الغضب

محمد بن عبدالرحمن العريفي

2011-09-25 - 1432/10/27
عناصر الخطبة
1/ اكتساب الأخلاق بالفطرة أو التعلُّم 2/ محبة الله تعالى للحلم والأناة عند أشج بني قيس 3/ صورٌ لعواقبَ وخيمةٍ نتيجة الغضب 4/ الهدي النبوي في تسكين الغضب 5/ الأنبياء والغضب لله تعالى 6/ الغضب المحمود وضوابطه 7/ مزية امتلاك النفس عند الغضب
اهداف الخطبة

اقتباس

ليست القضية الغضب -أيها المسلمون- أن تكظم غيظك إذا أهانك مَن هو أقوى منك، أو أرفع منك منصبا، أو أعلى منك ولاية، فتقول: قد أهانني فلان العظيم الكبير الذي هو في منصبه رفيع، فكظمت غيظي! لا. ليست البطولة هنا! كلا. إنما البطولة عندما يستطيع الإنسان ان ينتقم، يستطيع أن يضرب، يستطيع أن يسبّ، أن يلعن، أن يخرج ما في قلبه من غضب على مَن تحته، على من هو أضعف منه، ومع ذلك يمسك نفسه عن الغضب ..

 

 

 

 

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جَلَّ عن الشبيه والمثيل والكفء والنظير. 

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيّه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله ربه رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، فهدى الله تعالى به من الضلالة، وبصَّر به من الجهالة، وكَثَّر به بعد القلة، وأغنى به بعد العَيلة، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغر الميامين، ما ذكره الذاكرون، وما تعاقب الليل والنهار، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا من صالح أمته، وأن يحشرنا الله تعالى في زمرته.

أما بعد:

أيها الإخوة الكرام: لقد أمَر الله تعالى المؤمنين بجميع الفضائل، وحذَّرَهم ربنا -جل وعلا- من الرذائل، وبيَّن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن المؤمن يطبع على حسن الأخلاق، وذم النبي -صلى الله عليه وسلم- من يكون سيئا في اخلاقه.

والأخلاق كما تعلمون منها أخلاق فطرية يُفطَر عليها الإنسان، وربما ورثها عن آبائه وأجداده، ومنها أخلاق مكتسبة يستطيع الإنسان أن يكتسبها من خلال تعامله.

لذا؛ لما أقبل وفد قيس إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وصلوا وكانوا مشتاقين إلى لقائه، فأقبلوا إليه -عليه الصلاة والسلام-، أقبلوا وهم عليهم وعثاء السفر، وأثر الطريق مما يتعلق بملابسهم ورائحتهم، لكنهم أقبلوا عليه، عليه الصلاة والسلام.

أما أحدهم فإنه تريث حتى أناخ الإبل وعقلها واغتسل وتطيب، ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، فلما رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- رآه طيب الرائحة، حسن الثياب، قد اعتنى بركائب قومه، قال له -عليه الصلاة والسلام-: "يا أشج عبد قيس"، وكان فيه شجة ظاهرة، قال: "يا أشج عبد قيس، إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله"، ما هما؟ قال: "الحلم والأناة". الحلم يعني عدم الغضب، وعدم الاقبال على الناس بضررهم، والأناة تعني التأني في جميع أموره.

فكان -عليه الصلاة والسلام- يأمر بالحلم عندما يتعامل الإنسان مع أمور حياته، وإذا تأملت في أمور الحياة وجدت أن أرواحا تزهق، وأن أموالا تذهب، وأن اسراً تُشتت؛ بسبب عدم تعامل الإنسان مع الحلم.

أقبل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل يجر رجلاً آخر بنسعة، يعني قد ربطه بحبل من جلد فهو يجره إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، قال: يا رسول الله، انظر هذا، قد قتل أخي. فالتفت النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الرجل المربوط وقال له: "أحقا قد قتلته؟". قال: نعم يا رسول الله قد قتله، قال: "ما حمَلَكَ على ذلك؟" فقال الرجل: يا رسول الله، كنا نحتطب، يعني نحتطب الشجرة، قال: فسبني، فأغضبني، فأخذت الفأس فضربت به على قرنه حتى قتلته يا رسول الله، جره إلى زهق الروح، وربما جر أيضا إلى دفع دية أو إلى أن يقام عليه الحد أنه ما ضبط نفسه في مثل هذه المواقف.

وإذا تأملت في احوال المطلقين وجدت أن أعدادا كبيرة منهم يطلِّق ثم يذهب يطوف على العلماء يبحث عن ما يعيد إليه زوجته، ويتحجج بأنه كان غضبان!.

إذا نظرت إلى الذين ربما الآن في بعض أقسام الشرط بسبب مضاربات ومشاجرات ومخاصمات إذا سألته ما الذي حملك على ذلك؟ قال لك: حملني عليه الغضب.

وانظر إن شئتَ من السجون اليوم، كم فيها من أقوام ارتكبوا جريمة القتل وأزهقوا الأرواح وأسالوا الدماء البريئة! وإذا سألته: لم فعلت ذلك؟ قال: والله بسبب الغضب! فكم من أرواح أزهقت؟ وأسر تشتت؟ وكم من شجاج وقعت؟ وكم من خصومات حصلت؟ بسبب مثل هذا الغضب.

بل بعض الأبناء هرب من بيت أبيه وقاطعه الآن منذ سنين بسبب أن أباه غضب فضربه أو شجه أو أهانه، ثم فارق هذا الولد أسرته ولم يعد إليها ربما لسنوات طويلة بسبب الغضب.

الغضب -أيها المسلمون- كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحذر منه، ويقبل إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- من يقبل ويقول: يا رسول الله: أوصني، وربما وقع في قلب هذا الصحابي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سيوصيه بكثرة صلاة، أو كثرة صدقة، أو مداومة صلاة وصيام، فإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يترك كل ذلك ويقول له: "لا تغضب!"؛ لأنه يعلم أن إذا غضب ربما قتل وطلق وأخذ المال وشج وأذى الناس، فيقول له: "لا تغضب!". قال: زدني، قال: "لا تغضب!"، قال: زدني ، قال: "لا تغضب!".

ومَرَّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- كما في البخاري بأبي مسعود البدري -رضي تعالى عنه-، قال أبو مسعود: "كنت أضرب غلاما لي، أخذ الصوت وضرب، فبينما هو يضربه وهو قد ارتفع عليه الغضب حتى يكاد لا يعرِف من حوله، وإذا بصوت ورائي يقول: "اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود"، قال فلم ألتفت إليه من شدة الغضب، من شدة غضبه وهو يضرب الغلام، لم يلتفت إلى من يحدثه، ويقول: "اعلم أبا مسعود"، قال: فالتفتُّ فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: "اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام"، يعني أن غضبت فضربت هذا الغلام المسكين الذي لا يستطيع أن ينتصر لنفسه، الله أقدر عليك منك على هذا الغلام، قال فقلت : يا رسول الله هو حُرٌّ لوجه الله.

هو حر لوجه الله، من جراء لحظة غضب جعل هذا الغلام حرا، وقد كان يستطيع أن يستفيد من خدمته أو يستفيد من ثمنه، لكنه طلب الكفارة، قال: يا رسول الله هو حر لوجه الله.

وكم خسر اقوام بسبب مثل هذا الغضب، لذلك كان الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- ومن بعدهم من التابعين يمسك أحدهم نفسه من أن يغضب.

جلس مرة علي بن الحسين -رضي الله تعالى عنه ورحمه-، جلس مرة ودعا بماء ليتوضأ، فأقبلت إليه الجارية، وكانت جارية عجلة، فلما جعلت توضئه ناداها مَن ناداها، فألقت هذا الإبريق الذي كان في يدها، وقد كان نزع عمامته ليتوضأ، فضربه الإبريق في رأسه فشجه، وجعل الدم يسيل، فنظر إليها وكأنه يقول: ما هذه العجلة؟ وكيف تلقين ما يدك إلقاءً ولا تعلمين أني اتوضأ وأنك واقفة؟.

فلما نظرت إليه وقد احمرت عينه من الغضب، قالت له: يا سيدي، والكاظمين الغيظ، قال: كظمت غيظي، قالت: والعافين عن الناس، فسكت، وقال: عفوت عنكِ، قالت: والله يحب المحسنين، قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أنتي حرة لوجه الله. كانوا يتعبدون عبادة ويتقربون لله تعالى قربة، بان يكظم الإنسان غضبه مع قدرته على إنفاذه.

ليست القضية الغضب -أيها المسلمون- أن تكظم غيظك إذا أهانك مَن هو أقوى منك، أو أرفع منك منصبا، أو أعلى منك ولاية، فتقول: قد أهانني فلان العظيم الكبير الذي هو في منصبه رفيع، فكظمت غيظي! لا. ليست البطولة هنا! كلا. إنما البطولة عندما يستطيع الإنسان ان ينتقم، يستطيع أن يضرب، يستطيع أن يسبّ، أن يلعن، أن يخرج ما في قلبه من غضب على مَن تحته، على من هو أضعف منه، ومع ذلك يمسك نفسه عن الغضب. هنا يبرز قول النبي -صلى الله عليه وسلم- "لا تغضب ولك الجنة".

أيها المسلمون: لقد كان الأنبياء يغضبون، وصف الله تعالى في كتابه غضب الأنبياء، لكن غضبهم لم يكن لأجل أنفسهم أو انتقاما لذواتهم، كلا، إنما كانوا يغضبون لله. قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: ما غضب النبي -صلى الله عليه وسلم- لنفسه قط. ما كان يغضب لأجل تأخُّر طعام، أو عدم غسل ملابس، أو لأن زوجته قالت أو فعلت، ما كان يغضب لنفسه، قالت: ما كان يغضب لنفسه قط، وما ضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- بيده امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله.

ولم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يغضب لنفسه، ألم ترَ أنه لما أقدم إليه جبريل -عليه السلام- وقد خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو مكذب مستضعف من قومه؛ فطلب النصرة من أهل الطائف، فإذا بسفهاء عندهم يرمونه بالحجارة، فلما جلس تحت شجرة وهو في كآبة وحزن وهو لا يدري هل يعود إلى الطائف أم يعود إلى مكة، فأقبل إليه جبريل وهو -عليه الصلاة والسلام- في حزنه وفي ترقبه فيما يفعل به أهل مكة، قال: "إن شئتَ قد بعث الله معي ملَك الجبال فآمره بما تريد"، قال ملك الجبال: "يا رسول الله، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين".

وهي لحظة عظيمة لو كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يريد أن ينتقم لنفسه لكانت لحظة ربما لا تتكرر في أن يأمر ملك الجبال أن يطبق عليهم الجبلين العظيمين حولي مكة، لكنه -عليه الصلاة والسلام- لم يكن ينتقم لذاته، قال: "لا، بل أستأني بهم؛ لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا".

وكذلك كان مَن قبله من الأنبياء، ألم ترَ موسى -عليه السلام- لما دخل على فرعون فجعل فرعون يستهزئ بموسى ويقول: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ)، يستهزئ بموسى أن لسانه غير منطلق، قال: (وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) [الزخرف:52-53].

وموسى -عليه السلام- يستمع إلى ذلك ولم يغضب لنفسه، لكن لما وقعت مواقف أخرى تتعلق بالغضب لله، قال الله -جل وعلا-: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا)، لما رأى قومه يعبدون العجل، لما غاب عنهم أياما، قال: (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ)، ألقى التوراة من يده من شدة الغضب! (وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) [الأعراف:150] من شدة غضبه لما رأى ما يتعلق بالدين، لم يغضب لنفسه، إنما غضب لشريعة الله تعالى.

ونوح -عليه السلام-، قال الله -جل وعلا-: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) [هود:38]، كيف يا نوح تبني فلكاً في بَرٍّ؟ قد صار نوح نجاراً بعد أن كان نبيا؟ ويستهزؤون به، وهو -عليه الصلاة والسلام- لا يلتفت إليهم، لكنهم لما قال الله تعالى لهم: (لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ) [هود:36]، عندها دعا نوح ربه وهو غضبان: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) [نوح:26-27].

ويونس عليه السلام: قال الله -جل وعلا- متحدثا عنه: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا) [الأنبياء:87]، يعني غضب على قومه لما لم يتبعوا الشريعة، ولم يؤمنوا بالله -جلَّ في علاه-.

أيها الأحبة الكرام: الغضب إن كان لله، وإن كان لمحارم الله، مع وجوب أن يكون غضبا منضبطا، فلا يعني أن يغضب الإنسان لله إذا رأى منكراً أن يؤدي به ذلك أن يفعل ما هو أعظم من المنكر من قتل أو شجار او سبّ او لعن، لكن ينبغي أن يكون التعامل مع أمور الحياة إذا كان الغضب للنفس أن يكتمه الإنسان، كما قال -عليه الصلاة والسلام- في حديثه عن الغضب، قال: "إذا غضب أحدكم فلْيَسْكُتْ"، وفي حديث آخَر قال: "فلْيجلس؛ فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع".

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا جميعا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو وأن يصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا هو.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وإخوانه وخلانه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد: أيها الإخوة الكرام: قد علم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن الغضب ربما هجم على الإنسان من غير اختياره، لذا وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- الإنسان كيف يتعامل مع الغضب، لو أغضبك زوجتك أو ولدك أو غضبت ربما في بقالة أو بعد حادث سيارة أو في غير ذلك من المواقف، كيف ينبغي للإنسان أن يتعامل مع نفسه؟!.

جلس النبي -صلى الله عليه وسلم- في مجلسه يوما -كما عند البخاري- فإذا برجلين يتلاحيان، برجلين في المسجد يتلاحيان، ثم بدأت أصواتهم ترتفع، فغضب أحدهما حتى جعل يزبد فمه من شدة الغضب، من شدة الغضب والسباب ليس عنده وقت ليبلغ ريقه، فجعل الريق يجتمع في جوانب فمه حتى أصبح الريق زبدا يقع من فمه مثل البعير، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إني لأعرف كلمة لو قالها"، يعني لو قالها هذا الغاضب، "إني لأعرف كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد"، قالوا: يا رسول الله: ما هي؟ قال: "لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد".

فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أول ما تفعل إذا غضبتَ قُلْ: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". وقال: "إذا غضب أحدكم فليسكت".

الغاضب عادة لن يقول للذي أمامه: بارك الله فيك، جزاك الله خيرا، حفظك الله! لن يقول له هذا الكلام قطعا، إنما سيسب ويلعن، وربما سارّ الذي أمامه بهذا القول، فقال: يسكت، لا يتكلم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم واسكت، لا تتكلم، وإن واصل الذي أمامك السب واللعن فاسكت ولا تتكلم.

فَلَرُبَّما سكَتَ الحليمُ عَنِ الأذَى *** وفؤادُه من حَرِّهِ يتـأوَّهُ
ولَرُبَّمَا عقَدَ الحلـيمُ لسانَهُ *** حذَرَ الجوابِ وإنَّهُ لَمُفَـوَّهُ

إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، قال -صلى الله عليه وسلم-: "ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد"، أي: القوي البطل، "إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".

وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه إن كان واقفا فلْيجلس؛ لأن الواقف يؤذيه الشيطان أثناء غضبه ليضرب أو ليتعدى، فقال: اجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضجع، حتى يزول عنه تماما.

وفي بعض الروايات: "إنَّ الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من نار، وإن النار إنما تطفأ بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ، وإن ذهب عنه الغضب، وإلا فلْيُصَلِّ ركعتين", وذلك لأن بعض أنواع الغضب تكون لأمر عظيم ربما سكت الإنسان ثم تذكر هذا الأمر فثار غضبه مرة أخرى، فينبغي أن يعالج نفسه بذلك.

قال عمر بن عبد العزيز: وقد أرسل إلى عمّاله بوصية، وعماله الذين يحكمون بين الناس وهم وزراؤه في المناطق، أرسل إليهم قائلا: لا تعاقب إذا كنت غضبان، ولا تقتضي إذا كنت غضبان... وإن أغضبك أحد فاحبسه إلى غد، ثم أقض فيه أمرك.

وذلك أن الإنسان إذا غضب لا ينبغي ان يتخذ قرارا وقت غضبه، لا يتخذ قرار طلاق، لا يتخذ قرار إنهاء شراكه بينه وبين إنسان، فيغضب ويقول: إذن هذا العقد ملغي، ويذهب ثم يتذكر ويقول: لماذا ألغيتُ هذا العقد؟ كان يمكن أن يناقش في هذا الشرط الذي غضبت بسببه، لا يتخذ قرارا بطرد ولده من البيت: اخرج، لا أريد أن أراك بعد اليوم أنت كذا... لا! لا تتخذ قرارا بإنهاء بيع أو بإمضاء بيع أو بتزويج أو بتطليق، لا يتخذ قرارا، العاقل لا يتخذ قرارا وهو غضبان، كما أجمع العلماء أن القاضي لا يجوز له أن يقضي وهو غضبان.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الحلم، وأن يعيذنا من الغضب، أسأل الله أن يرزقنا حسن الأخلاق، وأن يصرف عنا سيئها.

اللهم وفقنا لفعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين.

 

 

 

 

 

المرفقات

الغضب.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات