المؤمن حارث وهمام

عبد الرحمن بن صالح الدهش

2013-09-24 - 1434/11/18
عناصر الخطبة
1/الإنسان ضعيف بطبيعته 2/تفاوت الناس في هممهم وأعمالهم 3/كثرة أبواب الخير وفضل السعي فيها 4/المقصود بحديث: \"حارث وهمام\" 5/أحب الناس أنفعهم للناس 6/كف الأذى عن الغير

اقتباس

أيها الإخوة: إن الإنسان بطبيعته التي خلقه الله عليها ضعيف في بدنه، ضعيف في إدراكه وتصوراته، فهو يريد كل شيء، ولا يستطيع أن يدرك إلا بعضاً من الشيء، ثم هذا الشيء الذي أدركه لم يدركه على أتم صفة فيه، وأعلى درجة منه.وكلامنا هو في الإرادات الباقية التي تنفع صاحبها، و...

 

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله...

 

أما بعد:

 

فإن مما يدركه الإنسان البصير حكمة الله في تفاوت رغبات الناس، وتباين هممهم ومراداتهم، والتأمل في ذلك لا يقل عظة وادكاراً عن التأمل في اختلاف ألسنتهم وألوانهم، وإذا كان الله يقول في ذلك: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ)[الروم: 22].

 

فقد قال أيضاً في الذين يريدون العاجلة، ومريدي الآخرة الساعين لها: (كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)[الإسراء:20-21].

 

أيها الإخوة: إن الإنسان بطبيعته التي خلقه الله عليها ضعيف في بدنه، ضعيف في إدراكه وتصوراته، فهو يريد كل شيء، ولا يستطيع أن يدرك إلا بعضاً من الشيء، ثم هذا الشيء الذي أدركه لم يدركه على أتم صفة فيه، وأعلى درجة منه.

 

وكلامنا هو في الإرادات الباقية التي تنفع صاحبها، ويسر بلقياها: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) [الكهف: 46].

 

وفي الآية الثانية: (وَخَيْرٌ مَّرَدًّا) [مريم: 76].

 

ولهذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "استقيموا ولن تحصوا".

 

"اكلفوا من الأعمال ما تطيقون".

 

قضيتان يلفت إليهما كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- فلن تطيق كل عمل، وما تطيقه لن تحصيه، أي: لن تتمه على وجهه؛ ولأجل هذا الخلل في بنية الإنسان اقتضت حكمة الله التخفيف على عباده: (عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ)[المزمل: 20].

 

إذن هي سنة إلاهية تنبه لها الصحابة -رضي الله عنه- فسألوا عن أفضل الأعمال، وعن أحبها إلى الله، وأقربها إليه.

 

ثم تبع هذا تفاوت الناس في أخذهم من هذه الأعمال؛ فمن الناس من فتح الله له باباً من الأعمال الصالحة، فهي ديدنه، ومنهم من فتح له بابان وثلاثة، وأكثر، فهو ينقل نفسه بين رياض هذه الأعمال، وفي كل واحد من هؤلاء خير، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير".

 

فقوي الإيمان على خير، وهو في علية الناس، وكتابه في عليين، وضعيف الإيمان هو الآخر على خير بشهادة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

والله -تعالى- يقول: (وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ)[البقرة: 221].

 

ومع ذلك هو مطالب أن يزيد في إيمانه، وأن ينشط في نفسه، وأن يلحق بالسابقين من إخوانه: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله".

 

(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) [الواقعة: 10-11].

 

(وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) [المطففين: 26].

 

إنَّ المسلم حينما يدرك أنه لن يستوعب كل أبواب الخير، وإن حصَّل جملة منها، فإنه يستمسك بالباب الذي فتح له، على حدِّ ما يروى عن عمر -رضي الله عنه-: "من بورك له في شيء فليلزمه".

 

فمن الناس من يفتح الله باب الصلاة، فهو ذو النفس التواقة إلى مناجاة الله، في إطالة الركوع والسجود، ينتظر الصلاة بعد الصلاة، فقلبه معلق بالمساجد، فإن حلَّ أو ارتحل فهو ينظر في ساعته متى الصلاة؟

 

وآخر يفتح له باب في النفقات، وبذل المال، فهو يعطي من ماله، ومن طعامه ولباسه، راحته أن يجد فقيراً ينفعه، أو مسكيناً يخفف مسكنته، إن كان ذا مال فهو يبذل من ماله، وإلا سعى له بمال من غيره؛ وفي صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ -وربما قال يعطي- ما أمر به، فيعطيه كاملا موفرا، طيبة به نفسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به؛ أحد المتصدقين".

 

فالسعي في أبواب الخير، وتفقد المحتاجين، وإيصال الصدقات والإعانات، والنظر في أسر المساجين، ومن ركبتهم الديون، ومن ضيق عليهم المؤجرون؛ همٌّ يجري في عروقهم، ومتعة لا يعدلها متعة، مع أهل ولا ولد.

 

فلله درهم ما أكثر خيرهم، وأعم نفعهم، فعلى الله أجرهم.

 

أما ذاك الثالث، فلا تسأل عن أنسه بالصيام، ومواصلة الأيام، يصوم حتى يقال: لا يفطر، ينتظر الأيام الفاضلة كما ينتظر الغائب غائبة.

 

وفي الصحيحين من حديث عائشة –رضي الله عنها- أنَّ حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "أأصوم في السفر؟ -وكان كثير الصيام- قال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر".

 

لحظات الإفطار لا تقاس ببهجة الدنيا كلها، فهو يصوم سراً وعلانية.

 

ومع هؤلاء وبينهم قوم آخرون قد خصَّهم الله واصطفاهم ليكون أكنافاً موطئة لوالديهم؛ فهم بررة بأبآئهم وأمهاتهم، يبذلون وقتهم وجهدهم ومالهم في الإحسان لهم، ودفع ما يزعجهم، فلا يرون راحة لهم إلا أن يرتاح والداهم، فهم يسهرون ويسافرون، ويهضمون أنفسهم لأجل والديهم.

 

بلغ برهم مبلغ الخيال، وانتهى إلى أعالي الجبال.

 

فبرهم أرجى عمل عندهم.

 

وفي قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة توسل أحدهم للخلاص من كربهم ببره والديه، وأنه لا يقدم عليهم أهلاً ولا ولداً، فصار بره من أسباب خلاصه من الموت، وخلاص رفاقه.

 

ومن أعظم الفتوحات في الأعمال: أن يفتح الله على بعض الناس حبَّ الخير للغير، فهو الناصح للمقصر، والمعلم للجاهل، والمذكر للناسي، فالمتجاسرون على حدود الله، هم شغله الشاغل، والمتورطون في المنكرات، هم محل تفكيره.

 

يرى هداية الخلق بالكلمة المشفقة، والقدوة الناصحة واجباً عليه، وبيان شرع الله للغافلين بالحكمة والموعظة الحسنة، غاية مراميه.

 

فهذا وأمثاله قد ارتاضت نفوسهم على سب الجاهلين، وسخرية المجرمين، وتغامز السافلين.

 

فمهمة الرسل مهمتهم، ولهم في صبر النبي -صلى الله عليه وسلم- المثل الذي تعلو بهم همتهم.

 

فما أكبر نفوسهم، وما أعظم أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم.

 

كتب عبد الله العُمري العابد إلى الإمام مالك -رحمهما الله-: يحضُّه على العُزلةِ والعمَل المنفرد، فكتب إليه الإمام مالك -رحمه الله-: "إنَّ الله قسم الأعمالَ كما قسم الأرزاق، فرُبّ رجلٍ فُتِح له في الصلاة ولم يفتَح له في الصوم، وآخر فُتح له في الصدقةِ ولم يفتَح له في الصوم" ثم يقول الإمام مالك: "ونشرُ العلم من أفضلِ أعمال البرّ، وقد رضيتُ بما فُتح لي فيه، وما أظنّ ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكونَ كلانا على برٍّ وخير".

 

وصدق رحمه الله، والله -تعالى- يقول: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [الزلزلة: 7].

 

بارك الله لي ولكم...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله...

 

أما بعد:

 

فتنوع الأعمال التي فتحها الله على عباده لا حدَّ لها، وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "المؤمن حارث وهمام".

 

فهو حارث بفعله يباشر أعماله، وما لا يستطيعه فهو همَّام به، أي: له نية حسنة فيه لو استطاعه لعمله.

 

فالتاجر في عمله، والموظف في وظيفته، والمعلم بين طلابه، وصاحب الرأي برأيه ومشورته، كل بحسبه، وحيث يضعها يجدها، ولا تزال دائرة الخير والعمل تتسع حتى لا تدع لأحد عذراً، وتأمل جيداً ما رواه أبو ذر -رضي الله عنه- قال: يا رسول الله، أيّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمانٌ بالله، وجهاد في سبيله" قال: فأيّ الرِّقاب أفضل؟ قال: "أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها" قال: أرأيتَ إن لم أفعل؟ قال: "تعين صانعًا، أو تصنَع لأخرَق" قال: أرأيت إن ضعفتُ عن بعض العمل؟ قال: "تكف شرَّك عن الناس، فإنّه صدقة تصدَّقُ بها على نفسك"[متفق عليه].

 

فاعرف -يا عبد الله-: أين تضع نفسك في ميدان العمل وفي حياة المسارعة والمسابقة؟

 

(وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ)[آل عمران: 133].

 

(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ)[الحديد: 21].

 

يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أحب الناس إلى الله -تعالى- أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله -عز وجل- سرور تدخله على مسلم"[حديث له طرق، حسنه الألباني].

 

وقبل هذا قول الله -تعالى-: (إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف: 56].

 

فالمحسنون في أعمالهم، والمخلصون في وظائفهم وتدريسهم، ما أقرب رحمة الله منهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وكل شيء يخصهم.

 

ومعية الله ترافقهم: (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) [النحل: 128].

 

فلا تدع للكسل محلاً في مسؤولية، سوف تسأل عنها أمام الله يوم القيامة، ثم أمام الناس في الدنيا.

 

واحذروا المزهدين في إتقان العمل بحجة كثرة التلاعب، والفساد الإداري الذي انتشر في كثير من الجهات الوظيفية، فيقال لهم كما قال الله -تعالى-: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف: 103].

 

(وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)[سبأ: 13].

 

فكن من هؤلاء القلة الشاكرين.

 

وانظر -أيها الموظف والمعلم- إلى من نجا كيف نجا؟

 

ولا تنظر إلى من هلك كيف هلك؟

 

وكل سوف يحاسب وحده، ويقرره ربه بذنبه.

 

وبه تعرف أيضا أن إطالة التلاوم، والتشكي، وخلق الأعذار للتنصل من المسؤولية، وتفريطك في واجب الوظيفة إنما هي حيل نفسية، ومعاذير ليصبح البطال ناجحاً، والقاعد عاملاً.

 

أيها الإخوة: هذه نظرة المؤمن للحياة فرصة يستغلها لا مجال للعبث واللهو والإخلال بالمرؤة، وإضاعة الوقار.

 

ولياليكم القادمة سوف يُظهر فيه قوم سفههم، ويبين بعض الشباب الغافلين شيئاً من طيشهم، فالوصية للجميع بتقوى الله -تعالى- وملاحظة من تحت أيدينا من الأولاد، حتى لا يكونوا مطمعاً للفوضويين.

 

والسماح للمراهقات بالتسوق، أو التجول، أو التجمع في تلك الليالي في الأماكن العامة مع السائق، أو غيره، تفريط بين لا تلم إلا نفسك -أيها الولي-، حينما ينتهي سمعك، أو تقف على ما يكره، واللبيب بالإشارة يفهم.

 

حمى الله بلادنا وأولادنا من السوء وأهله، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

 

وقوى الله رجال الأمن والمحتسبين في دفع الشر وإغلاق بابه، والله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

 

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، ونعوذ بك من فجاءة نقمتك، ومن جميع سخطك.

 

 

 

 

المرفقات

حارث وهمام

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات