الغضب وآثاره والهدي النبوي للغاضب

خالد بن عبدالله الشايع

2015-02-18 - 1436/04/29
التصنيفات:
عناصر الخطبة
1/ تقلب الدنيا بأهلها 2/ تأملات في الوصية النبوية بعدم الغضب 3/ الغضب مفتاح كل شر 4/ الأسباب التي تدفع الغضب وتسكنه 5/ دواء عظيم للغضب 6/ فضل تربية أنفسنا وأبنائنا على كظم الغيظ 7/ وجوب اتباع الهدي النبوي عند الغضب.
اهداف الخطبة

اقتباس

إن العبد إذا غضب أصبح كالمجنون، ثم إذا زال الغضب ندم وتأسف على ما جرى، فكم هجر المسلم أخاه بسبب الغضب! وكم طلق رجل زوجته بسبب الغضب! وكم سُفك من دم وقُطعت أعضاء بسبب الغضب! بل ربما خرج المرء من الدين -والعياذ بالله- بسبب الغضب.. قال عطاء بن أبي رباح: "ما أبكى العلماء بكاء آخر العمر من غضبة يغضبها أحدهم فتهدم عمر خمسين سنة، أو ستين سنة، أو سبعين سنة، ورب غضبة قد أقحمت صاحبها مقحما ما استقاله"...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله..

 

أما بعد فيا أيها الناس: الدنيا مليئة بالمنغصات، فهي تفرح وتحزن، وتجمع وتفرق، وترفع وتخفض، كل ذلك بأمر الله، ولا يزال المرء يتقلب بين الناس، فيصاحب البعض ويهجر آخرين، ويتشاجر مع آخرين، وهكذا هي الدنيا تتقلب بأهلها، ولهذا قد يقابل المرء من المواقف ما يثير دمه، ويخرجه من طوره، فيغضب، ويقع فيما لا تحمد عقباه.

 

 ولهذا كان من الوصايا النبوية لأصحابه النهي عن الغضب،  أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلاً قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- أوصني، قال: "لا تغضب" فردد مرارًا قال: "لا تغضب".

 

وخرّج الترمذي هذا الحديث من طريق أبي حصين أيضًا ولفظه: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله علمني شيئا ولا تكثر عليَّ لعلّي أعيه، قال: "لا تغضب" فردد ذلك مرارًا كل ذلك يقول: "لا تغضب"، وفي رواية أخرى لغير الترمذي قال: قلت: يا رسول الله دُلّني على عمل يُدخلني الجنة ولا تكثر عليَّ قال: لا تغضب.

 

فهذا الرجل طلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يوصيه وصية وجيزة جامعة لخصال الخير، ليحفظها عنه خشية أن لا يحفظها لكثرتها، فوصاه النبي أن لا يغضب، ثم ردد هذه المسألة عليه مرارًا، وكأنه تقال هذا الأمر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يردد عليه هذا الجواب.

 

فهذا يدل على أن الغضب جماع الشر، وأن التحرز منه جماع الخير. ولعل هذا الرجل الذي سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- هو أبو الدرداء، كما جاء عند الطبراني.

 

عباد الله: قوله -صلى الله عليه وسلم- لمن استوصاه: لا تغضب يحتمل أمرين: أحدَهما: أن يكون مرادُه الأمرَ بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الكرم والسخاء، والحلم والحياء، والتواضعِ والاحتمال، وكفّ الأذى، والصفح والعفو، وكظم الغيظ، والطلاقة والبشر، ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة، فإن النفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه.

 

والثاني: أن يكون المراد لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك، بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه والعملِ بما يأمر به، فإن الغضب إذا ملك ابن آدم كان الآمرَ والناهي له، ولهذا المعنى قال الله -عز وجل- (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) [الأعراف: 54]، فإذا لم يمتثل الإنسان ما يأمره به غضبه، وجاهد نفسه على ذلك، اندفع عنه شر الغضب، وربما سكن غضبه، وذهب عاجلا، فكأنه حينئذ لم يغضب، وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة في القرآن بقوله -عز وجل-: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) [الشورى: 37]، وبقوله -عز وجل-: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134].

 

قال جعفر بن محمد: "الغضب مفتاح كل شرّ". وقيل لابن المبارك: "اجمع لنا حسن الخلق في كلمة، قال: ترك الغضب". وكذا فسر الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه حسن الخلق بترك الغضب.

 

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر من غضب بتعاطي الأسباب التي تدفع عنه الغضب، وتسكنه، ويمدح من ملك نفسه عند غضبه ففي "الصحيحين" عن سليمان بن صرد قال: استب رجلان عند النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضبًا قد احمر وجهه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إني لأعلم كلمة لو قالها، لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: إني لست بمجنون.

 

وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي -صلى الله عليه وسلم-  قال في خطبته: "ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أفما رأيتم إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه، فمن أحسّ من ذلك شيئًا فليلزق بالأرض".

 

وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي ذر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا غضب أحدكم وهو قائم، فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع".

 

والمعنى في هذا أن القائم متهيئ للانتقام، والجالس دونه في ذلك، والمضطجع أبعد عنه، فأمره بالتباعد عن حالة الانتقام، ويشهد لذلك أنه روي من حديث سنان بن سعد عن أنس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن حديث الحسن مرسلاً، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الغضب جمرة في قلب الإنسان توقد ألا ترى إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه، فإذا أحس أحدكم من ذلك شيئًا، فليجلس، ولا يعدونه الغضب".

والمراد: أنه يحبسه في نفسه، ولا يعديه إلى غيره بالأذى بالفعل.

 

وخرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس، عن النبي قال: "إذا غضب أحدكم، فليسكت"، قالها ثلاثًا. وهذا أيضًا دواء عظيم للغضب؛ لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيرًا من السباب وغيره مما يعظم ضرره، فإذا سكت زال هذا الشر كله عنه.

 

 وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث عروة بن محمد السعدي أنه كلمه رجل فأغضبه، فقام فتوضأ، ثم قال: حدثني أبي، عن جدي عطية، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خُلق من النار، وإنما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم، فليتوضأ".

 

وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". وفي "صحيح مسلم" عن ابن مسعود، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما تعدون الصرعة فيكم؟ قلنا: الذي لا تصرعه الرجال، قال: ليس ذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب".

 

وقال ميمون بن مهران: جاء رجل إلى سلمان، فقال: يا أبا عبد الله أوصني، قال: لا تغضب، قال أمرتني أن لا أغضب وإنه ليغشاني ما لا أملك، قال: "فإن غضبت، فاملك لسانك ويدك" (أخرجه ابن أبي الدنيا).

 

اللهم إنا نسألك كلمة الحق في الرضا والغضب أقول قولي...

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد فيا أيها الناس: فما أحوجنا إلى تربية أنفسنا وأبنائنا على كظم الغيظ، واتباع الهدي النبوي عند الغضب، غير أنه ينبغي لكل مسلم أن يعلم أن ذلك كله ما لم يكن الغضب لله.

 

وهذه كانت حال النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه كان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتُهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء، ولم يضرب بيده خادمًا ولا امرأة إلا أن يجاهد في سبيل الله. وخدمه أنس عشر سنين، فما قال له: "أف" قط، ولا قال له لشيء فعله: "لِمَ فعلت كذا"، ولا لشيء لم يفعله: "ألا فعلت كذا"، وفي رواية أنه كان إذا لامه بعض أهله قال -صلى الله عليه وسلم-: "دعوه فلو قُضي شيء كان".

 

وسئلت عائشة عن خُلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: "كان خلقه القرآن"، تعني: أنه تأدب بآدابه، وتخلق بأخلاقه، فما مدحه القرآن، كان فيه رضاه، وما ذمه القرآن، كان فيه سخطه، وجاء في رواية عنها، قالت: "كان خُلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه".

 

وكان -صلى الله عليه وسلم- لشدة حيائه لا يواجه أحدًا بما يكره، بل تُعرَف الكراهة في وجهه، كما في "الصحيح" عن أبي سعيد الخدري قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه، عرفناه في وجهه".

 

وقال عطاء بن أبي رباح: "ما أبكى العلماء بكاء آخر العمر من غضبة يغضبها أحدهم فتهدم عمر خمسين سنة، أو ستين سنة، أو سبعين سنة، ورب غضبة قد أقحمت صاحبها مقحما ما استقاله".

 

معاشر المؤمنين: إن العبد إذا غضب أصبح كالمجنون، ثم إذا زال الغضب ندم وتأسف على ما جرى، فكم هجر المسلم أخاه بسبب الغضب! وكم طلق رجل زوجته بسبب الغضب! وكم سُفك من دم وقُطعت أعضاء بسبب الغضب! بل ربما خرج المرء من الدين -والعياذ بالله- بسبب الغضب.

 

أيها المؤمنون: نسمع البعض يقول: لا تكظم غضبك، فإنه يسبب الأمراض، بل أخرجه وفضفض عن نفسك.

 

وهذا بلا شك خلاف الهدي النبوي، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لا يأمر بما فيه ضرر؛

فالمؤمن مأمور بكظم غيظه، والاستعاذة من الشيطان، والوضوء، فمن فعل ذلك فقد اتبع الهدي النبوي، ووقى نفسه من الأمراض بإذن الله.

 

اللهم جَمِّلنا بحُسن الخلق والعفو عن الناس... اللهم اغفر للمسلمين..

 

 

 

المرفقات

الغضب وآثاره والهدي النبوي للغاضب.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات