الغرباء

تركي بن علي الميمان

2021-03-12 - 1442/07/28 2021-06-28 - 1442/11/18
التصنيفات: الإيمان
عناصر الخطبة
1/الغرباء وسبب تسميتهم 2/بم تدفع غربة الدين؟ 3/ من صفات الغرباء 4/غرباء الدنيا

اقتباس

النَّاسُ كُلَّهُمْ غُرَبَاءُ فِي هَذِهِ الدُّنْيا، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارِ مَقَامٍ، وَلَا الدَّارُ الَّتِي خُلِقُوا لَهَا، وَهُمْ على جَنَاحِ سَفَرٍ، لَا يَحِلُّ فيها الإِنسانُ عَنْ رَاحِلَتِهِ إِلَّا بَيْنَ أَهْلِ الْقُبُورِ!...

الخُطْبَةُ الأُوْلى:

 

عِبَادَ الله: "بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ"!(رواه مسلم) وَلِهَذا فَإِنَّ أَهْلَ الإِسلام؛ غُرَبَاءُ بَيْنَ الأَنَام! سُئِلَ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟"، قال: "نَاسٌ صَالِحُونَ قَلِيلٌ، فِي نَاسٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ!"(رواه أحمد، وصحّحه الألباني).

 

وأَهْلُ هَذِهِ الغُربَةِ؛ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ حَقًّا! فَإِنَّهُمْ لَمْ يَأْوُوا إِلَى غَيرِ اللهِ، وَلَمْ يَنْتَسِبُوا إِلَى غَيْرِ رَسُولِهِ؛ قالَ -صلى الله عليه وسلم-: "تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ مِلَّةً وَاحِدَةً، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي"(رواه الترمذي، وحسّنه الألباني).

 

وَلِقِلَّتِهِمْ فِي النَّاسِ؛ سُمُّوا غُرَبَاء!؛ فَالإِسلَامُ الحَقِيقِيُّ غَرِيبٌ جِدًّا، ولَكِنَّ أَهْلَهُ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ حَقًّا؛ فَلَا غُربَةَ عَلَيهِم، وَإِنَّمَا غُرْبَتُهُم بَيْنَ الأَكْثَرِينَ، الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِم: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)[الأنعام:116].

 

وَغُرْبَةُ الدِّيْن؛ لا وَحْشَةَ عَلَى صَاحِبِهَا، بَلْ وَآنَسُ مَا يَكُونُ: إِذَا استَوْحَشَ النَّاسُ! "فَإِنْ وَجَدَ رَبَّهُ: وَجَدَ كُلَّ شَيء، وإِنْ فَاتَهُ رَبُّهُ: فَاتَهُ كُلُّ شَيء".

 

وَغُرْبَةُ الدِّيْنِ؛ تُدْفَعُ بِالصَّبرِ واليَقِين، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنّهُمْ أَئمِةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)[السجدة:24]؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ؛ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ، كَالقَابِضِ عَلَى الجَمْرِ!"(رواه الترمذي، وصحّحه الألباني).

 

وَمِنْ صِفَاتِ الغُرَبَاء: أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إلى الهُدَى، وَيَدْفَعُونَ الأَذْى! (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)[هود:117]، سُئِلَ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟"، قَالَ: "الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ"(رواه أحمد، وصحّحه الألباني).

 

قال ابنُ رَجَب: "المُنْفَرِدُ بالطَّاعَةِ بَيْنَ أَهْلِ المعَاصِي والغَفْلَة؛ قَدْ يُدْفَعُ بِهِ البَلَاءُ عَنِ النَّاسِ كُلِّهِم؛ فَكَأَنَّهُ يَحْمِيهِمْ وَيُدَافِعُ عَنْهُمْ!".

 

والغُرَبَاءُ في الدِّيْن: هُم البَقِيَّةُ البَاقِيَةُ، وَالفِرْقَةُ النَّاجِيَة! قال تعالى: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ)[هود:116].

 

وَمِنْ صِفَاتِ الْغُرَبَاءِ: لُزُوْمُ العِبَادَة، والإِكْثَارُ مِنَ الطَّاعَة: فَهِيَ تُخَفِّفُ الغُرْبَة، وَتَحْمِي مِنَ الفِتْنَة؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: "الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ؛ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ"(رواه مسلم).

قال النَوَوِيّ: "الْمُرَادُ بِالْهَرْجِ هُنَا: الْفِتْنَةُ وَاخْتِلَاطُ أُمُورِ النَّاسِ؛ وَسَبَبُ كَثْرَةِ فَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهِ: أَنَّ الناسَ يَغْفُلُونَ عَنْهَا، وَلَا يَتَفَرَّغُ لَهَا إِلَّا أَفْرَادٌ!".

 

وَكُلَّمَا اشْتَدَّتْ غُربَةُ الدِّين؛ تَضَاعَفَ الأَجْرُ لِلثَّابِتِينَ الصَّابِرِين!  قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ؛ الصَّبْرُ فِيهِنَّ: مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ: أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ"، قِيْلَ: يَا رَسُولَ الله، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟، قال: "أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ!"(رواه الترمذي، وصحّحه الألباني).

قال ابنُ القَيِّم: "وهَذَا الْأَجْرُ الْعَظِيمُ، إِنَّمَا هُوَ لِغُرْبَتِهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ بَيْنَ ظُلُمَاتِ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ، فَهُوَ غَرِيبٌ فِي أُمُورِ آخِرَتِهِ، لَا يَجِدُ مُسَاعِدًا وَلَامُعِيْنًا".

 

قالَ بَعضُ السَّلَف: "عَلَيْكَ بِطَرِيقِ الْحَقِّ، وَلَا تَسْتَوْحِشْ لِقِلَّةِ السَّالِكِينَ، وَإِيَّاكَ وَطَرِيقَ البَاطِلِ، وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الهالِكِينَ"، (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)[يوسف:103].

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

عِبَادَ الله: النَّاسُ كُلَّهُمْ غُرَبَاءُ فِي هَذِهِ الدُّنْيا، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارِ مَقَامٍ، وَلَا الدَّارُ الَّتِي خُلِقُوا لَهَا، وَهُمْ على جَنَاحِ سَفَرٍ، لَا يَحِلُّ فيها الإِنسانُ عَنْ رَاحِلَتِهِ إِلَّا بَيْنَ أَهْلِ الْقُبُورِ! قال -صلى الله عليه وسلم-: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ"(رواه البخاري).

 

فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا *** مَنَازِلُكَ الأُولَى وَفِيهَا الْمُخَيَّمُ

وَلَكِنَّنَا سَبْيُ الْعَدُوِّ فَهَلْ تَرَى *** نَعُودُ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلَّمُ

 

فَنَحْنُ في هَذِهِ الدُّنْيا غَيْرُ مُسْتَوْطِنِيْنَ ولا مُقِيْمِيْن، بَلْ دَخَلْنَاهَا عَابِرِيْ سَبِيل! (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ)[غافر:39].

 

 

المرفقات

الغرباء.doc

الغرباء.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات