الفتن والمخرج منها

فواز بن خلف الثبيتي

2016-07-03 - 1437/09/28
عناصر الخطبة
1/ تنبّؤ النبي الكريم بالفتن وتحذيره لأمته منها 2/ من ألوان الفتن 3/ المخرج من الفتن 4/ منهج المؤمن في التعامل مع الأحداث

اقتباس

إنها الفتن، عباد الله، لا تطيب معها حياة، ولا يصفو معها عيش، تذهل لها العقول، وتضيق بها الصدور، وتزل فيها الأقدام. فما المخرج -يا ترى- من هذه الفتن التي نراها ونسمع بها من حولنا؛ ولربما بُلينا ببعضها؟!...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله مقلب عباده بين محن وفتن، وفرح وحزن، وخوف وأمن، وفقر وغنىً، وعسر ويسر، (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء:35].

 

والصلاة والسلام على النبي الهادي القائل: "إن السعيد لَمن جُنِّبَ الفتن, إن السعيد لمن جُنب الفتن, إن السعيد لمن جُنب الفتن, ولمن ابتلي فصبر فواها". أي: هنيئاً له. صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.

 

وسأل رجل فقال: يا رسول الله، هل للإسلام من منتهى؟ قال: "أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد الله بهم خيراً أدخل عليهم الإسلام". قال: ثم مه؟ قال: "ثم تقع الفتن كأنها الظلل". قال الرجل: كلا والله إن شاء الله! قال: "بلى، والذي نفسي بيده! ثم تعودون فيها أساود صُباً يضرب بعضكم رقاب بعض" السلسلة الصحيحة.

 

أَسَاوِدَ صُبَّا: الأساود نوع من الحيات عظام فيها سواد وهو أخبثها، وصُبّا -بضم الصاد وتشديد الباء- الصب من الحيات التي تنهش ثم ترتفع ثم تنصب، يعني بذلك تشبيههم بها وما يتولونه من الفتن والقتل والأذى.

 

إنها الفتن -عباد الله- إذا تلاطم موجها، وغشيت كقطع من الليل مظلم، عندها تضطرب الأفهام، وتزل الأقدام، وتختل الموازين؛ فإذا بدهماء الناس يسيرون خلف كل ناعق، ويهتفون لكل صائح، يرددون بلا وعي، ويتعجلون بلا روية، حتى قال حذيفة -رضي الله عنه-: "تكون فتنة تموج فيها عقول الرجال، حتى ما تكاد ترى رجلاً عاقلاً".

 

والفتن -عباد الله- منها ما هو خاص بالمرء في ذاته، ومنها ما هو عام عليه وعلى أمته، فقد يفتن المرء بنفسه فيصيبه الغرور والعجب، والكبر، والبطر، وحب الشهرة والتعالي، والاعتداد بالرأي المجحف، والتعصب للهوى، والحسد، والفخر...

 

وقد يفتن في أهله وماله: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [التغابن:15]. وقال -عليه الصلاة والسلام-: "إن لكل أمة فتنةً، وفتنة أمتي المال" رواه الترمذي وصححه الألباني.

 

ومن ذلك الافتتان بزهرة الحياة الدنيا، والمنصب والجاه والنسب، ونحو ذلك، والسحر والشيطان وقرناء السوء، وفتنة التبرج والسفور، والمجاهرة بالسوء والفحشاء، والتشبه بالأعداء فتنة، وقبض العلم وذهاب الصالحين، وارتفاع الأسافل، وإسناد الأمر إلى غير أهله فتنة، والقتل والتعذيب والسجن والإبعاد والحرمان فتنة، وعلماء السوء، ودعاة التغريب والتخريب فتنة، وتسلط أهل الكفر والإلحاد على أعراض المسلمين وحرماتهم ومقدساتهم وممتلكاتهم في بلاد شتى، وهواننا عن نجدتهم واستنقاذهم فتنة، وأي فتنة! قال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: "حبذا موتاً على الإسلام قبل الفتن".

 

وإن من الفتن أن يأتي على الناس زمان لا يُتبع فيه العالم، ولا يُستحيا فيه من الحليم، ولا يوقر الكبير، ولا يرحم الصغير. زمانٌ تنتكس فيه الفطر, وتختل فيه الموازين؛ فيصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، ويخوّن فيه الأمين، ويُكذب الصادق، وتشتد على المسلم غربته في دينه بين أهله وقرابته وفي مجتمعه وأمته.

 

فتن يكثر فيها الهرج والمرج، يكثر فيها القتل بحق وبغير حق، وفي هذا يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده! لا تذهب الدنيا حتى يأتي يوم لا يدري القاتل فيم قتل، ولا المقتول فيم قتل"، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: "الهرج، القاتل والمقتول في النار" رواه مسلم.

 

وقال -عليه الصلاة والسلام-: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيراً لهم وينذرهم ما يعلمه شراً لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء شديد وأمور تنكرونها، وتجيء فتن فيرقق بعضها بعضاً، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي! ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه! هذه! فمن أحب منكم أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه".

 

فنحن في زمن كثرت فيه الفتن، وما هي إلا من علامات الساعة التي أخبر عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-، أن يسلط بعض الأمة على بعض، ويقتل بعضها بعضا، وتسيل الدماء، وتنتهك الحرمات، وتسلب الأموال، وفي هذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها"، وفي رواية: "حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً".

 

وعن أبي موسى الأشعري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن بين يدي الساعة الهرج"، قالوا: وما الهرج؟ قال: "القتل، إنه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضاً، حتى يقتل الرجل جاره ويقتل أخاه ويقتل عمه ويقتل ابن عمه"، قالوا: ومعنا عقولنا يومئذ؟! قال: "إنه لتنزع عقول أهل ذلك الزمان ويخلف له هباء من الناس، يحسب أكثرهم أنهم على شيء وليسوا على شيء" رواه أحمد وصححه الألباني.

 

إنها الفتن عباد الله، لا تطيب معها حياة، ولا يصفو معها عيش، تذهل لها العقول، وتضيق بها الصدور، وتزل فيها الأقدام. فما المخرج -يا ترى- من هذه الفتن التي نراها ونسمع بها من حولنا؛ ولربما بُلينا ببعضها؟!.

 

إن أول الواجبات على المسلم تجاه الفتن: عدم الفرح بها أو استشرافها، أو السعي فيها ولها. دليل ذلك ما صح عنه -عليه الصلاة والسلام- من تعوذه من الفتن، وسؤال الله صرفها عن أمته، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع شعف الجبال ومواقع القطر؛ يفر بدينه من الفتن" رواه البخاري.

 

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه! ومن وجد منها ملجأ أو معاذاً فليعذ به" رواه البخاري.

 

وقال -عليه الصلاة والسلام-: "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية؛ فإذا لقيتموه فاصبروا" رواه البخاري.

 

ولما حدث عن الدجال قال -عليه الصلاة والسلام-: "من سمع بالدجال فلينأ منه؛ فوالله! إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه؛ مما يُبعث به من الشبهات" رواه أبو داود وصححه الألباني. وهذه قاعدة نافعة وركن ركين للمسلم يتعامل بها مع كل فتنة وشر؛ فلينأ عنها.

 

إن السعيد لمن جنب الفتن، قال -عليه الصلاة والسلام-: "إنها ستكون فتن، ألا ثم ستكون فتنة"، إلى أن قال: "فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله, ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه". فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: "يعمد إلى سيفه؛ فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت! اللهم هل بلغت!". فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن كرهت حتى يُنطلق بي إلى إحدى الصفين، أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني. قال:" يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار" رواه مسلم.

 

ومن أسباب النجاة من الفتن: الفزع إلى الصلاة والعبادة؛ قال -تعالى-: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) [البقرة:45].

 

ولما استيقظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة فزعاً قال: "سبحان الله! ماذا أنزل الله من الخوماذا أنزل من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات -يريد أزواجه- لكي يصلين؟ رب كاسية عارية في الآخرةزائن؟!"رواه البخاري.

 

ولما نزلت الفتنة بعثمان -رضي الله عنه- في مقتله، قال له عبيد الله بن عدي، وهو محصور في داره: إنك إمام عامة، ونزل بك ما نرى، ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج. فقال: "الصلاة أحسن ما يعمل الناس؛ فإذا أحسن الناس فأحسن معهم, وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم". وقال -عليه الصلاة والسلام-: "العبادة في الهرج كهجرة إليّ" رواه مسلم.

 

ومن الوسائل المشروعة تجاه الفتن: الثبات على دين الله، والتمسك بكتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: "تعرض الفتن على القلوب؛ فأي قلب كرهها نُكتت فيه نكتة بيضاء, وأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتة سوداء، قال: فمن أحب أن يعلم أصابته الفتنة أم لا؛ فلينظر هل يرى شيئاً حلالاً كان يراه حراماً، أو يرى شيئاً حراماً كان يراه حلالاً".

 

ومن ذلك: كف اليد واللسان، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "ويلٌ للعرب من شر قد اقترب! قد أفلح من كف يده" رواه أبو داود، وصححه الألباني.

 

وقد ذكر العلماء حرمة بيع السلاح حال الفتن، وهذا من كف اليد. قال الحسن -رحمه الله- عن الفتن: "وما الخروج منها كيوم دخلوا فيها إلا السلامة, فسلمت قلوبهم وأيديهم وألسنتهم".

 

وقال -عليه الصلاة والسلام-: "مَن صمت نجا" رواه الترمذي وصححه الألباني. ولما سئل أحد السلف عن القتال الذي حصل بين الصحابة -رضي الله عنهم- قال: "تلك دماء طهر الله يدي منها، أفلا أطهر منها لساني؟!".

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كيف أنت يا عبد الله بن عمرو لو بقيت في حثالة من الناس؟"، قال: وذاك ما هم يا رسول الله؟ قال: "ذاك إذا مرجت عهودهم وأماناتهم، وصاروا هكذا"، وشبّك بين أصابعه. قال: فكيف بي يا رسول الله؟ قال: "تعمل بما تعرف، وتدع ما تنكر, وتعمل بخاصة نفسك، وتدع عوام الناس" رواه ابن حبان في صحيحه. وفي رواية: "الزم بيتك، وأمسك عليك لسانك".

 

ومن ذلك: الحذر من المنافقين حال الفتنة وغيرها، من المخذلين والمرجفين والمصطادين في الماء العكر، ممن وصفهم الله بقوله: (يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) [التوبة:47]. ولا تستغربوا أن يكون هؤلاء المنافقون المندسون من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، وهم في الحقيقة دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها.

 

ومن الوسائل المشروعة: الصبر، (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ)، وعن معاوية ابن أبي سفيان -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة" رواه ابن ماجة وصححه الألباني. فأعدوا للبلاء صبراً.

 

ومن ذلك: الأخذ على يد الظالم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه؛ أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه" رواه الترمذي وصححه الألباني.

 

ومن ذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فهذا الركن هو صمام الأمان من الفتن، وبفقده تتحول النعم، وتحل النقم.

 

ومن ذلك: الائتلاف والاجتماع على كلمة الحق، وعدم التفرق والشتات، ووزن الرايات المرفوعة حال الفتنة بميزان الشرع، والرجوع إلى العلماء الربانيين والاقتداء بهم؛ فإن أعداء الإسلام يستهدفون دين الأمة عند الفتن، وأمنها، يستهدفون خيراتها ووحدتها واجتماع كلمتِها، ويسْتهدفون كلّ خير تتمتَّع به الأمّة.

 

فواجب على المسلمين أن لا يوجِدوا ثغرةً للأعداء يلِجون من خلالها، بل عليهم أن يكونوا صفًّا مترابِطاً، صفًّا واحداً كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً، وكالجسد الواحدِ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسَد بالحمَّى والسهر، التحامًا على الخير، وإغلاقاَ للأسمَاع عن كلِّ الأراجيف والأباطيل؛ لأنَّ الأمة اليوم بحاجةٍ إلى تكاتُف وتعاون واجتماع وارتباط وثيق يشدّ بعضُهم أزرَ بعض، وبهذا يكونوا مؤمنين، (وَلاَ تَنَـازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال:46].

 

إنَّ اتحادَ جبهة الأمة وقوّة تماسكِها لَعنوانُ صلاحها وسلامتها بتوفيق من الله، وإنَّ هذه الغمَّة والفتن والبلايا سيزيلها الله بفضلِه وكرمه، لكن؛ على المسلمين أن يتمسَّكوا بدينهم، وأن يثقوا بربهم وبتعاليمِ دينِهم وأنها الحق، وأن يكونوا على المنهج القويم، قال رسول الهدى -صلى الله عليه وسلم-: "ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيَ أمر الله".

 

فدينُنا منصورٌ ولله الحمد إن نحن قمنا به خير قيام، (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات:171-173].

 

ولا يكون النصر إلا بالتواصي بالحق، واجتماع الكلمة، ولمِّ الشعث، كلُّها أمور تُمِدّ الأمّة بالقوة أمام كلِّ التحديات، لنعلم أنَّ الله -جل وعلا- أعدل العادلين وأكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، فليلجأ إليه المسلمون دائماً وأبداً، ولنشكو إليه حالنا، ولنثِق بالله وبنصرِه، ولنأخذ بالأسبابِ النافعة المشروعة عند حلول الفتن.

 

نسأل الله أن يجمعَ كلمةَ المسلمين على الحقّ، وأن يردَّ كيدَ أعدائهم في نحورهم، وأن يوفِّقَهم جميعاً للعَمَل بشرعه والتمسّك بدينه، والاعتصام بكلمة التقوى، وأن يولي عليهم خيارهم، وأن يهلك شرارهم؛ إنّه وليّ ذلك والقادِر عليه.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد: فيا أيّها النّاس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

 

عباد الله: إنَّ من عقيدة أهلِ السنة والجماعة الإيمانَ بقضاء الله وقدره، وأنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنَّ كلَّ ما يجري في الكون فبقضاءٍ وقدر مِن الله.

 

والإيمانُ بقضاء الله وقدَره ركنٌ من أركان الإيمان، يدلّ عليه سؤال جبريل النبيّ -صلى الله عليه وسلم- لمّا قال: يا محمد، أخبرني عن الإيمان، فقال: "أن تؤمنَ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وتؤمِن بالقدَر خيرِه وشرّه مِن الله". قال: صدقت.

 

فالإيمانُ بقدَر الله: أن يؤمنَ العبد حقًّا بهذا الركنِ العظيم، يؤمن بأنَّ الله علِم الأشياءَ قبل كونِها، علِمَها قبلَ حصولها، وأحاط علماً بها كلّها، (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرّ وَلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـاتِ الأرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـابٍ مُّبِينٍ) [الأنعام:59]، وقال: (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ) [يونس:61].

 

علِم الأشياءَ وكتبها: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاء وَلأرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِى كِتَـابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحج:70].

 

فأول ما خلق الله القلم، قال: اكتُب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتُب، فجَرى في تلك الساعَة بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة.

 

وإنّ الله -جل وعلا- شاء هذه الأشياءَ، خلقها وشاء وجودَها، فلا يكون في ملكِه ما لا يريد، وسلفُ الأمّة يقولون: ما شاء الله كان وما لم يشَأ لم يكن، قال -تعالى-: (وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَـالَمِينَ) [الإنسان:30].

 

فسبحانَ من أحاط علمه بكلّ شيء! وسبحانَ من نفذت قدرتُه في كلّ شيء! (لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ) [الأنبياء:23].

 

أيّها المسلمون: إن ما يجري في الكون إنما هو بقضاء الله وقدرٍه، وله الحكمةُ في كلّ الأحوال، قدَرُه محكَم، لا لعِبَ فيه ولا باطل، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـاطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ) [ص:27]، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَـاوتِ وَلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَـاهُمَا إِلاَّ بِلْحَقّ وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) [الدخان:38-39].

 

فعقيدةُ المسلم حقاً أن يعلمَ أنّ ما يجري في الكون بحِكَم عظيمةٍ بالغة، سواءٌ أدركها أو لم يدركها.

 

المؤمنُ حقًّا إن أصابَه ما يسُرُّه من إيمانٍ وتقوى وتوفيق للخير ونصر على الأعداءِ وكبت للظلمة وزوال لهم، فرح بذلك وشكر اللهَ على نعمتِه، واستعان بها على ما يُرضي ربَّه، وتقرَّب إليه بما يرضيه من صالح الأقوال والأعمال، وإن أصابه ضررٌ من مصيبةٍ حلَّت به أو قارعَة دَهَتْ أمّتَه ونحو ذلك، فله مع القضاء والقدر وقفات:

 

أوَّلها: أن يعلَم أنَّ ما يجري قد يكون ابتلاء وامتحانا، (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَـاذِبِينَ) [العنكبوت:2-3].

 

ويكون الابتلاء تمحيصاً وحطًّا للخطايا: (وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [آل عمران:154]، وقد يكون عقوبةً على واجبٍ تركته، أو أمرٍ خالفتَ فيه شرعَ الله، (وَمَا أَصَـابَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ) [الشورى:30].

 

ثمَّ هو بعد ذلك يبحَث عن نفسِه ومكامِن الخطأ فيها، ويعلم أنَّ اللهَ أعدلُ العادلين، (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـاكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [يونس:44]، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـامٍ لّلْعَبِيدِ) [فصلت:46]، فيعلمُ حقاً أنّ ما أصابَه فبذنوبٍ اقترفها، قال -تعالى-: (أَوَ لَمَّا أَصَـابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـاذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) [آل عمران:165].

 

وثانياً: أهل الإيمان أمام الأحداثِ يأخُذُون العِظة والعبرة، فتكون الأحداث سبباً لإيقاظ نفوسِهم، وتنبيهِهم من رقادِهم، وتذكيرهم بربِّهم؛ ليعودوا إليه، فالمؤمنُ يأخذ من كل واقعٍ العبرة والعظة، فلا يكون شامِتاً، وإنما يكون متَّعظاً معتبِراً، وقد ذمَّ الله الكفارَ على مرور المواعظ عليهم وعدم اتِّعاظهم واعتبارهم بها فقال: (وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مّن دَارِهِمْ) [الرعد:31].

 

أمَّا المؤمنون فيأخذون من كلِّ حدثٍ عبرةً وعظة، فيزداد أهل الإيمان إيمانا ويقوى يقينهم، ويعيدون حساباتِ أنفسهم، ويلجؤون إلى ربِّهم.

 

أيها الإخوة في الله: إنَّ أهلَ الإيمان لا تزيدهم الأحداث إلا صلابةً في دينِهم وثباتاً على إسلامهم، لا تزحزِحهم الأحداث ولا تسلُّطُ الأعداء، ولا يضعف الإيمان، بل يقوى اليقين ويقوى الإيمان، قال -تعالى- عن أصحاب نبيه وقد أصابهم ما أصابهم يوم أحد: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران:173]، يعلَمون أنّ الأعداءَ يرجفون بهم ويثبِّطون هممَهم، قال الله -تعالى-: (إِنَّمَا ذلِكُمُ الشَّيْطَـانُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران:175].

 

أهلُ الإيمان حقاً يعملون بما دلّ الكتاب والسنة عليه، ويعلمون أنَّ النصرَ لأهل الإسلام والعاقبة للمتقين، قال -تعالى-: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران:139]، فإذا وُجِد الإيمان الصادق فلأهل الإيمان التمكين والنصرُ والتأييد: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّـالِحُونَ) [الأنبياء:105].

 

والمؤمن أمام الأحداث يتقَّرب إلى الله بما يُرضيه، فيبذل المعروفَ، ويكثِر الإحسان والإنفاق في وجوه الخير، فإنَّ الصدقاتِ يدفع الله بها البلاء، ويرفع الله بها المِحن.

 

أهل الإيمان أمام الأحداثِ والبلايا يكثُر التِجاؤهم إلى ربِّهم وتضرُّعهم بين يدَيه، مع أخذِهم بكلِّ سببٍ نافع، يلجؤون إلى الله، ويُلحّون في الدعاء آناء الليل وأطرافَ النهار، فما أصاب المسلمين من كَرب ففوّضوا أمرَهم إلى ربِّهم والتجؤوا إلى ربِّهم...

 

ها هم أنبياؤه ورسلُه إذا نزلت بهم المضايق لجؤوا إلى الله: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ) [الأنبياء:83-84]، (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِى الظُّلُمَـاتِ أَن لاَّ إِلَـاهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـانَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ الظَّـالِمِينَ * فَسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَـاهُ مِنَ الْغَمّ وَكَذلِكَ نُنجِـى الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء:87-88]

 

أيّها المسلمون: إن أهل الإيمان -مع ذلك- يحسِنون الظنَّ بربِّهم، ولا يسيؤون الظنَّ بربِّهم، ويعلمون أنَّه الحكيم العليم فيما يقضي ويقدِّر، لا يظنُّون به ظنَّ المنافقين الظانّين بالله ظنَّ السوء، فثقتهم بربهم، وعلمهم أنَّ الأمور بيَد الله، وموازين القوى بيدِ الله، والعباد كلّهم خاضعون لله، تجعلهم يعلمون أن الابتلاء والامتحان لا بدَّ منه؛ ليظهرَ صدق المؤمنين وثباتهم وارتباطهم وقوّتهم ووقوفهم أمام عدوّهم وقفةَ الصدق واليقين، والارتباط والثباتِ وشدّ الأزر، والتعاونِ القويّ بين أفراد الأمّة.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين...

 

 

 

المرفقات

والمخرج منها

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
ابو اسامه امحمد بوزيان
10-01-2020

السلام عليكم .... جزاكم الله خيرا ونفع بكم .... الله المستعان من الفتن ماظهر منها وما بطن

عضو نشط
زوزو
17-06-2020

شنو اسم الكتاب واسم المؤلف

لم نفهم السؤال