الغفلة: أسبابها وعلاجها

محمود بن أحمد الدوسري

2020-11-21 - 1442/04/06
عناصر الخطبة
1/خطورة الغفلة وعواقبها 2/من علامات الغفلة 3/أسباب الغفلة 4/عقوبات الغفلة في الدنيا والآخرة 5/من وسائل معالجة الغفلة.

اقتباس

والإكثارُ من ذِكْرِ الموت له دور عظيم في علاج الغفلة؛ فإنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ؛ -يَعْنِي: الْمَوْتَ-, فَمَا ذَكَرَهُ عَبْدٌ قَطُّ وَهُوَ فِي ضِيقٍ إِلاَّ وَسَّعَهُ عَلَيْهِ، وَلاَ ذَكَرَهُ فِِي سَعَةٍ إِلاَّ ضَيَّقَهُ عَلَيْهِ"؛ فالموت هو أعظم المواعظ, وإذا تذكره المرء استفاق من غفلته.

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على رسوله الكريم, وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أمَّا بعد: حذَّر اللهُ من الغفلة وأهلها, فقال -تعالى-: (وَلاَ تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ)[الأعراف: 205], وأخبر بأنَّ أكثر الخلق غافلون: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)[يونس: 92], والناسُ في غفلة عمَّا خُلِقُوا له: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)[الروم:7]. وقد يقع بعض الصالحين في الغفلة, ولكن سرعان ما يتنبَّهون ويتذكَّرون فيتوبون: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)[الأعراف:201].

 

ومن علامات الغفلة: التكاسلُ عن الطاعات, وقِلَّةُ ذِكْرِ الله, ومن صفات المنافقين أنهم (إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً)[النساء: 142].

 

ومن العلامات: الغفلةُ عن تعلُّم العلم الشرعي, والغفلة عن قراءة القرآن, والغفلة عن الأذكار التي تَحْفَظُ الإنسانَ من شياطين الإنس والجن.

 

ومن علامات الغفلة: استصغارُ المُحرَّماتِ والتهاونُ بها, وإِلْفُ المعصيةِ والتَّفاخرُ بها, يقول النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلاَنُ! عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ, وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ"(رواه البخاري ومسلم).

 

ومن العلامات: تضييع الأوقات من غير فائدةٍ تُذْكَر؛ فإنَّ الوقت نعمة, ولا يضيعه إلاَّ غافل؛ ولذا قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ"(رواه البخاري).

 

عباد الله: للغفلة أسباب, فمن أهمها: حُبُّ الدنيا والرُّكونُ إليها؛ فإنها تُطيل أملَ الإنسان, وتُمَنِّيه بالأماني الزَّائفة, وتجعله مُسوِّفاً في التوبة. قال الله -تعالى-: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)[الحجر: 3]، وقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ, وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ, وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ"(رواه مسلم).

 

ومن أعظم الأسباب: مُصاحَبَةُ أهلِ الغفلة, وجُلساءِ السوء, واللهُ -تعالى- نهى عن مصاحبة الغافلين: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)[الكهف:28]، وقال -سبحانه-: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)[الحشر: 19].

 

قال السعدي -رحمه الله-: "والحِرمان كُلُّ الحِرمان: أنْ يغفل العبدُ عن هذا الأمر، ويُشابِه قوماً نسوا الله, وغَفَلوا عن ذِكرِه والقيامِ بحقه، وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتِها، فلم ينجحوا، ولم يحصلوا على طائل، بل أنساهم اللهُ مَصالِحَ أنفسهم، وأغْفَلَهم عن منافعها وفوائدها، فصار أمرُهم فُرُطاً، فرجعوا بخسارة الدَّارَين".

 

ومن أسباب الغفلة: المبالغة في الرَّفاهية والتَّنعُّم, فبسبب ذلك عاش الناس في غفلة عظيمة, وانهمكوا في أنواع كثيرة من المباحات التي جعلتهم يغفلون عن الله -تعالى- والدارِ الآخرة, وقد حذَّر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- من الانغماس في بعض الهِوايات الموجودة في عصره, والمبالغة فيها؛ لأنها سببٌ رَئِيسٌ للغفلة, فقال: "مَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ"(صحيح: رواه أبو داود).

 

قال ابن حجر -رحمه الله-: "هو محمول على مَنْ واظَبَ على ذلك حتى يشغله عن غيره من المصالح الدِّينية وغيرِها". فكيف بالألعاب الإلكترونية في عصرنا التي تستهلك أوقاتاً كثيرة, وضاعت من أجلها واجبات وطاعات وأوقات؟!

نَهَارُكَ يا مَغْرورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌ *** ولَيْلُكَ نَومٌ والرَّدَى لَكَ لازِمُ

وتَعْمَلُ فيما سَوفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ *** كَذلِكَ في الدُّنيا تَعِيشُ البَهائِمُ

 

ومن أسباب الغفلة: كثرة المعاصي والذنوب, قال -تعالى-: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[المطففين:14]، يقول النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ, فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ, فَإِنْ زَادَ زَادَتْ. فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)"(صحيح: رواه ابن ماجه). قال الحسن البصري -رحمه الله-: "هو الذنب على الذنب، حتى يعمى القلب، فيموت".

 

ومن الأسباب: اتِّباع الهوى؛ فإنه من أعظم أسباب الغفلة, قال الله -تعالى-: (أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)[الجاثية:23]؛ فقد صار تبعاً لهواه، فَمَا هَوِيَه سلَكَه, سواء كان يُرضِي اللهَ أو يُسخِطه, وما اشتهت نفسه فَعَله، وسعى في تحصيله، ولو كان فيه هلاكه.

 

ومن الأسباب: الإعراض عن دِينِ الله -تعالى-, قال -تعالى-: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ)[الأنبياء: 1-2]؛ فهذا تعجُّبٌ من حالةِ الناس، فلا ينجع فيهم تذكير، قَرُبَ حِسابُهم، وهم في غفلة معرضون، كأنهم للدنيا خُلِقُوا، وللتمتُّع بها وُلِدُوا، واللهُ -تعالى- لا يزال يُجدَّد لهم التذكير والوعظ، وقلوبُهم غافلة مُعرِضة, لاهية بمطالبها الدنيوية، وأبدانُهم لاعبة.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله...

 

أيها المسلمون: للغفلة عقوباتٌ في الدنيا والآخرة؛ ويكفي أنَّ الغفلة من صفات أهل النار, قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[يونس: 7-8]. والله -تعالى- يُجازي أهلَ الغفلة بغفلةٍ أعظم؛ جزاءً وفاقاً: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)[الصف:5]؛ استحبوا العمى؛ فأعماهم الله عن الحق.

 

واللهُ -تعالى- لا يستجيب دُعاءَ الغافلين اللاَّهين, يقول النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ"(رواه الترمذي). وإذا دخل الرجلُ بيته, وغَفَلَ عن ذِكْرِ الله؛ فإنَّ الشيطان يُسلَّط عليه, ويدخل بيتَه, ويَبِيتُ معه, ويأكل طعامَه. ويوم القيامة يتحسَّر أهلُ الغفلة ويندمون؛ لقول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ؛ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ, وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لاَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ؛ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ"(صحيح: رواه أبو داود). ويُخشى على الغافلين من سوء الخاتمة.

 

عباد الله: من أفضل الأمور التي نُعالِجُ بها الغفلة: تعلُّم العلم الشرعي, والإكثارُ من قراءة القرآن, وذِكْرِ الله -تعالى-، يقول النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ, مَلْعُونٌ مَا فِيهَا, إِلاَّ ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالاَهُ, أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا"(حسن: رواه الترمذي).

 

والذِّكر نوعان: مُطلَقٌ على كل حال. ومُقيَّدٌ بأذكار الصباح والمساء, وأدبار الصلوات, والنوم والاستيقاظ, والدخول والخروج، وغير ذلك. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ -رضي الله عنه- أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ, فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ. قَالَ: "لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ"(صحيح: رواه الترمذي). فالذِّكر له مفعولٌ قويٌّ في علاج الغفلة.

 

ومجالِسُ الذِّكرِ عِلاجٌ لقسوة القلوب؛ يقول النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا"، قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "حِلَقُ الذِّكْرِ"(حسن: رواه الترمذي).

 

ونُعالِجُ الغفلةَ بالمحافظة على الصلوات الخمس مع الجماعة؛ يقول النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ حَافَظَ عَلَى هَؤُلاَءِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ"(صحيح: رواه ابن خزيمة). ونُعالِجُ الغفلةَ بالحرص على قيام الليل ولو عَشْر آيات؛ يقول النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ؛ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ"(صحيح: رواه أبو داود).

 

ونُعالِجُ الغفلةَ بالدعاء والتَّضرُّع إلى الله, ومن دعاء النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ, والكَسَلِ, والجُبْنِ, والبُخْلِ, والهَرَمِ, والقَسْوَةِ, والغَفْلَةِ"(صحيح: رواه ابن حبان).

 

والزهد في الدنيا من أعظم علاج الغفلة؛ يقول النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا, وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ"(رواه البخاري).

 

والإكثارُ من ذِكْرِ الموت له دور عظيم في علاج الغفلة؛ فإنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ؛ -يَعْنِي: الْمَوْتَ-, فَمَا ذَكَرَهُ عَبْدٌ قَطُّ وَهُوَ فِي ضِيقٍ إِلاَّ وَسَّعَهُ عَلَيْهِ، وَلاَ ذَكَرَهُ فِِي سَعَةٍ إِلاَّ ضَيَّقَهُ عَلَيْهِ"(حسن: رواه ابن حبان)؛ فالموت هو أعظم المواعظ, وإذا تذكره المرء استفاق من غفلته.

 

وصلوا وسلموا...

 

المرفقات

الغفلة أسبابها وعلاجها

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات