القلوب

صلاح بن إبراهيم العريفي

2014-02-09 - 1435/04/09
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/أهمية الاعتناء بالقلب 2/عناية النبي -صلى الله عليه وسلم- بقلبه 3/القلوب بين القسوة واللين 4/أعظم ما يشرح الصدر ويفسحه 5/بعض أمراض القلوب وكيفية علاجها

اقتباس

بقدر ما في القلب من هذه العبوديات العظيمة يكون القرب من الرحمن، وعلو رتبة الإنسان بين أهل الإسلام، وما تقدم وارتفع أبو بكر -رضي الله عنه- على الأمة إلا بقدر ما وقر في قلبه من الإيمان والتوحيد واليقين، والصدق والمحبة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-. والقلب -يا عباد الله-: بالنسبة لبقية أعضاء الجسم، كالملك المتصرف في الجنود التي تصدر كلها عن أمره، فتكتسب منه ال...

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُهُ ونستَعينُهُ ونستَغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرُورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالنا، منْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومنْ يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أن محمّداً عَبدُهُ ورسولُهُ.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70 -71].

 

أما بعد:

 

فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

 

أيها المؤمن: ما مدى اهتمامك بقلبك، ما قدر عنايتك بصلاحه؟ وأنت تسمع قول نبيك -صلى الله عليه وسلم-: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" [أخرجاه في الصحيحين].

 

وبلغك قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"[أخرجه مسلم].

 

أيها المسلمون: للقلب شأن عظيم؛ لأن القلب فيه الإخلاص والتوحيد، والإيمان والمحبة، والصدق واليقين، والرغبة والرهبة، والخشوع والخشية، والتوكل والإنابة.

 

وبقدر ما في القلب من هذه العبوديات العظيمة يكون القرب من الرحمن، وعلو رتبة الإنسان بين أهل الإسلام، وما تقدم وارتفع أبو بكر -رضي الله عنه- على الأمة إلا بقدر ما وقر في قلبه من الإيمان والتوحيد واليقين، والصدق والمحبة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

والقلب -يا عباد الله-: بالنسبة لبقية أعضاء الجسم، كالملك المتصرف في الجنود التي تصدر كلها عن أمره، فتكتسب منه الاستقامة والزيغ.

 

أيها المسلمون: نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- خليل ربه ومصطفاه، وخيرته من خلقه، أكرمه ربه -عز وجل-، فأخرج نصيب الشيطان من قلبه، وملأ قلبه حكمة وإيماناً، وغسلت الملائكة قلبه أكثر من مرة، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام له عناية واهتمام بقلبه، فكان أكثر دعائه: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" [أحمد والترمذي وابن ماجة والبخاري في الأدب المفرد].

 

وكان من دعائه: "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك".

 

و"اللهم اهد قلبي".

 

و"اللهم اجعل في قلبي نوراً".

 

وكان أكثر يمينه صلى الله عليه وسلم: " لا، ومقلب القلوب".

 

عباد الله: القلوب تقسوا وتلين.

 

فأهل لين القلوب ممدحون محمودون: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر: 23].

 

وأهل قسوة القلوب متوعدون: (فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر: 22].

 

فقلبك أي القلبين؟.

 

لقد عاتب الله المؤمنين في أول الإسلام، فقال: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) [الحديد: 16].

 

فليّنوا القلوب -أيها المؤمنون- بذكر الله لتطمئن، وتحل فيها السكينة: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28].

 

والقلوب تنشرح وتضيق: (فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء) [الأنعام: 125].

 

فاشرح صدرك بفهم حقيقة الإسلام، وتمثله عقيدة وعملا.

 

والإيمان إذا دخل القلب انفسح له وانشرح: (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ)[الزمر: 22].

 

فاسألوا الله أن يشرح لكم صدوركم كما دعاه كليمه موسى -عليه السلام-: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي)[طـه: 25-26].

 

وكما امتنَّ الله به على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- بذلك: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشرح: 1].

 

وأعظم ما يشرح الصدر ويفسحه: تحقيق التوحيد وتنقيته من أوساخ الشرك والبدع، ولا ينفع يوم الدين إلا القلب السليم من الشرك: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[الشعراء: 88-89].

 

الله ينزل السكينة في قلوب المؤمنين: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ) [الفتح: 4].

 

في القلوب الرحمة والغلظة والجفوة؛ في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: "أهل الجنة ثلاثة" وذكر منهم: "رجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم".

 

"والراحمون يرحمهم الرحمن".

 

"ولا تنزع الرحمة إلا من شقي".

 

وأخبرنا صلى الله عليه وسلم بأن أهل النار: "كل غليظ جواظ جعظري مستكبر".

 

ويقول الله -جل وعلا- في الكتاب مخبراً نبيه عن أثر الرحمة بالناس على الناس: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران: 159].

 

فاللهم إنا نسألك قلوباً رحيمة، ونعوذ بك من غلظة القلوب وجفوتها، واغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين؛ إنك أنت الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحق المبين، وأشهد أنَّ محمدًا خاتم النبيّين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

أيها المسلمون: القلوب تتقلب، وهي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فاسألوا الله أن يثبت قلوبكم.

 

القلوب تمرض: بمرض الشهوات، كما قال تعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) [الأحزاب: 32].

 

وبمرض الشبهات؛ كما قال تعالى: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً) [البقرة: 10]. فعاج قلبك.

 

والقلوب تزيغ: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) [الصف: 5].

 

والحيلة: الحذر والدعاء: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) [آل عمران: 8].

 

والقلوب تعمى: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحـج: 46].

 

نعوذ بالله من عمى القلوب، والنجاة بالاستنارة بنور الوحيين.

 

والقلوب يختم عليها: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [الجاثية: 23].

 

فتعوّذوا بالله من أمراض القلوب، وتفقّدوا قلوبكم، واعتنوا بها أشد من عنايتكم بأعمال جوارحكم، وأشد من عنايتكم بمرض القلب الحسي الذي يقلقكم كثيراً، وأصلحوها فإن صلاحها هو أساس النجاة والفوز بالمرضاة.

 

واسعوا أن تكون قلوبكم مخمومة لا إثم فيها ولا بغي ولا غل ولا حسد، فإن أصحابها هم خيار المؤمنين.

 

واحرصوا على تنقية قلوبكم من الشرك والشك والنفاق والرياء وسائر الأمراض.

 

واعلموا: أن ما تسمعون بآذانكم وما تشاهدون بأعينكم وما تتحدثون به بألسنتكم يصب أثرها في قلوبكم، فانتقوا ما تسمعون وتشاهدون واحذروا أن يكون في دائرة الشبهات والشهوات: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء: 36].

 

"تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء".

 

فأنكروا الفتن بقلوبكم، ولا تتعرضوا لها، فإن السعيد من جنب الفتن.

 

اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

 

اللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا وأحوالنا.

 

اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، ونسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، ونسألك قلبا سليما، ولسانا صادقا، ونسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم، ونستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب.

 

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.

 

اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك.

 

ربنا تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخايم قلوبنا.

 

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

 

اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين.

 

اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا، وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها قابليها وأتمها علينا يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم منزل الكتاب مجري السحاب هازم الأحزاب اللهم قاتل الظلمة المعتدين الذين يصدون عن سبيلك، ويقاتلون أولياءك، ويسعون في إطفاء نورك، وأنت المتم لنورك ولو كره الكافرون.

 

اللهم عليك بهم إنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل بهم نقمتك وأرنا فيهم عجائبك اللهم إنهم آذونا في بلادنا وفي إخواننا وفي أموالنا، اللهم إنهم حاربوا دينك ومن تدين به ظاهراً وباطناً اللهم سلّط عليهم من يسومهم سوء العذاب يا قوي يا متين، اللهم أنزل عليهم رجزك وعذابك إله الحق.

 

اللهم أنجِ المستضعفين من المؤمنين، اللهم ارفع البلاء عن المستضعفين من المؤمنين، اللهم فرج عن إخواننا المؤمنين في الشام وفي بورما، اللهم ارحم ضعفهم وتولَّ أمرهم واجبر كسرهم وعجّل بفرجهم ونفّس كربهم.

 

اللهم أحقن دماءهم، واستر عوراتهم، وآمن روعاتهم، اللهم وارحم ميّتهم، واشف مريضهم، وأطعم جائعهم، واكسِ عاريَهم، واحمل فقيرهم، وثبت أقدامهم، وكن لهم عوناً ونصيراً ومؤيداً، يا ذا الجلال والإكرام، يا أرحم الراحمين يا حيّ يا قيوم.

 

اللهم آمنّا في أوطاننا ودورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقهم لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى، وبصّرهم بأعدائهم والمتربصين بهم، يا ذا الجلال والإكرام.

 

(رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران: 8].

 

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحشر: 10].

 

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصافات : 180 -182].        

 

 

 

 

المرفقات
إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات