العلاقات والتعرف قبل الزواج وأخطاره

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2020-11-16 - 1442/04/01 2021-02-02 - 1442/06/20
عناصر الخطبة
1/من وسائل الشيطان لإيقاع الإنسان في التعلق بالنساء 2/من أسباب الوقوع في علاقات الصداقة والحب بين الجنسين 3/الحب يأتي قبل الزواج أم بعده؟ 4/أضرار الصداقات على الرجل والمرأة 5/آثار هذه العلاقة على المجتمع.

اقتباس

كَثِيرٌ مِنَّا يَحْصُدُ مَا زَرَعَ فِي أَخْلَاقِ زَوْجِهِ وَأَبْنَائِهِ؛ حِينَمَا جَلَبْنَا لَهُمْ مَا يُفْسِدُ أَخْلَاقَهُمْ، وَيُحَبِّبُ إِلَيْهِمْ هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ الْمُحَرَّمَةَ، وَيُزَيِّنُهَا إِلَى قُلُوبِهِمْ، وَيُفْسِدُ عُقُولَهُمْ وَأَفْكَارَهُمْ؛ مُسَلْسَلَاتٌ، وَأَفْلَامٌ، وَأَغَانٍ وَبَرَامِجُ تُمَجِّدُ الْحُبَّ وَتُعَظِّمُهُ، وَتَشْرَحُ سُبُلَهُ وَتُقَرِّبُهُ، ثُمَّ نَشْكُو بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَرَةَ هَذِهِ الْقَنَوَاتِ وَبَرَامِجَهَا الْعَفِنَةَ عَلَى أَخْلَاقِ أَوْلَادِنَا...

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71].

 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مَيْلَ الرَّجُلِ إِلَى الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُلِ أَمْرٌ فِطْرِيٌّ غَرِيزِيٌّ، وَقَدْ أَشَارَ نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- إِلَى عِظَمِ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ بِقَوْلِهِ: "مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، فَالْفِتْنَةُ بِالنِّسَاءِ وَاقِعٌ مُشَاهَدٌ؛ لِمَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْ غَرِيزَةِ الشَّهْوَةِ، وَالِانْجِذَابِ نَحْوَهُنَّ، قَالَ حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ: "مَا أُتِيَتْ أُمَّةٌ قَطُّ إِلَّا مِنْ قِبَلِ نِسَائِهِمْ".

 

وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الْفِطْرَةِ فَقَدْ هَذَّبَ هَذِهِ الْغَرِيزَةَ؛ فَأَبَاحَ الزَّوَاجَ وَرَغَّبَ فِيهِ، وَحَرَّمَ الزِّنَا وَحَذَّرَ مِنْهُ، وَسَدَّ كُلَّ الطُّرُقِ لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ؛ وَلِذَلِكَ حَرَّمَ النَّظَرَ إِلَى النِّسَاءِ الْأَجْنَبِيَّاتِ؛ فَهُوَ وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِلِ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ وَعِشْقِهِ، قَالَ -تَعَالَى-: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)[النُّورِ: 30-31]، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ؛ "فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "يَا عَلِيُّ! لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ"(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، فَمَنْ سَرَّحَ نَاظِرَهُ أَتْعَبَ خَاطِرَهُ، وَمَنْ كَثُرَتْ لَحَظَاتُهُ دَامَتْ حَسَرَاتُهُ، وَضَاعَتْ أَوْقَاتُهُ!.

نَظَرُ الْعُيُونِ إِلَى الْعُيُونِ هُوَ الَّذِي *** جَعَلَ الْهَلَاكَ إِلَى الْفُؤَادِ سَبِيلَا

 

وَالنَّظْرَةُ وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِلِ الشَّيْطَانِ، وَسَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِهِ، يَنْفُذُ إِلَى الْقَلْبِ؛ فَيُعَلِّقُهُ بِالصُّوَرِ، وَيُورِدُهُ الْمَهَالِكَ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "مَا كَانَ مِنْ نَظْرَةٍ؛ فَإِنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيهَا مَطْعَمًا"، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: "كَمْ نَظْرَةٍ أَلْقَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا الْبَلَابِلَ؟".

 كُلُّ الْحَوَادِثِ مَبْدَاهَا مِنَ النَّظَرِ *** وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ

كَمْ نَظْرَةٍ فَعَلَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا *** فِعْلَ السِّهَامِ بِلَا قَوْسٍ وَلَا وَتَرِ

وَالْمَرْءُ مَا دَامَ ذَا عَيْنٍ يُقَلِّبُهَا *** فِي أَعْيُنِ الْغَيْرِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْخَطَرِ

يَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهْجَتَهُ *** لَا مَرْحَبًا بِسُرُورٍ عَادَ بِالضَّرَرِ

 

وَمِنْ وَسَائِلِ الشَّيْطَانِ لِإِيقَاعِ الْإِنْسَانِ فِي التَّعَلُّقِ بِالنِّسَاءِ: الْخَلْوَةُ وَالِاخْتِلَاطُ بِهِنَّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ؛ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ"(رَوَاهُ أَحْمَدُ).

 

وَمِنْ وَسَائِلِ الشَّيْطَانِ: لِينُ كَلَامِ الْمَرْأَةِ وَخُضُوعُهَا بِالْقَوْلِ، وَالضَّحِكُ وَقِلَّةُ الْحَيَاءِ فِي مُخَاطَبَةِ الرِّجَالِ، وَقَدْ نَهَاهَا اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِتَأْثِيرِهِ عَلَى قُلُوبِ الرِّجَالِ؛ (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ)[الْأَحْزَابِ: 32].

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَمَعَ تَسَاهُلِ النَّاسِ بِالْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ، وَعَدَمِ الْتِزَامِهِمْ بِوَسَائِلِ الْوِقَايَةِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْفَوَاحِشِ وَمُقَدِّمَاتِهَا؛ انْتَشَرَتِ الْعَلَاقَاتُ الْمُحَرَّمَةُ بَيْنَ الْجِنْسَيْنِ؛ بِدَعْوَى الْعِشْقِ وَالْغَرَامِ، وَالصَّدَاقَةِ وَالْحُبِّ!، وَفِي كُلِّ يَوْمٍ يَزْدَادُ ضَحَايَا هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ، وَيَقَعُونَ فِي شِبَاكِهَا، وَلَعَلَّ مِنْ أَسْبَابِ الْوُقُوعِ فِي هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ:

ضَعْفُ إِشْبَاعِ الْعَاطِفَةِ عِنْدَ الْفَتَيَاتِ مِنْ قِبَلِ الْوَالِدَيْنِ؛ فَتَبْحَثُ الْفَتَاةُ عَمَّا يُشْبِعُ عَاطِفَتَهَا خَارِجَ إِطَارِ أُسْرَتِهَا، بِمَا يُسَمَّى بِالْحُبِّ وَالصَّدَاقَةِ!.

 

وَمِنْهَا: التَّأَثُّرُ بِالْمُسَلْسَلَاتِ وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ عَلَاقَاتٍ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَتَزْيِينِ مِثْلِ هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ الْمُحَرَّمَةِ؛ بَلْ لَا تَكَادُ تَجِدُ مُسَلْسَلًا أَوْ فِيلْمًا إِلَّا وَيَقُومُ عَلَى قِصَصِ الْحُبِّ وَالْعِشْقِ؛ فَمَا أَسْرَعَ تَأَثُّرَ الْفَتَيَاتِ وَالشَّبَابِ بِذَلِكَ!.

 

وَمِنَ الْأَسْبَابِ: الِانْفِتَاحُ الْإِعْلَامِيُّ الْهَائِلُ، وَسُهُولَةُ التَّوَاصُلِ بَيْنَ النَّاسِ عَبْرَ بَرَامِجِ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، فَمِثْلُ هَذِهِ الْبَرَامِجِ مَدْخَلٌ لِلتَّعَارُفِ وَالْكَلِمَاتِ، وَاللِّقَاءَاتِ وَالصَّدَاقَاتِ، خَاصَّةً إِذَا ضَعُفَتِ الْمُرَاقَبَةُ مِنْ جِهَةِ الْأُسْرَةِ عَلَى الْأَبْنَاءِ وَالْبَنَاتِ، وَتُرِكَتْ لَهُمُ الْحُرِّيَّةُ بِدُونِ ضَوَابِطَ، وَوُجُودُ أَوْقَاتِ الْفَرَاغِ، وَانْشِغَالُ الْوَالِدَيْنِ عَنْ تَرْبِيَةِ أَبْنَائِهِمْ وَتَلَمُّسِ حَاجَاتِهِمْ؛ فَتِلْكَ وَصْفَةٌ مِثَالِيَّةٌ لِيَنْصِبَ الشَّيْطَانُ حِبَالَهُ؛ فَيُوقِعَ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ.

 

وَمِنْ أَسْبَابِهَا: تَأَخُّرُ سِنِّ الزَّوَاجِ، وَالتَّعْقِيدَاتُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي تُحِيطُ بِهِ؛ بِسَبَبِ قُيُودٍ وَتَقَالِيدَ وَعَادَاتٍ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ!، فَكُلَّمَا تَعَقَّدَ الْحَلَالُ؛ فَتَحَ الشَّيْطَانُ أَبْوَابَ الْحَرَامِ، وَيَسَّرَ خُطُوَاتِهِ!.

 

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: لَقَدْ لَعِبَ الْإِعْلَامُ بِعُقُولِ شَبَابِنَا وَبَنَاتِنَا، وَصَوَّرَ لَهُمْ أَنْ لَا زَوَاجَ إِلَّا بِحُبٍّ يَسْبِقُهُ!، بَلْ مَا فَتِئَ يُصَوِّرُ فَشَلَ الزَّوَاجِ الَّذِي لَا يُبْنَى عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ! كَيْفَ يَكُونُ الْحَرَامُ مُقَدِّمَةً لِفَضِيلَةٍ! وَكَيْفَ يَكُونُ فِي الْفُجُورِ خَيْرٌ، وَفِي الْمَعْصِيَةِ بَرَكَةٌ!، وَهَا هِيَ أَجْيَالٌ مِنْ أَجْدَادِنَا وَآبَائِنَا عَاشُوا زَوَاجَاتٍ نَاجِحَةً لَا تَعْرِفُ مِثْلَ هَذِهِ التَّفَاهَاتِ وَالسَّفَاهَاتِ، وَاللَّهُ -تَعَالَى- قَدْ جَعَلَ الْمَوَدَّةَ وَالْمَحَبَّةَ ثَمَرَةً لِلزَّوَاجِ لَا سَابِقَةً عَلَيْهِ؛ (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الرُّومِ: 21]؛ "فَهُمَا يَتَوَادَّانِ وَيَتَرَاحَمَانِ، وَمَا شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ رَحِمٍ بَيْنَهُمَا!"(تَفْسِيرُ الْبَغَوِيِّ).

 

لَكِنْ حِينَمَا تَنْتَكِسُ الْفِطَرُ، وَيُصْبِحُ الْبَاطِلُ حَقًّا، وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا؛ يُزَيِّنُ الشَّيْطَانُ لِلنَّاسِ مِثْلَ هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ الْمُحَرَّمَةِ؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَفَاسِدِ وَالْأَضْرَارِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ؛ وَالَّتِي مِنْهَا:

تَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِغَيْرِ اللَّهِ -تَعَالَى-، فَيَصِيرُ الْقَلْبُ مَشْغُولًا بِمَعْشُوقِهِ عَنْ حُبِّ الرَّحْمَنِ وَطَاعَتِهِ، فَمَا أَشَدَّهَا مِنْ خَسَارَةٍ!، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: "لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي الْقَلْبِ حُبُّ الرَّحْمَنِ الْأَعْلَى وَعِشْقُ الصُّوَرِ؛ بَلْ هُمَا ضِدَّانِ لَا يَتَلَاقَيَانِ".

 

وَمِنْهَا: أَنَّ هَذِهِ الصَّدَاقَاتِ مُقَدِّمَةٌ لِوُقُوعِ الْإِنْسَانِ فِي الْعِشْقِ، وَتِلْكَ بَلِيَّةٌ عَظِيمَةٌ؛ إِذْ يَنْشَغِلُ الْقَلْبُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَصِيرُ مَهْمُومًا بِمَنْ يَعْشَقُ، وَرُبَّمَا ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُوبِقَاتِ؛ طَلَبًا لِرِضَا مَحْبُوبِهِ، قَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- حِينَمَا أَتَاهُ رَجُلٌ وَقَالَ لَهُ: إِنِّي وَقَعْتُ فِي عِشْقِ امْرَأَةٍ؛ فَقَالَ عُمَرُ: "لَقَدْ وَقَعْتَ فِي الْمَحْظُورِ، وَعَشِقْتَ مَا لَا تَمْلِكُ".

وَمَا فِي الْأَرْضِ أَشْقَى مِنْ مُحِبٍّ *** وَإِنْ وَجَدَ الْهَوَى حُلْوَ الْمَذَاقِ

تَرَاهُ بَاكِيًا فِي كُلِّ وَقْتٍ *** مَخَافَةَ فُرْقَةٍ أَوْ لِاشْتِيَاقِ

فَيَبْكِي إِنْ نَأَى شَوْقًا إِلَيْهِمْ *** وَيَبْكِي إِنْ دَنَوْا خَوْفَ الْفِرَاقِ

 

قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ -رحمه الله-: "وَهَؤُلَاءِ عُشَّاقُ الصُّوَرِ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ عَذَابًا، وَأَقَلِّهِمْ ثَوَابًا؛ فَإِنَّ الْعَاشِقَ لِصُورَةٍ إِذَا بَقِيَ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقًا بِهَا مُسْتَعْبَدًا لَهَا؛ اجْتَمَعَ لَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا رَبُّ الْعِبَادِ، وَلَوْ سَلِمَ مِنْ فِعْلِ الْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى؛ فَدَوَامُ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِهَا أَشَدُّ ضَرَرًا عَلَيْهِ مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَنْبًا ثُمَّ يَتُوبُ، وَيَزُولُ أَثَرُهُ مِنْ قَلْبِهِ!".

 

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: وَلَا تَقْتَصِرُ آثَارُ هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى الْفَرْدِ نَفْسِهِ؛ بَلْ وَلَهَا آثَارٌ سَيِّئَةٌ عَلَى الْمُجْتَمَعِ كَكُلٍّ؛ فَمِنْ ذَلِكَ:

انْتِشَارُ الْفَوَاحِشِ، فَالْوَاقِعُ يَشْهَدُ أَنَّ الْمُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تَنْتَشِرُ فِيهَا هَذِهِ الْعَلَاقَاتُ، هِيَ مُجْتَمَعَاتٌ تُرَوَّجُ فِيهَا الْفَوَاحِشُ بِصُورَةٍ كَبِيرَةٍ، فَهَذِهِ الْعَلَاقَاتُ الْعَاطِفِيَّةُ هِيَ مُقَدِّمَاتٌ لِلزِّنَا، وَسَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِهِ، قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "لِكُلِّ ابْنِ آدَمَ حَظٌّ مِنَ الزِّنَا؛ فَالْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ، وَالْفَمُ يَزْنِي وَزِنَاهُ الْقُبْلَةُ، وَالْقَلْبُ يُهِمُّ أَوْ يَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَمِنْ آثَارِهَا: عُزُوفُ الشَّبَابِ وَالْفَتَيَاتِ عَنِ الزَّوَاجِ، فَتَجِدُ الشَّابَّ يَتَعَذَّرُ بِاسْتِمْرَارٍ عَنْ عَدَمِ رَغْبَتِهِ فِي الزَّوَاجِ؛ لِأَنَّ قَلْبَهُ مَشْغُولٌ بِفَتَاةٍ، وَتَجِدُ الْفَتَاةَ تَرُدُّ كُلَّ خَاطِبٍ يَقْرَعُ بَابَهَا؛ لِأَنَّ قَلْبَهَا مُتَعَلِّقٌ بِآخَرَ!.

 

وَمِنْ آثَارِهِ: تَمَرُّدُ بَعْضِ الْبَنَاتِ عَلَى أُسَرِهِنَّ، فَمَا كُنَّا نَسْمَعُ عَنْ هُرُوبِ الْفَتَيَاتِ مِنْ مَنَازِلِهِنَّ، لَكِنَّنَا فِي هَذَا الْعَصْرِ نَسْمَعُ أَخْبَارَ تِلْكَ الْقِصَصِ الْمُؤْسِفَةِ، بَنَاتٌ يَهْرُبْنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ؛ فَيَأْوِينَ إِلَى أُولَئِكَ الْعُشَّاقِ!، وَسَبَبُ ذَلِكَ هُوَ هَذَا الْبَلَاءُ الَّذِي يُسَمَّى حُبًّا!، وَهَكَذَا حِينَ تُسَلِّمُ الْفَتَاةُ أَمْرَهَا إِلَى عَاطِفَتِهَا، وَتَلْغِي عَقْلَهَا، تَكُونُ النَّتِيجَةُ فَسَادًا فِي الْقِيَمِ وَالْأَخْلَاقِ؛ (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)[الْحَجِّ: 46].

 

وَمِنْ آثَارِهَا: الْمُشْكِلَاتُ الْأُسَرِيَّةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَكَمْ مِنْ قَضَايَا طَلَاقٍ سَبَبُهَا اكْتِشَافُ الزَّوْجَةِ أَنَّ زَوْجَهَا يُرَاسِلُ فَتَاةً، أَوْ يُكَلِّمُهَا عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، وَرُبَّمَا حَدَثَ الْعَكْسُ، وَهَكَذَا تَنْهَارُ الْأُسْرَةُ حِينَمَا يُشْبِعُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَاطِفَتَهُ خَارِجَ عُشِّ الزَّوْجِيَّةِ، وَلَوْ بِكَلِمَاتِ غَرَامٍ عَابِرَةٍ، سَيَجِدُ أَجْمَلَ مِنْهَا عِنْدَ شَرِيكِهِ بِالْحَلَالِ!.

 

وَمِنْهَا: عَدَمُ اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ؛ بِسَبَبِ الشَّكِّ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْآخَرِ، فَالْحَرَكَاتُ مَرْصُودَةٌ مَحْسُوبَةٌ، حَتَّى إِنَّكَ لَتَجِدُ بَعْضَ الْأَزْوَاجِ كَثِيرَ الْوَسْوَسَةِ، شَدِيدَ الْغَيْرَةِ، يُفَتِّشُ فِي جَوَّالِ زَوْجِهِ بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ؛ لِمَا يَسْمَعُ مِنْ أَخْبَارٍ عَنْ هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ الَّتِي تُزَيِّنُهَا وَسَائِلُ الْإِعْلَامِ، وَتَدْعُو لَهَا جِهَارًا نَهَارًا.

 

أَيُّهَا الْآبَاءُ: قَالَتِ الْعَرَبُ: "يَدَاكَ أَوْكَتَا، وَفُوكَ نَفَخَ!"، فَمَا أَصْدَقَ هَذَا الْمَثَلَ فِي وَاقِعِنَا الْيَوْمَ، كَثِيرٌ مِنَّا يَحْصُدُ مَا زَرَعَ فِي أَخْلَاقِ زَوْجِهِ وَأَبْنَائِهِ؛ حِينَمَا جَلَبْنَا لَهُمْ مَا يُفْسِدُ أَخْلَاقَهُمْ، وَيُحَبِّبُ إِلَيْهِمْ هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ الْمُحَرَّمَةَ، وَيُزَيِّنُهَا إِلَى قُلُوبِهِمْ، وَيُفْسِدُ عُقُولَهُمْ وَأَفْكَارَهُمْ؛ مُسَلْسَلَاتٌ، وَأَفْلَامٌ، وَأَغَانٍ وَبَرَامِجُ تُمَجِّدُ الْحُبَّ وَتُعَظِّمُهُ، وَتَشْرَحُ سُبُلَهُ وَتُقَرِّبُهُ، ثُمَّ نَشْكُو بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَرَةَ هَذِهِ الْقَنَوَاتِ وَبَرَامِجَهَا الْعَفِنَةَ عَلَى أَخْلَاقِ أَوْلَادِنَا!؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التَّحْرِيمِ: 6].

 

عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ أَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ حُبُّ اللَّهِ -تَعَالَى- وَحُبُّ رَسُولِهِ، وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ حُبِّ الْوَالِدَيْنِ، وَحُبِّ الزَّوْجَيْنِ، وَأَنَّ كُلَّ حُبٍّ يُخَالِفُ هَذَا الْحُبَّ وَيُضَادُّهُ فَهُوَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْفُجُورِ، وَأَنَّ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ لَا يُرِيدُونَ لَهُمْ خَيْرًا أَبَدًا، وَإِنَّمَا كَمَا قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى- عَنْهُمْ: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا)[النِّسَاءِ: 27]؛ "يُرِيدُونَ أَنْ يَصْرِفُوكُمْ عَنْ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ إِلَى طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، وَعَنِ الْتِزَامِ حُدُودٍ مِنَ السَّعَادَةِ، كُلُّهَا فِي امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَإِلَى مَنِ الشَّقَاوَةُ كُلُّهَا فِي اتِّبَاعِهِ، فَإِذَا عَرَفْتُمْ أَنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- يَأْمُرُكُمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُكُمْ وَفَلَاحُكُمْ وَسَعَادَتُكُمْ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَّبِعِينَ لِشَهَوَاتِهِمْ يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا فِيهِ غَايَةُ الْخَسَارِ وَالشَّقَاءِ؛ فَاخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَوْلَى الدَّاعِيَيْنِ، وَتَخَيَّرُوا أَحْسَنَ الطَّرِيقَتَيْنِ"(تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ).

 

صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

المرفقات

العلاقات والتعرف قبل الزواج وأخطاره.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات