اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك

أحمد بن مسفر المقرحي

2016-01-05 - 1437/03/25
عناصر الخطبة
1/ تأملات في حديث عظيم 2/ تبدُّل أحوال العباد 3/ الدنيا لا تدوم على حال 4/ استعاذة النبي -صلى الله عليه وسلم- من معظم الشرور في هذا الدعاء 5/ عجز الكثيرين وغفلتهم عن الدعاء 6/ الحث على الإكثار من الدعاء في الرخاء .
اهداف الخطبة
عنوان فرعي أول
عنوان فرعي ثاني
عنوان فرعي ثالث

اقتباس

مَن منا استشعر ما هو فيه من النعيم فاستعاذ بالله من زواله، ومن منا تفكر فيمن حوله من المبتلين، فاستعاذ بالله من البلاء، ومن منا تأمل في أحوال كثير من الناس الذين كانوا ينعمون في حياة كريمة فحلَّت بهم النِّقَم فحوَّلت فَرَحهم ترحًا، وبدَّلت سعادتهم همًّا وحزنًا؛ فسأل الله أن يعافيه مما حلَّ بغيره، ومَن منا وقف مع نفسه فتأمل هل هي سائرة في الاتجاه الذي يجعل الله راضيًا عنها أم أنها سائرة فيما يجعل الله غاضبًا عليها. فأشفق على نفسه من غضب الله؛ فاستعاذ بالله من غضبه....

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله مسدي النعم، ودافع النقم، ومبيد العصاة من الأمم، من سار على نهجه غنم وسلم، ومن لاذ عن سواء السبيل هلك وندم، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم.

 

 وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة لسائر الأمم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]،  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

عباد الله: من منا استشعر ما هو فيه من النعيم فاستعاذ بالله من زواله، ومن منا تفكر فيمن حوله من المبتلين، فاستعاذ بالله من البلاء، ومن منا تأمل في أحوال كثير من الناس الذين كانوا ينعمون في حياة كريمة فحلت بهم النِّقَم فحوَّلت فَرَحهم ترحًا، وبدَّلت سعادتهم همًّا وحزنًا؛ فسأل الله أن يعافيه مما حلَّ بغيره، ومن منا وقف مع نفسه فتأمل هل هي سائرة في الاتجاه الذي يجعل الله راضيًا عنها أم أنها سائرة فيما يجعل الله غاضبًا عليها. فأشفق على نفسه من غضب الله؛ فاستعاذ بالله من غضبه.

 

عباد الله: كل ما سمعتموه جمعه لكم نبي الهدي -صلى الله عليه وسلم- في أربع كلمات إذا تحقق مضمونها سعد العبد في الدنيا والآخرة، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك" (رواه مسلم).

 

فتأملوا -يا رحمكم الله- في هذا الدعاء العظيم الذي كان رسول الهدى -صلى الله عليه وسلم- يدعو به على مرأى ومسمع من الصحابة حتى يرشدهم ما ينفع في الدارين، ولكم أن تتخيلوا هذه الكلمات الموجزة كم حوت من فوائد، وكم بيَّنت من مقاصد لو دُوِّنت فيها مدونات الكتب لضاقت بها، ولو عُقدت بها الندوات والمحاضرات لما أحاطت بها، فكيف بخطبة جمعة؟!

 

فمهمتي هنا أن أفتح لكم أبواب التفكير لتلجوا إلى تلك الفجاج الواسعة، وتنهلوا من تلك العيون النابعة، وتتزودوا من تلك الثمار اليانعة.

 

فتأملوا -يرحمكم الله- في هذه الكلمات الأربع التي أرشد إليها نبي الهدى -صلى الله عليه وسلم-، والتي أولها قوله -صلى الله عليه وسلم- "اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك"، فتأملوا يا عباد الله ما وصلنا إليه من النعيم، وإن كان في أنظار البعض قليلاً.

 

نعم كثير من الناس يرى أنه في ضنك، ويرى أنه في غمٍّ، وما استشعر ما هو فيه من النعمة، فمن منا يرغب العودة إلى الوراء ولو خطوة واحدة، فلماذا لا نسأل الله الزيادة ونستعيذ به من زوال ما نحن فيه من ألوان النعم، والتي أهمها نعمة الإيمان، نعمة الدين، نعمة القرآن، نعمة العبادة، فمن منا استشعر هذه النعم، ثم سأل الله الثبات عليها، فكم والله تزعزعت من عقائد! وكم والله تلوثت من مناهج! فزالت تلك النعم، وحلت محلها النقم.

 

كم ممن تزعزع إيمانه! وكم من طائع تبدلت طاعته؛ فشقي بنفسه في الدنيا! فكيف لو تأملنا في سائر النعم؛ نعمة المال والأبناء، والمأوى والمركب، والأمن والأسواق، إلى غير ذلك، ثم تذكرنا لو حلت بنا الكوارث المضادة لهذه النعم، كيف يكون حالنا ونحن نرى هذه النعم تتحول بين عشية وضحاها عنا، فنبحث عن القوت فلا نجد، ونبحث عن المأوى فلا نجد، ونبحث عما كنا فيه فلا نجد، ونحن نرى ذلك قد حل –والله- بالقرب منا، فكم والله من صاحب مال أمسى غنيًّا وأصبح فقيرًا! وكم والله من صاحب منصب ووظيفة فاستُغنِي عن خدماته أو سُفِّر أو رُحِّل لبلده فأصبح لا يجاوز عتبة باب بيته!

 

وكم والله من صاحب أبناء حل بأبنائه ما نغص عليه عيشه! وكم والله من بلد تحول أمنها إلى خوف ونعيمها إلى جحيم! "اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك".

 

عباد الله: قال -صلى الله عليه وسلم-: "وأعوذ بك من تحول عافيتك"، فتأمل يا عبد الله كم لك من سنة تعيش في ثوب الصحة والعافية، هل تأملت هذا جيدًا لا تحتاج إلى قائد يقودك؛ لأنك أعمى، ولا تحتاج إلى من يفهمك ما يقوله الناس؛ لأنك تسمع ولا تحتاج إلى مَن يعطيك لقمة تأكلها؛ لأنك تستطيع أن تأخذها بيدك، غيرك والله لا يستطيع ذلك.

 

هل تأملت ذلك وأنت تنعم بالصحة والعافية وغيرك يئن عشرات السنين تحت قهر الأمراض والحوادث، فكم نعرف من أصحابٍ تحولت عنهم العافية في أقل من إغماضة العين، فحُرموا نعمة الحركة التي ننعم بها، وحُرموا الحياة الطبيعية التي ننعم بها حتى حُرموا من أخصِّ الخصوصيات وهو قضاء الحاجة فلا يستطيعون قضاء الحاجة إلا على أَسِرَّتِهم وبين أهلهم وذويهم، وبمساعدة الآخرين، بل لا يستطيعون التحول من جنب إلى جنب إلا بمساعدة الآخرين.

 

 ولو زرنا دور النقاهة رأينا عجبًا، ولكن يكفينا ما نعرفه من أقاربنا، وممن هم حولنا، فهل استشعرنا نعمة الصحة، ونعمة العافية، فاستعذنا بالله من تحوُّلها عنا ونحن في هذا الزمن الذي كثُرت فيه مصادر الخطر.

 

ألا فاحمدوا الله على ما تنعمون به من صحة الأبدان، واسألوا الله دوامها، واستعيذوا بالله من زوالها.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر:60]، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله مجيب الدعوات، ومغيث اللهفات، ومقيل العثرات، وأشهد أن لا إله إلا الله فاطر الأرض والسماوات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله المؤيَّد بالمعجزات صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا على مر الدقائق والساعات.

 

أما بعد: عباد الله: قال -صلى الله عليه وسلم-: "وأعوذ بك من فجاءة نقمتك" والفجاءة هنا المقصود بها البغتة، فاستعذ بالله أيها المؤمن من فجاءة النقم، فكم والله من الأسرار تحملها الأيام لا ندري عنها، فكم رأينا من معافًى في بدنه وادَع في أهله حلت به الكوارث فجأة، وقد كان لا يخطر على باله شيء مما حل به.

 

يحدثني من أثق بعلمه قال: كان لي صديق له أسرة كبيرة وصالحة، قال: والله فقدهم كلهم في حادث واحد، فقدهم جميعًا فأصبح يتقلب في بيته يرى ثيابهم، ويرى ألعابهم، ويرى أَسِرَّتهم ويراهم في كل زاوية من زوايا هذا البيت السعيد الذي خيَّم عليه الهمّ، وخيَّم عليه الحزن، وتحولت عنه السعادة، فنعوذ بالله من فجاءة نقمته.

 

فتذكروا وأنتم تتقلبون في بيوتكم، وتأنسون بأُسَركم، وتقومون بشؤونكم، ثم قولوا: "ونعوذ بك من فجاءة نقمتك".

 

وتذكروا يا رحمكم الله أن نبيكم -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يرد القدَر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن العبد ليُحرَم الرزق بالذنب يصيبه" (رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين).

 

تذكروا استقامة أمركم وصلاح حالكم وأنسكم بأبنائكم ونساءكم ثم قولوا: "ونعوذ بك من فجاءة نقمتك".

 

تذكروا سهولة الحصول على أرزاقكم، ونعمة المأوى إلى بيوتكم، وسلامة حواسكم وممتلكاتكم، ثم قولوا: "ونعوذ بك من فجاءة نقمتك".

 

عباد الله: آخر كلمة في هذا الحديث العظيم في قوله -صلى الله عليه وسلم- "وأعوذ بك من جميع سخطك"، وذلك أن الله إذا سخط بالعبد حلَّت به جميع المصائب وجميع الكوارث، ولذلك أرشدنا -صلى الله عليه وسلم- إلى هذه الدعوة الجامعة النافعة لننزع بها جميع سخط الله، فلا يسخط علينا في أموالنا وأولادنا وسائر ما وهبنا.

 

ولقد كان من دعائه -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم إنِّي أعوذ برضاك من سخطك. وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (رواه مسلم).

 

فهذه هي مسالك النجاة قد جمعها لك نبيكم في أربع كلمات، فاحفظوا هذا الحديث، واجعلوه من الأدعية التي لا تفتر عنها ألسنتكم ورددوا دائمًا "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وفُجاءة نقمتك، وتحوُّل عافيتك، وجميع سخطك".

 

رددوا دائمًا هذا الدعاء وغيرها كثير مما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا تنتظروا الكوارث حتى تحل بكم، فإذا حلت أفقتم، ولجأتم إلى الله، الجئوا إلى الله وأنتم في أحسن حال، وسلوه أن يدفع عنكم وعن أبنائكم وعن أسركم وعن أمة الإسلام كل سوء ومكروه.

 

نعم! إن كثيرًا من الناس ينتظر البلاء يحل به، وينتظر المصائب تنزل عليه حتى يمد يده فيدعو الله، سلوه السلامة، وتحصنوا من الآن، تحصنوا من الآن بالأدعية وبالأذكار النافعة.

 

أين نحن من أذكار الصباح والسماء، أين نحن من أذكار النوم، أين نحن مما شرعه علينا النبي -صلى الله عليه وسلم-؟!

 

إن كثيرًا من الناس قد غفل عن الدعاء، بل ويستهتر بالدعاء، وينتظر المصائب لتحل به فيدعو الله جل وعلا، من الآن ادع الله في السعة حتى تجده في الضنك والضم.

 

أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يديم علينا نعمه، وأن يدفع عنا نِقَمه، وأن يجعلنا من المعافين من سخطه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

صلوا وسلموا على ما أمركم بالصلاة عليه (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56]، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد وارض الله عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أجمعين، وعن سائر الصحابة أجمعين وعن التابعين وتابع التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين..

 

 

 

المرفقات

إني أعوذ بك من زوال نعمتك

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات