القدوة الحسنة

عقيل بن محمد المقطري

2015-05-19 - 1436/08/01
عناصر الخطبة
1/ أهمية القدوة الصالحة في حياة الناس 2/ الأنبياء أئمة وقدوات حسنة 3/ من صفات القدوة الصالحة 4/ سر عظيم من أسرار نجاح القدوات 5/ من صفات القدوات.
اهداف الخطبة

اقتباس

إن الشخصية ذات القبول المحبوبة المحترمة عند الناس إما أن تؤثر إيجاباً في الناس أو سلباً، فإن كان تأثيرها إيجاباً فستنال الأجر والثواب، وإلا فالعكس صحيح، فكيف يصير المرء قدوة صالحة وما الصفات التي تمكنه من ذلك؟ أباً كان أو أمّاً أو رب عمل أو مديراً في مؤسسة أو معلماً أو طالباً أو غير ذلك وقبل أن ندخل في هذه الصفات علينا أن نعلم أنه لا كمال للبشر إطلاقاً إلا نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- والكمال المطلق هو لله -تعالى- وليس بالضرورة أن يتصف المرء بجميع الصفات التي سنذكرها فيكفيه أنه يكون مؤثراً نافعاً لذاته ولمن حوله وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم...

 

 

 

 

الخطبة الأولى: 

 

الحمد لله الذي أرسل الرسل وأنزل الكتب ليقطع الحجة على العالمين نحمده سبحانه وتعالى حق حمده ونشكره حق شكره لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه هو أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا له عبد.

 

 وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم – قدوة وأسوة لنا لا قدوة لنا سواه ولا أسوة لنا غيره (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [سورة الأحزاب: 21].

 

 وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله هو الرحمة المهداة والنعمة المسداة كان قرآناً يمشي على ظهر الأرض، وكان ذا خلق عظيم، وكان قدوة للناس أجمعين، وهو الشخص الذي كمله الله -تعالى- في صفاته وأوصافه دون الناس أجمعين فهو أجمل البشرية على الإطلاق صلوات الله وسلامه عليه، ما من خير إلا ودلنا عليه وما من شر إلا وحذرنا منه.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب: 70-71].

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

القدوة – أيها الكرام – هو مَن يقتدى به ويتخذ مثالاً في سلوكه وأخلاقه وحركاته وسكناته لقد جعل الله -تعالى- هذه الأمة أسوة وقدوة لجميع الأمم وجعلها شاهدة عليهم يوم الدين تشهد على سائر الأمم بأن الأنبياء بلغوا رسالات الله -تعالى- (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء: 41] كل نبي قبل نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم– إذا استشهدوا عن تبليغ رسالاتهم لأقوامهم يقولون: يشهد لنا أمة محمد – -صلى الله عليه وآله وسلم – يقول الله -تعالى- في حق هذه الأمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران: 110].

 

 فهذه الآية جعلت أمة الإسلام قدوة وأسوة في دينها وفي معتقدها وفي سلوكها وأخلاقها ومعاملاتها وقيمها وجميع أمورها، وواجب علينا -أيها الكرام – أن ننضوي تحت هذه الآية لتشملنا الخيرية، ولا يعارض هذه الآية إلا من سفه نفسه؛ فهما إذاً طريقان لا ثالث لهما؛ إما المتابعة وإما المعارضة، فمن تابع اجتمع فيه الخير ومن عارض اجتمع فيه الشر يقول نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم-: "مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا" (أحمد 15/ 83).

 

وفي حديث آخر عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِهِمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أَوْزَارِهِمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا"( ابن ماجه 1/ 75).

 

 لقد جعل الله -تعالى- في هذه الأمة أئمة يقتدى بهم في الخير، فقال -تعالى- (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24]، إن الأنبياء عليهم السلام – كانوا جميعاً قدوات، ولذا فقد أمر الله -تعالى- نبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- بالاقتداء بهم فقال -سبحانه وتعالى-: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) [الأنعام: 90].

 

 إننا أيها المسلمون – ليس لنا قدوة سوى رسولنا -صلى الله عليه وآله وسلم- فمن سواه لا يقتدى به إلا إذا كان داخلاً في الخير والخيرية التي دعا إليها نبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- سواء كان ذلك الخير مذكوراً في سنته -صلى الله عليه وآله وسلم- ذكراً خاصاً أو ذكراً عاماً (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [الأحزاب:21].

 

 وإن من صور تأسينا بنبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- أن نكون قدوات إلى الخير على قدر استطاعتنا والقدوة ليست محصورة بشخص بعينه ولا بمجموعة من الناس ولا بشريحة إن صح التعبير من الناس بل هذه الأمة كلها بذكورها وإناثها كلهم قدوات؛ لأنهم يدخلون في قول الله -تعالى-: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران: 110].

 

 إذاً فكل واحد منا يجب أن يكون قدوة، وإن كانت القدوة تختلف من شخص إلى آخر، فالأب في إطار بيته وهكذا الأم، والمعلم في إطار طلابه وصاحب العمل في إطار عمله، والمدير في مجال إدارته والموظف بين أصحابه والطالب بين زملائه وهكذا كل إنسان عليه أن يكون قدوة وإن كانت هذه القدوة تختلف من شخص إلى آخر ومن مجال إلى آخر.

 

إن الارتقاء إلى مرتبة القدوة ليس أمراً سهلاً بل إنه يحتاج إلى جد وعزيمة وهمة عالية ذلك لأنها مرتبة من مراتب الإمامة قال -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24].

 

يقول الإمام الحسن البصري -رحمه الله –: "من استطاع منكم أن يكون إماماً لأهله، إماماً لحيه، إماماً لمن وراء ذلك؛ فإنه ليس شيء يحفظ عنك إلا كان لك منه نصيب يعني إما في الخير وإما في الشر".

 

أيها المسلمون عباد الله: لقد كان من دعاء الصالحين لربهم: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) [الفرقان: 74]، إن السعيد من كان قدوة في سلوكه وأخلاقه وعبادته مفتاحاً لقدوة الخير مغلاقاً لقدوة الشر.

 

إن الشخصية ذات القبول المحبوبة المحترمة عند الناس إما أن تؤثر إيجاباً في الناس أو سلباً، فإن كان تأثيرها إيجاباً فستنال الأجر والثواب، وإلا فالعكس صحيح، فكيف يصير المرء قدوة صالحة وما الصفات التي تمكنه من ذلك؟ أباً كان أو أمّاً أو رب عمل أو مديراً في مؤسسة أو معلماً أو طالباً أو غير ذلك وقبل أن ندخل في هذه الصفات علينا أن نعلم أنه لا كمال للبشر إطلاقاً إلا نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- والكمال المطلق هو لله -تعالى-  وليس بالضرورة أن يتصف المرء بجميع الصفات التي سنذكرها فيكفيه أنه يكون مؤثراً نافعاً لذاته ولمن حوله وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

 

 أيها الإخوة: إن من أهم الصفات أن يتطابق القول مع العمل فالقدوة الصالحة تقول الخير وتعمله ولا تتناقض قال -تعالى-: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) [هود: 88].

 

إن الأنبياء والصالحين يتطابق دوماً كلامهم مع عملهم، أما التناقض فصفة قبيحة ممقوتة عند الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) [الصف: 2- 3].

 

وهنا لا بد أن ننبه ونفرّق بين الرغبة بالاتصاف بالقدوة وتكامل الشخصية وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يلزم كل مستطيع بصرف النظر عن حاله حتى لو كان يمارس المنكر ذاته، قال كثير من العلماء: ليس من شروط الناهي أن يكون سليماً من المعصية، بل ينهى العصاة بعضهم بعضاً أي يجب على العصاة أن ينهى بعضهم بعضاً عن المعصية التي يقترفونها سوياً.

 

 يقول سعيد بن جبير – رحمه الله –: "لو أن المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر".

 

 وقال الإمام القرطبي قال بعض الأصوليين: "فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضاً، واستدلوا بقول -تعالى-: (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة: 79].

 

فبنو إسرائيل ذمهم الله -تعالى- لأنهم كانوا لا يتناهون عن المنكر الذي يفعلونه سوياً في ناد واحد، قال الحسن البصري: "أيها الناس: إني أعظكم ولست بخيركم ولا أصلحكم، وإني لكثير الإسراف على نفسي غير محكم لها، ولو كان المؤمن لا يعظ أخاه إلا بعد إحكام أمر نفسه لعدم الواعظون وقل المنكرون".

 

إن مما يجب على الأب أن ينهي أبناءه عن الشيء حتى لو كان مبتلى به، غير أنه لا يمكن أن يكون قدوة صالحة بل قد لا يعبأ بكلامه ولا يلتفت إليه ولا يؤتمر بأمره ولا ينتهي بنهيه، وهكذا الأم.

 

ومن صفات القدوة الصالحة الإخلاص وهو سر عظيم من أسرار نجاح المتبوعين في الماضي والحاضر، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: "أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ، مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لَا شَيْءَ لَهُ" فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لَا شَيْءَ لَهُ"، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ"( النسائي 6/ 25)، فإذا خالط العمل رياءً فسد.

 

ومن الصفات المهمة: حسن الخلق ولعلها تجتمع في الصدق والصبر، والتواضع والرحمة واللين والرفق، فلن يكون قدوة من كان كذاباً ولا من لا يتحمل أخلاق الناس، ولا الشديد القاسي والعنيد الشرس ولا المتعامل بتعال وتكبر الذي يشمخ بأنفه، ولا الذي لا يقبل الحق بعد أن يعرفه ولا الذي لا يعترف بخطئه ولا حادّ الطبع ولا خشن العبارة لا يمكن أن يكون قدوة من كان فيه مثل هذه الصفات، قال الله -تعالى- في نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم-: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: 159].

 

إن الله -تعالى- رفيق ويحب الرفق قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: "يَا عَائِشَةُ" إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ" (مسلم 4/ 2003).

 

 ومن رفقه -صلى الله عليه وآله وسلم- حين جاءه ذلك الأعرابي الذي أخذ بردائه، وجذبه جذبة شديدة حتى أثرت على صفحة عنقه، وأصحابه الكرام يرون هذا الفعل القبيح الشنيع وبالرغم من هذا لم يأمر أحداً منهم أن يمسه بسوء، وبعد هذا الفعل القبيح الشنيع قال: يا محمد أعطني من مال الله ليس من مالك ولا من مال أبيك، فيأمر له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بالعطاء.

 

 ومن رفقه -صلى الله عليه وآله وسلم- قصة ذلك الأعرابي الذي دخل إلى المسجد فبال، فأوشك الصحابة أن يقعوا فيه وأن يضربوه فأشار إليهم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن دعوه وقال: "لا تزرموه" أي: لا تقطعوا عليه بوله، فلما انتهى من بوله قال له: "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيئًا من هذا القذر إنما بنيت هذه المساجد لذكر الله -تعالى- ولقراءة القرآن ولعبادة الله -تعالى-".

 

 قال هذا لأعرابي فو الله ما نهري ولا كهرني، ثم قال: "اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً"، أي هؤلاء الذين همُّوا بضربي ونهروني لا تشملهم بالرحمة، فقال -صلى الله عليه وآله وسلم- لقد حجرت واسعاً هذه غاية في رفقه -صلى الله عليه وآله وسلم- وحسن تعامله مع من وقع في شيء من المخالفات، ولم يؤثر عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه انتصر لنفسه ولا أنه كان يتكلم بالكلام القاسي، بل كان كل كلامه كان غاية في اللين والرحمة -صلى الله عليه وآله وسلم-.

 

أيها الإخوة الكرام: إنه مما ينبغي على كل امرئ منا أن يديم النظر في سنة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ليتأسى به وليقتفي أثره وليتخلق بأخلاقه الكريمة -صلى الله عليه وآله وسلم-، فالحلم بالتحلم، والصبر بالتصبر، والعلم بالتعلم، ومن يرد الله به خيراً يفقه في الدين، بارك الله لي ولكم بالقرآن الكريم وجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين:

 

أيها الكرام: ما أحوج الأمة في هذه الآونة المتأخرة إلى قدوات! ما أحوجها إلى من يأخذ بيدها إلى بر الأمان في عباداتها وفي عقيدتها في سلوكها وأخلاقها ومعاملاتها، بل في كل حركاتها وسكناتها لتعود هذه الأمة إلى مجدها وسؤددها.

 

 إن من صفات القدوة العلم، والمقصود بالعلم ليس العلم الشرعي فحسب، بل جميع العلوم النافعة التي يصل خيرها وتأثيرها إلى الناس، فانظر إلى الطبيب كيف يحبه الناس وكيف يحترمه الناس؛ لأنه صاحب علم، وانظر إلى الأكاديمي كيف يحترمه الناس ويحترمه طلابه؛ لأنه ارتقى في سُلم العلم في أي مجال من المجالات الإنسانية في مجالات المعرفة، فالناس يحترمون من كان صاحب علم ويقدرونه فإذا أنضاف إلى ذلك أن يكون صاحب خلق وأن يكون قدوة عم نفعه بأذن الله -تعالى-.

 

 إن العلم يعلي مكانة الإنسان، وإن الأعناق لتشرئب إلى العالم وتشير إليه البنان لكنه بدون خُلق يزري بالعلم، فهل يا ترى يذهب المريض إلى الطبيب المتخصص الشرس صاحب الأخلاق الفاسدة الذي يكفهر وجه في وجه مريضه، ولا يحاول أن يهدأ من روعه ويتكلم معه بالكلام القاسي يا ترى هل مثل هذا يكسب زبائن؟! أو أن الناس يتناقلون عنه الخير أو يثنون عليه بالخير بالعكس، بل إن تأثير الأخلاق تأثير بالغ حتى ولو كان صاحب هذا العلم غير مسلم، فإنه يؤثر بسلوكه وبأخلاقه.

 

 إن من صفات القدوات الثبات على المبادئ فالقدوة الصالحة ليست موسمية تؤثر بأوقات دون أخرى، أو في أماكن محدودة، وإنما هي ذات جاذبية حيثما كانت إن بعض الناس – أيها الكرام- يمكن أن تنحرف ويمكن أن تفسد نتيجة لضغوط معينة، ولكن إذا تذكر هذا الإنسان حياة أولئك الثابتين الذين ثبتوا رغم تعرضهم للفتن والمحن واقتدى بهم ثبت -بإذن الله تعالى- ولذلك كان العلماء يوصون الناس بأن يتذكروا من امتحنوا ومن ضغط عليهم من قبلهم، إن الإنسان إذا تذكر من كان على مثل ما كان عليه فإنه يثبت -بإذن الله تعالى- ويستمر على مبدئه ولا يتنازل عنه.

 

إن من صفات القدوة اجتناب أماكن الشُّبه والذم وأماكن الظنون، وما يعرّض سمعة الإنسان للكلام والامتهان، في الحديث الصحيح عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، زَوْجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تَزُورُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً مِنَ الْعِشَاءِ، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ مَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ مَسْكَنِ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَمَرَّ بِهِمَا رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ نَفَذَا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- "عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ" قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا" (ابن ماجه 1/ 566).

 

 هذا دليل على أن القدوة يجب عليه أن يجتنب أماكن الظنون والريب، وما يؤثر على سمعته.

 

 إن من أفضل الأعمال وأعظمها أجراً عند الله -تعالى- أن تكون قدوة لغيرك، يقتدي بك الناس في الخير، فإن لك من الأجر العظيم ما الله به عليم، فكل إنسان يعمل ويقتدي بك في سلوكه أو أخلاقه أو عبادته، أو في أي أمر من أمور الخير، فلك مثل أجورهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً .

 

أيها المسلمون: إن من أردأ وأسوأ الأعمال أن يكون المرء قدوة سيئة؛ ذلك أن من تأسى به في الشر فإنه عليه وزره ووزر من عمل بهذا العمل لا ينقص من أوزارهم شيئاً.

 

إن مجرد الهمّ والنية يؤثر فكيف بمن يقتدي ويعمل؟! يقول -صلى الله عليه وآله وسلم- كما في حديث أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ: "مَثَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلُ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَعْمَلُ بِهِ فِي مَالِهِ يُنْفِقُهُ  فِي حَقِّهِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ مَالِ هَذَا، عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ"،  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ"، "وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِيهِ يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ مِثْلُ هَذَا، عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ” قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ" (أحمد 29/ 552).

 

فهذا مأجور رغم أنه في نيته لم يعمل وذلك مأزور رغم أنه لم ينفذ ولم يعمل، فكيف إذا عمل؟! فكيف إذا تأسى به غيره؟! فكيف إذا اقتدى به الناس؟! فكيف إذا كان هذا الشخص مؤثراً كيف إذا كان هو من دعا إلى الضلالة والانحراف، وفي المقابل كيف إذا كان هو الداعي إلى هذا الخير وإلى مثل هذه الأعمال التي تقوم الشخصية المسلمة.

 

 أسأل الله -تعالى- أن يجعلنا وإياكم قدوات صالحة نافعة، وأن يرزقنا الأخلاق الصالحة لا يهدي لأحسنها إلا هو وأن يصرف عنا الأخلاق السيئة لا يصرفها عنا إلا هو.

 

 اللهم آت نفوسنا تقواها زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداءك أعداء الدين، اللهم اجمع كلمة المسلمين على ما تحب وترضى يا رب العالمين.

 

 اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويهدى فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا رب العالمين، اللهم اجعلنا إخوة متحابين فيك ومتناصحين فيك ومتجالسين فيك ومتباذلين فيك يا رب العالمين، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

 

اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وقلباً خاشعاً ولساناً ذاكراً وعملاً متقبلاً ونعوذ بك اللهم من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع ومن عين لا تدمع ومن دعوة لا يستجاب لها، اللهم ارزقنا الأمن والإيمان في بلدنا هذا وسائر بلاد المسلمين، اللهم من أراد بنا وبالإسلام والمسلمين سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.

 

اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان في مصر وفي سوريا وفي العراق وفي فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين.

 

 اللهم إنا نسألك فتحاً قريباً ونصراً مؤزراً يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.

 

 

 

 

المرفقات

القدوة الحسنة1.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات