القول على الله بلا علم

فؤاد بن يوسف أبو سعيد

2015-08-04 - 1436/10/19
عناصر الخطبة
1/التذكير بالموت 2/ظاهرة انتشار الفتاوى بدون علم 3/بعض ما جاء من الوعيد في القائلين على الله بلا علم 4/خطر اعوجاج اللسان وفضل استعماله في الخير 5/بعض زلات اللسان قديما وحديثا 6/أقسام الناس تجاه حادثة الإفك 7/خطر التحدث بالرؤى والأحلام الكاذبة

اقتباس

في كلِّ مشكلةٍ صغيرةً -في نظره- كانت أو كبيرة، ينصِّب نفسه متطوعًا سلطةً تشريعية، وسلطةً قضائية، وسلطةً تنفيذية، فهذا الخائض فيما ليس من شأنه، وفيما ليس له به من علم، تعدَّى طَوره، وأوقعَه لسانُه في غضب ربِّه، فعندما قال: هذا خطأ وهذا صواب، أو الحقُّ مع فلان وليس مع علاّن، أو هذا حلال وهذا حرام؛ وقع في التشريع الذي هو من...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي) [طه: 25 - 28].

 

"أيُّها الناس! كأن الموت فيها على غيرنا قد كتب، وكأنّ الحقَّ فيها على غيرنا قد وجب، وكأن الذي نشيِّع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم، ونأكل من تراثهم، كأنا مخلدون بعدهم، ونسينا كلَّ واعظة، وأمِنَّا كلَّ جائحة، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، طوبى لمن أنفق مالاً اكتسبه من غير معصية، وجالسَ أهلَ الفقهِ والحكمة، وخالط أهلِ الذُّلِ والمسكنة، طوبى لمن زكتْ وحسنتْ خليقتُه، وطابت سريرتُه، وعزلَ عن الناس شرَّه، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة، ولم تستهوه البدعة"[البيان الزاهر].

 

عباد الله: انتشر بين المسلمين وعَمَّ وطَمَّ إصدارُ الفتاوى دون علم أو قيود، وإطلاقُ الأحكام في قضية من القضايا دون النظر في ملابساتها، أو إلمامٍ بمقدماتها ونهاياتها، فاللسانُ منطلق في الشوارع والمجالس والدواوين، يفري في أعراض الأبرياء، ويتطوع بالحكم على المخطئين، فيقضي على المختصمين، دون أن يردَّ الأمر إلى أهله: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُون) [الأعراف: 33].

 

في كلِّ مشكلةٍ صغيرةً -في نظره- كانت أو كبيرة، ينصِّب نفسه متطوعًا سلطةً تشريعية، وسلطةً قضائية، وسلطةً تنفيذية، فهذا الخائض فيما ليس من شأنه، وفيما ليس له به من علم، تعدَّى طَوره، وأوقعَه لسانُه في غضب ربِّه، فعندما قال: هذا خطأ وهذا صواب، أو الحقُّ مع فلان وليس مع علاّن، أو هذا حلال وهذا حرام؛ وقع في التشريع الذي هو من حقِّ اللهِ القائلِ -جلَّ جلاله-: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل: 116 - 117].

 

أمَّا إذا قضى في تلك المشكلة، أو أصدر حكمه في تلك المعضلة، دون علم أو معرفةٍ بحَيثياتها؛ فهذا سقط في فيمن سقط؛ ممَّن توعدهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ؛ وَاحِدٌ فِى الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِى النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِى فِى الْجَنَّةِ؛ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ. وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِى الْحُكْمِ؛ فَهُوَ فِى النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ؛ فَهُوَ فِى النَّارِ" [رواه الأربعة عن بريدة، انظر: ح (4446) في صحيح الجامع].

 

وفي رواية: "القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة؛ قاضٍ قضى بالهوى فهو في النار، وقاضٍ قضى بغير علم فهو في النار، وقاضٍ قضى بالحق فهو في الجنة" [رواه الطبراني في الكبير عن ابن عمر، انظر: ح (4447) في صحيح الجامع].

 

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ وَيَهُودِىٌّ، فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْحَقَّ لِلْيَهُودِىِّ، فَقَضَى لَهُ، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِىُّ: "وَاللَّهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ" فَضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالدِّرَّةِ، ثُمَّ قَالَ: "وَمَا يُدْرِيكَ؟!" فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِىُّ: "إِنَّا نَجِدُ أَنَّهُ لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِى بِالْحَقِّ؛ إِلاَّ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ، وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ يُسَدِّدَانِهِ، وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ مَادَامَ مَعَ الْحَقِّ، فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ" [موطأ مالك، قال في "صحيح الترغيب والترهيب" ح(2197): "صحيح موقوف"].

 

فأين مَن يُسدِّدُك يا من تَصدَّيت للإفتاء بلا علمِ فأفتيت، وتطوعت بالقضاء بلا معرفة فقضيت؟ وبقي عليك أن تقيمَ الحدود وتنفِّذ الأحكام، ففي وجودك ووجود أمثالك؛ لا حاجة إلى دولة، ولا مفتي ولا قاضي، فأنت الحكم وأنت الجلاد، بلسانك حكمت، وبلسانك قضيت، وبلسانك للحدِّ أقمت، فما أبعدك عن العدل والإنصاف، وما أجرأك على البغي والظلم والإجحاف، والسبب هو اللسان.

 

ورد أنَّ رجلاً قال: "يا رسولَ الله! علِّمني عملاً يُدخلُني الجنَّة؟ فذكر الحديثَ، وفيه قال: "فأطعم الجائع، واسقِ الظمآن، وأْمُر بالمعروف، وانْهَ عَنِ المُنكر، واسكت عن الشَّرِ، فإنْ لم تُطِقْ ذلك؛ فكفَّ لسانك إلاَّ مِن خيرٍ" [أخرجه أحمد 4/299، وابن حبان (374) من حديث البراء بن عازب، صحيح الأدب المفرد (29) باب فضل من يصل ذا الرحم الظالم (35) ح (50/69) "صحيح"].

 

واعلموا -عباد الله- أن اللسان يزني، وسيحاسب على هذا الزنا، فما هو زنا اللسان -يا عباد الرحيم الرحمان-؟

 

عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِى، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ" [البخاري طرفه (6612) عن أَبي هُرَيْرَةَ].

 

وفي رواية: "زنا اللسان الكلام" [انظر: ح (3576) في صحيح الجامع].

 

إن اعوجاجَ اللسان؛ من أخطرِ شيء على الإنسان، حيثُ لا يكلِّفُ عملُه إلاَّ تحريكَه دونَ تعب أو عناء، فيسجِّلُ الملكان، ويُرْصَدُ ما صدَرَ من اللسان من خير أو شرٍّ، فكيف لوكان الشرُّ أكثر؟! إن ذلك يزعج بقية الأعضاء والأركان، في كل وقتٍ وآنٍ، فإنه: "إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ؛ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا! فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ؛ فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا" [سنن الترمذي، ح (2407) ابن خزيمة والبهقي في الشعب عن أبي سعيد، وحسنه في صحيح الجامع، ح(351)].

 

"تكفِّر": تَذِلُّ وتَخْضَع له [فيض القدير (1/369)].

 

وأفضل شيء للسان: الصمتُ والسكوت، إلاّ من خير، فهذا دليل إيمان، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ" [البخاري ح (5185، 6018، 6136، 6138)، ومسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه-].

 

إنَّ كلَّ جزء من الجسد يخاف اللسانَ، ويتهمُه بأنه سبب البلايا والمصائبِ والهلاك، في الدنيا ويوم التلاق، فقد ورد في حديث صحيح: "ليس شيءٌ من الجسد إلا وهو يشكو ذرب اللسان" ["ع، هب، عن أبي بكر، ح(5396) في صحيح الجامع].

 

أما حفظُ اللسان، وتوجيهُه للخير؛ فذلك سببٌ في دخول الجنة، فعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من حفظ ما بين فقميه وفرجه دخل الجنة" [رواه أحمد والطبراني وأبو يعلى واللفظ له ورواته ثقات، قال في "صحيح الترغيب والترهيب" ح (2860): "حسن صحيح"].

 

والمراد ب"ما بين فقميه" هو: اللسان.

 

فمن أمسكه وملكه، ولم يتركه دون مراقبة؛ فقد دعا له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته" [رواه الطبراني في الأوسط والصغير، عن ثوبان -رضي الله عنه-، وحسن إسناده في صحيح الترغيب والترهيب، ح (2855)].

 

عباد الله: بزلة من اللسان يهوي صاحبه في جهنم، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِى لَهَا بَالاً؛ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِى لَهَا بَالاً؛ يَهْوِى بِهَا فِى جَهَنَّمَ" [رواه البخاري ح (6113، 6477)، ح (2988) مسلم].

 

إن الذين يتكلمون بما يغضبُ الله لإضحاك الآخرين؛ توعَّدهم نبيُّ الله -تعالى- بدخول النار، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "ألا هل عسى رجل منكم أن يتكلم بالكلمة؛ يضحك بها القوم فيسقط بها أبعد من السماء، ألا هل عسى رجل منكم يتكلم بالكلمة؛ يضحك بها أصحابه فيسخط الله بها عليه؛ لا يرضى عنه حتى يدخله النار" [حسنه في "صحيح الترغيب والترهيب" ح (2877)].

 

واعلموا: أنّ "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" [رواه الترمذي، وحسنه لغيره في "صحيح الترغيب والترهيب، ح (2881)].

 

إنَّ مما ابتُلي به المسلمون اليوم، وفشا فيهم هذا الزمان: توزيعَ الشهادات بالتفسيق، والتبديع والتكفير ودخول من أرادوا نيرانًا، أو توزيعَ الشهاداتِ المجانية بالتزكيات، وكَيْلِ المدائحِ، وإدخالِ من شاؤوا جنانًا، عن أنس -رضي الله عنه- قال: "توفي رجل، فقال رجل آخر ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسمع: "أبشر بالجنة!" فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أو لا تدري؛ فلعلَّه تكلّمَ فيما لا يعنيه، أو بخِل بما لا ينقصه" [رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن غريب" صحيح الترغيب والترهيب، ح (2882): "صحيح لغيره"].

 

وروى ابن أبي الدنيا وأبو يعلى عن أنس أيضا -رضي الله عنه- قال: "استشهد رجل منا يوم أحد؛ فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع، فمسحت أمه الترابَ عن وجهه، وقالت: هنيئا لك يا بني الجنة" فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما يدريك؟! لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضره" [صحيح الترغيب والترهيب، ح (2883): "حسن لغيره"].

 

وروى أبو يعلى أيضا والبيهقي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "قتل رجل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شهيدا، فبكت عليه باكية، فقالت: "واشهيداه!" قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما يدريك أنه شهيد؟! لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، أو يبخلُ بما لا ينقصه" [صحيح الترغيب والترهيب، ح (2884): "صحيح لغيره"].

 

من هم هؤلاء الذي اعترض النبي -صلى الله عليه وسلم- على الشهادة لهم بالجنة؟

 

إنهم من صالحي الصحابة أو من شهدائهم -رضي الله -تعالى- عنهم أجمعين، ولكنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلم المسلمين عدمَ التألِّي على الله، وعدمَ الحكم على الغيب، وقد قال الله -تعالى-: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) [النجم: 32].

 

إنَّ أبا الوجهين، وهو الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، كيف يكون حاله يوم القيامة؟

 

والجواب: في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من كان له وجهان في الدنيا؛ كان له يوم القيامة لسانان من نار" [رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه عن عمار بن ياسر -رضي الله عنه-، "صحيح الترغيب والترهيب" ح (2949): "صحيح لغيره"].

 

وفي رواية: "من كان ذا لسانين؛ جعل الله له يوم القيامة لسانين من نار" [رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت والطبراني والأصبهاني وغيرهم عن أنس -رضي الله عنه-، صحيح الترغيب والترهيب، ح (2950): "صحيح لغيره"].

 

ومن هذه الحوادث الكلامية، والترهات اللسانية؛ ما شاع في العهد النبوي من المنافقين، المفترين على أم المؤمنين، عائشة الصديقة بنت الصديق -رضي الله تعالى عنهما-، فنشروا الافتراء، وأشاعوا الإفك، فماذا كانت النتيجة لهذه الشائعة؟ وما مردودُها في ذلك المجتمع المؤمن؟

 

انقسم الناس تجاه هذا الاتهام والطعن إلى ثلاثةِ أقسام: قسمٌ صدَّق وأشاع، وهم المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبي ابن سلول، فهو: (الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ) [النور: 11].

 

وأخذ على عاتقه نشره وإشاعته.

 

وقسم خاض مع الخائضين ناقلا ما يسمع، مبلغا ما يصل إليه دون تمحيص ولا تحقيق، "وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: أَمَّا زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِدِينِهَا، فَلَمْ تَقُلْ إِلاَّ خَيْرًا، وَأَمَّا أُخْتُهَا حَمْنَةُ فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِى يَتَكَلَّمُ فِيهِ؛ مِسْطَحٌ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، -وهؤلاء من الصحابة الذين جلدوا وتابوا- وَالْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ، وَهْوَ الَّذِى كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ، وَهْوَ الَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هُوَ وَحَمْنَةُ" [البخاري].

 

وفي رواية له أيضا: "قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَسْأَلُ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِى، فَقَالَ: "يَا زَيْنَبُ! مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ؟" فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحْمِى سَمْعِى وَبَصَرِى، مَا عَلِمْتُ إِلاَّ خَيْرًا، قَالَتْ عائشة: وَهْىَ الَّتِى كَانَتْ تُسَامِينِى مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحَابِ الإِفْكِ" [أطرافه، ح (2593)].

 

عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ -بعدما عمي- عَلَى عَائِشَةَ فَشَبَّبَ، وَقَالَ:

 

حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ *** وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ

 

قَالَتْ: لَسْتَ كَذَاكَ، قُلْتُ مسروق: "تَدَعِينَ مِثْلَ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ؛ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: (وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ)؟! فَقَالَتْ: "وَأَىُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟!" وَقَالَتْ ملتمسة له عذرا: "وَقَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-" [البخاري طرفاه (4146، 4755)].

 

الحصان: المرأة العفيفة.

 

الرزان: ذات ثبات ووقار وسكون.

 

تُزَنُّ: تُتَّهم.

 

الغرثى: الجائعة.

 

وكان مجموع هذا القسم ثلاثة: حسان، ومسطح، وحمنة -رضي الله تعالى عنهم-، وقد جلدوا وتابوا.

 

أما القسم الثالث: وهم كلُّ الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين-؛ اتقوا الله -تعالى-، فعصمهم الله من الخوض مع الخائضين، وحفظوا ألسنتهم من الإفك والبهتان، وعندما نزل الوحي ببراءة عائشة: "جعل يمسح العرق عن وجهه، ويقول: "أبشري يا عائشة! قد أنزل الله -عز وجل- براءتك". قالت: قلت الحمد لله، ثم خرج إلى الناس فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله -عز وجل- من القرآن في ذلك، ثم أمَرَ بمِسطحِ بنِ أثاثةَ وحسانِ بنِ ثابت، وحمنةَ بنتِ جحش؛ وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، فضربوا حدَّهم" [البداية والنهاية (4/186)].

 

ولاحِظوا -عباد الله!- أن المنافقَ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيِّ بنِ سلول لم يثبت أنه جُلد؛ لأن من مَكْرِه ودهائه لم يكن يصرِّح بالفاحشة، ولكن يلمِّح، فمن صرَّح جلد، ومن لم يصرِّح لم يجلد.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله ...

 

واحذروا -عباد الله- من إطلاق العنان للسان في الافتراء في الرؤيا، وأن تُحدِّثَ الناسَ بالرؤى والأحلام وأنت تكذب في ذلك، أشدَّ الكذب، وأكذبَ الكذبات الفادحة التي يتعجب منها، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِنَّ مِنْ أَفْرَى الْفِرَى؛ أَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَ" [صحيح البخاري].

 

ألا فاتقوا الله -عباد الله- فإن: "التقوى عبارةٌ عن امتثالِ أوامر الله، وتجنُّبِ نواهيه، ولن يصلَ العبدُ إلى القيامِ بأوامره؛ إلا بمراقبةِ قلبِه وجوارحِه في لحظاته وأنفاسه، بحيثُ يعلمُ أنه مطَّلِعٌ عليه وعلى ضميره، ومشرِفٌ على ظاهرِه وباطنه، محيطٌ بجميع لحظاته وخطراته وخطواته، وسائرِ حركاته وسكناته، وذلك مانِعٌ له مما ذُكر، فمن زَعمَ أنه من المتقين؛ وهو ذَرِبُ اللسان، منتصرٌ لنفسه، مشفٍ لغيظه؛ فهو من الكاذبين، لا! بل من الهالكين" [فيض القدير (6/35)].

 

قال الشافعي:

 

إِذا شئتَ أن تحيا سليماً من الأذى *** وديُنك موفوراً وعْرِضُكَ صيِّنُ

فلا ينطقنْ منكَ اللسانُ بَسوْأةٍ *** فكلك سَوْءاتٌ وللناسِ أعينُ

وعينُكَ إِن أبدتْ إِليك معايباً *** فصُنْها وقُلْ يا عينُ للناسِ أعينُ

وعاشرْ بمعروفٍ وسامحْ من اعتدى *** ودافعْ ولكن بالتي هي أَحْسَنُ

 

اللهم إنَّا نسألك قلباً قارًّا، ورزقاً داراًّ، وعملاً ساراًّ.

 

اللهم إنّا نسألك قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وبدناً صابراً.

 

اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201].

 

هذا؛ وصلُّوا -عبادَ الله- على رسول الهدى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].

 

اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

 

وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، السادةِ الحنفاء، ذوي القدْرِ العليّ، والفخْرِ الجليّ، أبي بكر وعمرَ وعثمانَ وعليّ، وعن الستة الباقين من العشرة، الكرامِ البررة، الذين بايعوا نبيَّك تحت الشجرة، إنك أنت أهلُ التقوى وأهلُ المغفرة.

 

وارض اللهم عن عمَّي نبيِّك خيرِ الناس، الحمزةَ والعباس، اللابسَين من التقوى أفضلَ لباس.

 

وارض اللهم عن السبطين السعيدين، والقمرين النييرين، سيدَي شبابِ أهلِ الجنةِ بالجنة، وريحانتي نبيِّ هذه الأمة؛ الإمامِ أبي محمدٍ الحسن، والإمام أبي عبد الله الحسين.

 

وارض اللهمَّ عن أمِهما فاطمة الزهراء، وعن جدتهما خديجةَ الكبرى، وعن عائشةَ أمِّ المؤمنين، وعن أزواج رسول الله أجمعين، وعن الصحابة والقرابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

 

 

المرفقات

على الله بلا علم

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات