقد يَجب وجوب المخيرات من جهة الوسائل؛ مُستفاد من ابن تيمية [الفتاوى: 10 / 530 - 534].

 

 

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات