القرآن

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

2022-10-12 - 1444/03/16
عناصر الخطبة
1/ القرآن الكريم كتاب هدايةٍ وإصلاح 2/ تأثير القرآن على القلوب تزكيةً وصلاحًا 3/ فضائل القرآن وآثاره في حياة المؤمن 4/ شروط الانتفاع بالقرآن والارتفاع به 5/ حسن التدبر القرآن والتأمل فيه والعمل به 6/ سوء أحوالنا مع القرآن 7/ حقيقة التداوي بالقرآن 8/ خطورة الغفلة عن القرآن.

اقتباس

إن هذا القرآن -كما وصفه بعض السلف- رسائل من الله -جل وعلا- لعباده، قال الحسن بن علي رضي الله عنهما: «إنَّ من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم؛ فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها في النهار»، هذا هو القرآن؛ فما شأننا مع هذا الكتاب؟ وما واقعنا مع هذا الكتاب؟ وهل أحسنَّا يا معاشر المؤمنين تأمل القرآن وتدبره ومعالجة مشاكلنا ومصائبنا وأسقامنا وأمراضنا بهذا القرآن؟ القرآن شفاء للأسقام ودواءٌ للقلوب وزكاءٌ للنفوس وصلاحٌ للعباد. والله يا معاشر المؤمنين لو أنَّا رجعنا في كل مشكلاتنا الاجتماعية والأسرية والأخلاقية وغيرها إلى هذا القرآن لوجدنا فيه الشفاء، فهو شفاءٌ لما في الصدور ودواءٌ للنفوس في أمراضها بأنواعها من شبهاتٍ وشهوات...

 

 

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، وصفيُّه وخليله، وأمينه على وحيه، ومبلِّغ الناس شرعه؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد أيها المؤمنون: اتقوا الله تعالى؛ فإنَّ في تقوى الله خلَفًا من كل شيء وليس من تقوى الله خلَف، وتقوى الله جل وعلا: عملٌ بطاعة الله على نورٍ من الله رجاء ثواب الله، وتركٌ لمعصية الله على نورٍ من الله خيفة عذاب الله.

 

أيها المؤمنون عباد الله: إنَّ القرآن الكريم كتاب هدايةٍ وإصلاح، وتزكيةٍ وتربية، وشفاءٍ ورحمة، ونورٍ وضياء (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [المائدة:15-16]، (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) [الإسراء:9]، (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) [الإسراء:82].

 

أيها المؤمنون عباد الله: ما أعظم القرآن، وما أعظم تأثير القرآن على القلوب تزكيةً وصلاحا وتربيةً وفلاحا، ضرب الله -جل وعلا- مثلًا عجيبًا يبين عظم تأثير القرآن، يقول -جل وعلا-: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الحشر:21]؛ لو أُنزل على جبل لخشع وتصدع فما بال هذا القلب؟ وما مصيبة هذا القلب؟!

 

أيها المؤمنون عباد الله: القرآن إذا تُلي وأحسن العبد تدبره وأحسن تأمل آياته وعقل معانيه زاد إيمانه وقوي يقينه وعظمت صلته بربه -جل في علاه-، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) [الأنفال:2-4]، (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ )[التوبة:124].

 

عباد الله: إن الانتفاع بالقرآن والارتفاع بالقرآن إنما يكون بحسن التدبر والتأمل والعمل بالقرآن، فإن العبد -يا معاشر المؤمنين - لا يكون تاليًا لكتاب الله حقًا وصدقا حتى يُحسن في أمور ثلاثة: إحسانٌ في القراءة، وإحسان في الفهم، وإحسانٌ في العمل (الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [البقرة:121]، فلا يكون تاليًا لهذا الكتاب حق التلاوة إلا إذا أحسن في هذه الأبواب الثلاثة.

 

عباد الله: لقد دعا الله -جل وعلا- عباده إلى الإحسان في تدبر القرآن، بل إنه -جل وعلا- أخبر أنه إنما أنزل هذا القرآن لتُتدبر آياته (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [ص:29]، ويقول جل في علاه: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء:82]، ويقول -جل وعلا-: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد:24].

 

وأخبر -جل وعلا- أن القرآن صِمام أمان وسلامة وعافية من الضلال والنكوص على الأعقاب، يقول الله تعالى: (قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) [المؤمنون:66-68]؛ أي أنهم لو تدبروا القول وأحسنوا تأمله وفهمه لما نكصوا على الأعقاب ولما كانوا من أهل الغي والضلال.

 

أيها المؤمنون عباد الله: هذا هو القرآن؛ فما شأننا مع هذا الكتاب؟ وما واقعنا مع هذا الكتاب؟ وهل أحسنَّا يا معاشر المؤمنين تأمل القرآن وتدبره ومعالجة مشاكلنا ومصائبنا وأسقامنا وأمراضنا بهذا القرآن؟ القرآن شفاء للأسقام ودواءٌ للقلوب وزكاءٌ للنفوس وصلاحٌ للعباد.

 

والله يا معاشر المؤمنين لو أنَّا رجعنا في كل مشكلاتنا الاجتماعية والأسرية والأخلاقية وغيرها إلى هذا القرآن لوجدنا فيه الشفاء، فهو شفاءٌ لما في الصدور ودواءٌ للنفوس في أمراضها بأنواعها من شبهاتٍ وشهوات.

 

أيها المؤمنون عباد الله: إن التداوي بالقرآن لا يكون إلا بالإحسان في فهمه وتدبره، والإحسان في التعويل عليه والرجوع إلى آياته، وأن يكون هو معوَّل الإنسان في أمور حياته كلها.

 

عباد الله: إن هذا القرآن -كما وصفه بعض السلف- رسائل من الله -جل وعلا- لعباده، قال الحسن بن علي رضي الله عنهما: «إنَّ من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم؛ فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها في النهار».

 

عباد الله: من أراد أن يعرف مكانته في الدين ومنزلته عند رب العالمين ومدى محبته لله -جل في علاه- فلينظر شأنه مع هذا القرآن، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «لا يسأل أحدٌ عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله».

 

وليس الأمر مجرد دعوى نعم -عباد الله- لا يكفي أن يقول العبد إنه يحب القرآن ثم يؤثر آلات اللهو والباطل على كتاب الله -جل وعلا- ثم لا يكون لهذا القرآن نصيبًا من حياته لا تلاوةً ولا تدبرًا ولا عملا بالقرآن.

 

أسأل الله جلَّ في علاه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وبأنه الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، وأن يصلحنا بالقرآن، وأن يهدينا بالقرآن، وأن يشفي صدورنا بالقرآن، وأن يصلح لنا شأننا كله وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

 

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله وسلّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أمّا بعد عباد الله: اتقوا الله تعالى وتأملوا في أحوالكم مع كتاب الله وأي شيء زرع هذا القرآن في قلوبكم، قال بعض السلف: «يا حملة القرآن انظروا ماذا زرع القرآن في قلوبكم؛ فإن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض»، وهذا المعنى جاء تبيانه في قول الله سبحانه: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد:16-17]؛ أي كما أن الله –سبحانه- يحيي الأرض الميتة بالماء فإن القلوب الميتة لا حياة لها إلا بوحي الله وتنزيله جل في علاه.

 

أيها المؤمنون: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتذكروا -عباد الله- أن هذه الحياة دار ممرٍ ومعبر، وأن الحياة الآخرة هي الحيَوان وهي ميدان الجزاء والحساب، فالكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

 

واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة فإنَّ يد الله على الجماعة.

 

وصلُّوا وسلِّموا رعاكم الله على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56]، وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".

 

اللهم صلِّ على محمّدٍ وعلى آل محمّد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهمّ عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين؛ أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

 

اللّهمّ أعزّ الإسلام والمسلمين، اللّهمّ أعزّ الإسلام والمسلمين، اللّهمّ أعزّ الإسلام والمسلمين، اللهم انصر من نصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

 

 اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم كن لهم ناصرًا ومعينا، وحافظًا ومؤيدا، اللهم وعليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم. اللهمّ آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفِّق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من سديد الأقوال وصالح الأعمال.

 

اللّهم آت نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا ذنبنا كلَّه؛ دقه وجلَّه، أوله وأخره، علانيته وسره،  اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.

 

 اللهم اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا وبأنك أنت الله لا إله إلا أنت يا رحيم يا منان يا ذا الفضل يا جواد أن تسقينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من اليائسين، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان وديارنا بالمطر.

 

 اللهم إنا نسألك غيثًا مغيثا، هنيئًا مريئا، سحًا طبقا، نافعًا غير ضار، عاجلا غير آجل، اللهم سقيا رحمة، لا سقيا هدم ولا عذاب ولا غرق، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا. ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

 

عباد الله: اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت: 45].

 

 

 

المرفقات
إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات