الفتن وسبل النجاة

راكان المغربي

2021-06-11 - 1442/11/01 2021-07-17 - 1442/12/07
عناصر الخطبة
1/خطورة الفتن والتباسها 2/تحذير نبوي من الفتن ومسالكها 3/وسائل شرعية في مقاومة الفتن والحد من تأثيرها 4/من أعظم أسباب انتشار الفتن 5/أهم الأمور المنجية من الفتن.

اقتباس

إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبهما كيف يشاء، فكم من ضال غارق في الفتن شارد عن الخير وأهله، صار بين عشية وضحاها قريبًا حبيبًا إلى الله، فلنجأ إلى الله دائمًا وأبدًا أن يثبت قلوبنا على طاعته، وأن يحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا، وأن يكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، فإنه والله لا حول لنا ولا قوة إلا به...

الخطبة الأولى:

 

أما بعد: في حُلكة الليل، وشدة الظلام، حين تتلاطم الأمواج، وتهب الأعاصير، في تلك اللحظات تخور فيه القوى، وتطيش فيها العقول، ولا ثبات إلا للراسخين.

 

عن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: "بينما نحن مع رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في سفرٍ، إذ نَزَلْنَا منزلًا، فمِنَّا مَن يَضْرِبُ خباءَه -أي ينصب خيمته-، ومِنَّا مَن يَنْتَضِلُ -يرمي بالسهام تدربًا-، ومِنَّا من هو في جَشْرَتِه-أي يرعى دابته-، إذ نادى منادي النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "الصلاةُ جامعةٌ".

 

فاجتَمَعْنا؛ فقام النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فخَطَبَنَا فقال: "إنَّه لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إلَّا كانَ حَقًّا عليه أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ علَى خَيْرِ ما يَعْلَمُهُ لهمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ ما يَعْلَمُهُ لهمْ، وإنَّ أُمَّتَكُمْ هذِه جُعِلَ عَافِيَتُهَا في أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنٌ فيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فتَجِيءُ الفتنةُ. فيقولُ المؤمنُ: هذه مُهْلِكَتي. ثم تَنْكَشِفُ، ثم تجيءُ فيقولُ: هذه مُهْلِكَتي. ثم تَنْكَشِفُ، فمَن أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهو يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إلى النَّاسِ الذي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إلَيْهِ".

 

عباد الله: إن مما لا يخفى على كل بصير، ما اجتمع في زماننا من صنوف الفتن، وأنواع البلايا، فمن فتن الشهوات المنحرفة إلى فتن الشبهات المضلة، ترى في ذلك الشاب نورَ الإيمان في وجهه، فما يلبَث أن تتخطفه الشياطين في أوحال الهوى، فيخفت النور، ويحل البؤس والظلام، وترى الشيخ الوقور كانت كلماته نبراسًا يضيء من حوله، فإذا به ينسلخ عن مبادئه، ويتخلى عن قيمه، فيَضل ويُضل.

 

يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "بادِروا بِالأعمالِ فِتَنًا كقِطَعِ الليلِ المظْلِمِ، يُصبِحُ الرجُلُ مُؤمِنًا، ويُمسِي كافِرًا، و يُمسِي مُؤمِنًا، و يُصبِحُ كافِرًا، يَبيعُ أحدُهُمْ دِينَهُ بِعرَضٍ من الدنيا قَليلٌ"؛ لا إله إلا الله، إنه الظلام حين يحل؛ الساعة السادسة صباحًا مؤمن، يحب الله ورسوله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، وفي الساعة السادسة مساء كافر، يجحد الله ويكذب رسوله.

 

 لا إله إلا الله! أليس في ذلك عبرة؟ ألا يخض ذلك المشهد سكناتِ قلوبنا الجامدة؟ تالله إنه لمشهد مرعب، ووصف مخيف، نسأل الله السلامة والعافية،

 

ولست هنا يا عباد الله لأبثّ الحسرة، وأنشر اليأس والتذمر، ولكني أصف واقعًا حاضرًا لا ينكره إلا جاحد، واقع يستلزم منا أن نتعامل معه التعامل الصحيح الذي يخرجنا من أزماته بأفضل الحلول وأقل الخسائر، ونحن نوقن أن أمر المؤمن كله له خير سواء كان ذلك في السراء أم الضراء. وذلك إذا تعامل مع الواقع بمقتضيات إيمانه.

 

وأول خطوات التعامل هو الاعتراف بالمشكلة، وتقديرها بقدرها، وهذا ما حاولنا أن نشير إليه فيما سبق.

 

ولنشرع فيما بقي من خطبتنا لتوضيح وبيان سبيل النجاة، والطريقة الشرعية المثلى للتعامل مع هذا الواقع المؤلم، وذلك من نور الوحي، ونبراس الكتاب والسنة.

 

أولاً: حضور ذكرى الآخرة في القلب، ووزن الدنيا بميزانها الحقيقي فـ"واللَّهِ ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلَّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكُمْ إصْبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بمَ تَرْجِعُ؟!"؛ كما قال وأقسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هذا هو الميزان الحقيقي للدنيا والآخرة، إن الفرق بينهما كالفرق بين القطرة والبحر. فيا خسارة من أبصر القطرة وأعمي عن البحر!

 

 يا عباد الله: إن الغفلة عن الآخرة هي التي تسبب الاغترار بالدنيا وإعطاءها أكبر من حجمها، حتى يصل الإنسان في زهده في الآخرة إلى مرحلة أنه يقدمها ثمنًا يشتري به الدنيا، كما قال الله -تعالى-: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)[البقرة:86]، وقال -سبحانه-: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)[البقرة:16]، وكما قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث السابق: "يَبيعُ أحدُهُمْ دِينَهُ بِعرَضٍ من الدنيا قَليلٌ".

 

 فتجد بعض الناس من أجل منصب دنيوي يناله، لا يتحرج من أن يظلم، فيدخل في وعيد (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)[هود:18]، ولسان حاله: سأقبل لعنات الله بصدر رحب ما دامت ستوصلني إلى منصبي الرفيع، فما الذي أوصله إلى هذا الحال إلا غفلته عن الآخرة واغتراره بمتاع الدنيا الزائل.

 

ثانيًا: ومما ينجّي المرء في زمن الفتن المبادرة والإكثار من الأعمال الصالحة، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "بادِروا بِالأعمالِ فِتَنًا كقِطَعِ الليلِ المظْلِمِ"، فإن الأعمال الصالحة حين يعملها المسلم ويبتغي بها وجه الله والدار الآخرة، فإنها تعمر قلبه، وتملؤه بالإيمان، وكلما أقبل الإنسان على العمل الصالح أكثر، كلما بنى أسوار إيمانه، ورسخ جذور ثباته (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)[النساء:66-68].

 

ثالثًا: اجتناب الفتن والبعد عن مواطنها، فحين ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- فتن آخر الزمان قال: "ومَن يُشْرِفْ لها تَسْتَشْرِفْهُ"؛ أي: مَن يَتطلَّعْ إليها ويتعرَّضْ لها تَغلبْه وتُهلِكْه. فإن تلطخ الإنسان بشيء من الفتنة فليطهرها بغسول الاستغفار والتوبة إلى الله، حتى لا يعلو الران على قلبه، فتغلفه أغطية الآثام، فلا يبصر الحق ولا يسلك طريق الهدى. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ المُؤْمِنَ إذا أذنبَ؛ كانت نُكْتةٌ سَوداءُ في قلبِهِ فَإن تابَ واستغفرَ صُقِلَ قلبُهُ، وإن زادَ زادَت، حتَّى تعلوَ قلبَهُ، فذلِكُمُ الرَّانُ الَّذي ذَكَرَ اللَّهُ تعالى (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[المطففين:14]".

 

رابعًا: تعلم العلم من مصادره الحقيقية، فإن العلم نور يبدِّد ظلمات الجهل، وإن أعظم مصادر العلم هو كتاب الله، الذي هو حبله الممدود من السماء إلى الأرض، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أبْشِرُوا، فإنَّ هذا القرآنَ طرَفُه بيدِ اللهِ، و طَرَفُهُ بأيديكُم، فتمسَّكُوا بهِ؛ فإنَّكُم لن تَهلِكوا ولن تَضلُّوا بعدَه أبدًا"، فأقبل أخي المسلم على القرآن تلاوةً وفهمًا وتدبرًا، وحفظًا إن استطعت، فتالله إنه للعاصم من الفتن حقًّا.

 

خامسًا: الالتفاف حول ولاة الأمور من الأمراء والعلماء بلزوم طاعتهم في المعروف، ففي حديث حذيفة -رضي الله عنه- عندما كان يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الشر مخافة أن يدركه، كان من ضمن وصايا النبي -صلى الله عليه وسلم- له: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"، فإن الفُرْقَة شر وفتنة ومهلكة، والاجتماع خير وصلاح ونجاة.

 

سادسًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من أعظم أسباب انتشار الفتن هو السكوت عنها، وتركها تستشري في المجتمع، حتى تهجم على كل بيت، وكل أسرة. وقد الله -تعالى-: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)[الأنفال:25]؛ فيحذرنا الله من فتنة لا تصيب الظالمين فقط، بل تصيب الصالحين معهم إذا قدروا على إنكار الظلم ولم ينكروه، "قَالَتْ زَيْنَبُ: يا رَسولَ اللَّهِ أنَهْلِكُ وفينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: "نَعَمْ إذَا كَثُرَ الخَبَثُ".

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)[آل عمران:102-109].

 

بارك الله لي ولكم...

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد: وآخر ما نريد أن نذكر من الأمور المنجية من الفتن، أمر ما أفردت الحديث عنه في الخطبة الثانية إلا لأهميته، ألا وهو الافتقار إلى الله والشعور بالحاجة إلى هدايته وتثبيته، هذا الافتقار هو الذي يؤدي بالإنسان إلى دوام اللجوء إلى الله ودعائه بأن يثبت الله قلبه ويرسخ إيمانه.

 

عباد الله: إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبهما كيف يشاء، فكم من ضال غارق في الفتن شارد عن الخير وأهله، صار بين عشية وضحاها قريبًا حبيبًا إلى الله، فلنجأ إلى الله دائمًا وأبدًا أن يثبت قلوبنا على طاعته، وأن يحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا، وأن يكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، فإنه والله لا حول لنا ولا قوة إلا به.

 

عباد الله: الباحثون عن السعادة كثر، فمنهم من يبتغيها في المال، ومنهم مَن يبتغيها في المناصب، ومنهم من يبتغيها في شهوات البطن والفرج، كل يسير، وكل يسعى ليصل إلى الغاية، وحتى نختصر المسافات، ونسلك الطريق الصحيح، خذوا هذه التوكيدات من السراج المنير، والهادي البشير، قال -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ السَّعيدَ لمن جُنِّبَ الفتنَ، إنَّ السَّعيدَ لمن جُنِّبَ الفتنَ، إنَّ السَّعيدَ لمن جُنِّبَ الفتنَ، ولمنِ ابتُلِيَ فصبرَ".

 

اللهم جنبنا الفتن، اللهم جنبنا الفتن، اللهم جنبنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

 

اللهم يا مقلّب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك.

 

ربنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

 

اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان.

 

المرفقات

الفتن وسبل النجاة.doc

الفتن وسبل النجاة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات