العدد الذي تصح به الجمعة

عصام خضر - عضو الفريق العلمي

2021-04-26 - 1442/09/14
التصنيفات: أحكام الخطبة
الكتابة
26

اقتباس

والذي يظهر والله -تعالى- أعلم بعد النظر في أدلة كل فريق، أن القول الراجح هو قول من قال أن الجمعة تنعقد بثلاثة رجال فإذا وجد ثلاثة رجال ممن تجب عليهم الجمعة صحت إقامة صلاة الجمعة في المكان الذي يقيمون به. وذلك لقوة أدلته؛ ولأن...

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آلة وصحبه أجمعين وبعد..

 

لاشك أن إقامة الجمعة في جماعة لها شروط لصحتها على خلاف بين أهل العلم في صفة وضبط هذه الشروط، وهذه الشروط:

الوقت: فلا تصح صلاة الجمعة إلا في وقتها، فلا تصح قبل الوقت ولا بعده.

 

والعدد: واشترطوا في العدد الذي تصح به الجمعة أن يكون من كل:

مسلم: فلا تصح من كافر.

 

ذكر: فلا تجب على امرأة حتى لو اكتمل العدد بها، ولا يكمل بها العدد المشروط، وتصح منها وتجزئها عن صلاة الظهر، ولا تصح منهن إذا انفردن بصلاة الجمعة واكتمل بهن العدد المشروط.

 

بالغ: فلا تجب على الصبي وإن كان مميزًا، ويُؤمَر بها لسبع، ويُضرب عليها لعشر، ويُعوّد عليها، وتصح منه، ولا يكمل به العدد المشروط.

 

عاقل: فلا تصح من مجنون.

 

مقيم: فالمسافر لا تلزمه صلاة الجمعة، إلا إذا مرَّ في سفره ببلد تقام فيه الجمعة، ودخل فيه ليقيل، ويستمر في سيره بعد الظهر فإنها تلزمه الجمعة، ويكمل به العدد المشروط، ويصح أن يكون إمامًا وخطيبًا في الجمعة، على الصحيح من أقوال اهل العلم.

 

صحيح البدن لا يلحقه بحضور الجمعة ضرر: فلا تجب على المريض وتصح به، ويكمل به العدد المشروط.

 

حر: فلا تصح من العبد لأنه لا تلزمه الجمعة، إلا إذا أذن له سيده على قول بعض أهل العلم. فإن أذن له سيده فتلزمه الجمعة وتنعقد به أي: يكمل به العدد، ويصح أن يكون إماماً فيها.

 

ولا يشترط لصحة الجمعة صلاتها في المسجد، فإذا توفرت شروط إقامة الجمعة فيجب إقامتها، وقد ذهب جمهور الأئمة وغيرهم إلى جواز أداءِ الجُمُعةِ في أيّ مكان، ولم يشترطوا لإقامتها أن تكون في المسجد، واختاره الشوكاني([1]) وإليه ذهب ابن رشد المالكي([2]) وهو الراجح؛ لأنه لم يرد ما يدل على اشتراط المسجد لصلاة الجمعة.

قال ابن قدامة: "ولنا: أنها صلاة شُرع لها الاجتماع والخطبة، فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد"([3])، وذهب المالكية إلى أن المسجد شرط لصحة الجمعة.

 

لكن لا يجوز أداؤها في البيوت ونحوها ولو جماعة بدون عذر، ويجوز أداء صلاة الجمعة في البيوت في زمان الأوبئة العامة لأمن العدوى إذا تحققت باقي الشروط، والقول بعدم وجوبها لمن ذهب إلى ذلك، لا ينافي صحتها لمن صلاها، قال الشافعي -رحمه الله-: "ومن قلت لا جمعة عليه من الأحرار للعذر بالحبس، أو غيره، ومن النساء، وغير البالغين، والمماليك، فإذا شهد الجمعة صلاها ركعتين، وإذا أدرك منها ركعة أضاف إليها أخرى، وأجزأته عن الجمعة. قال رحمه الله: وإنما قيل لا جمعة عليهم-والله تعالى أعلم- لا يحرجون بتركها"([4]).

قال ابن قدامة -رحمه الله- على من لم تجب عليه الجمعة: "وإن حضروها أجزأتهم، يعني تجزئهم الجمعة عن الظهر، ولا نعلم في هذا خلافًا"؛ قال ابن المنذر "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لا جمعة على النساء، وأجمعوا على أنهن إذا حضرن فصلين الجمعة أن ذلك يجزي عنهن؛ لأن إسقاط الجمعة للتخفيف عنهن، فإذا تحملوا المشقة وصلوا، أجزأهم، كالمريض"([5]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وكما لا تجب الجمعة على المريض والمسافر والعبد، وإن جاز له فعلها"([6]).

 

 

ولا خلاف بين العلماء في أن الجماعة شرط من شروط صحة الجمعة، لحديث طارق بن شهاب أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض"([7]).

 

ولم يثبت دليل شرعي على اشتراط عدد معين في صحتها، فيكفي لصحتها إقامتها بثلاثة فأكثر على الراجح من أقوال أهل العلم، ولا يجوز لمن وجبت عليه أن يصلي مكانها ظهرًا من أجل نقص العدد عن أربعين على الصحيح من أقوال العلماء.

 

وقد اختلف أهل العلم في العدد الذي تصح به صلاة الجمعة ولا تصح بدونه، إلى خمسة عشر مذهبًا ذكرها الحافظ في الفتح([8])، أشهرها خمسة أقوال، وأقواها قولان نذكرها على النحو التالي:

القول الأول: أن صلاة الجمعة تصح باثنين سوى الإمام، وهو رواية عن أحمد([9])، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقالت به طائفة من السلف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، -رحمه الله: "تنعقد الجمعة بثلاثة: واحد يخطب، واثنان يستمعان، وهو إحدى الروايات عن أحمد، وقول طائفة من العلماء" .([10])واختاره ابن باز، قال-رحمه الله-:"وأصح الأقوال في هذه المسألة قول من قال: تنعقد بثلاثة؛ لوجوه: منها:

أن الأصل وجوب إقامة الجمعة على أهل القرى والأمصار؛ فلا يجوز لهم تركها إلا بحجة، ولا حجة في تركها لمن بلغ هذا العدد.

 

ومنها: أن الثلاثة هي أقل الجمع في اللغة العربية، وإطلاق الجمع على الاثنين خلاف الأغلب المشهور في اللغة؛ فحمل الأدلة الشرعية على ما هو الأغلب أولى وأحوط في الدين.

 

ومنها: أن بقية الأقوال لا حجة عليها واضحة توجب الأخذ بها، والتعويل عليها؛ فوجب العدول عنها، والأخذ بالقول الذي يجمع الأدلة، ويبرئ الذمة، وتحصل به الحيطة لطالب الحق، ولو كان العدد الذي فوق الثلاثة شرطًا في إقامة الجمعة لنبه عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأرشد إليه الأمة، فلما لم يوجد شيء من ذلك دل ذلك على أنه ليس بشرط لإقامتها، أما الثلاثة فلا حاجة إلى التنبيه على وجوب إقامتها عليهم؛ لأنهم أقل الجمع، وقد دل النص والإجماع على أنها لا تقام إلا في جماعة، والثلاثة أقل الجماعة كما تقدم"([11]).

 

وقال ابن عثيمين، -رحمه الله-: ما ذهب إليه شيخ الإسلام أصح؛ إذ لا بد من جماعة تستمع، وأقلها اثنان، والخطيب هو الثالث، وحديث أبي الدرداء يؤيد ما قاله الشيخ"([12]). وقال أيضا: "أقرب الأقوال إلى الصواب: أنها تنعقد بثلاثة، وتجب عليهم"([13]).

 

وأستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:

قول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)([14]).

ووجه الدلالة:

أن صيغة الجمع في قوله (فَاسْعَوْا) يدخل فيها الثلاثة، فيكون الثلاثة مأمورون بالسعي إلى صلاة الجمعة وهذا يدل على أنها تنعقد بهم. وإنما قلنا ثلاثة ولم نقل اثنين حتى يتقدم الإمام عليهما، وفي الجماعة معنى الاجتماع، وذلك لا يتحقق إلا باثنين من الحضور على الأقل([15]).

 

ومن الأدلة ما جاء عن أبي الدرداء -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه يقول: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية "([16]).

ووجه الدلالة:

أن الصلاة عامة تشمل الجمعة وغيرها، فإذا كانوا ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الصلاة، فإن الشيطان قد استحوذ عليهم، وهذا يدل على وجوب صلاة الجمعة على الثلاثة، ولا يمكن أن نقول: تجب على الثلاثة، ثم نقول: لا تصح من الثلاثة؛ لأن إيجابها عليهم ثم قولنا: إنها غير صحيحة تضاد، معناه: أمرناهم بشيء باطل، والأمر بالشيء الباطل حرام([17]).

 

ومن الأدلة ما جاء عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم, وأحقهم بالإمامة أقرؤهم"([18]).

ووجه الدلالة:

أن أمره صلى الله عليه وسلم بالإمامة إذا كانوا ثلاثة عام في إمامة الصلوات كلها؛ الجمعة والجماعة، ولأن الأصل وجوب الجمعة على الجماعة المقيمين، وهؤلاء جماعة تجب عليهم الجمعة ولا دليل على إسقاطها عنهم أصلا([19]).

 

القول الثاني: تنعقد باثنين فما فوق، وهو مذهب الشوكاني ومذهب الظاهرية، قال ابن حزم :عن إبراهيم النخعي: "إذا كان واحد مع الإمام صليا الجمعة بخطبة ركعتين، وهو قول الحسن بن حي, وأبي سليمان, وجميع أصحابنا, وبه نقول([20]). قال رحمه الله: "وأما حجتنا فهي ما قد ذكرناه قبل من حديث مالك بن الحويرث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له: "إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما"([21])، فجعل عليه السلام للاثنين حكم الجماعة في الصلاة"([22]).

 

وقال النووي -رحمه الله-: "قال الحسن بن صالح، وداود: تنعقد باثنين، أحدهما الإمام، وهو معنى ما حكاه ابن المنذر عن مكحول"([23]) واختاره الطبري ([24])، والشوكاني، قال رحمه الله: "وأما من قال: إنها تصح باثنين فاستدل بأن العدد واجب بالحديث والإجماع، ورأى أنه لم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص، وقد صحت الجماعة في سائر الصلوات باثنين، ولا فرق بينها وبين الجماعة، ولم يأت نص من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا، وهذا القول هو الراجح عندي"([25]).

 

وأستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:

قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)([26]).

ووجه الدلالة:

أنه لا يجوز أن يخرج عن هذا الأمر وعن هذا الحكم أحد إلا من جاء نص جلي، أو إجماع متيقن على خروجه عنه, وليس ذلك إلا الفذ وحده([27]).

 

ومن الأدلة أيضًا ما جاء عن مالك بن الحويرث -رضي الله عنه-، قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- أنا وصاحب لي، فلما أردنا الإقفال من عنده، قال لنا: "إذا حضرت الصلاة، فأذنا، ثم أقيما، وليؤمكما أكبركما"([28]).

ووجه الدلالة:

أنه -صلى الله عليه وسلم- جعل للاثنين حكم الجماعة في الصلاة([29]). قالوا: أن الجمعة تجب على اثنين فما فوق؛ لأن الاثنين جماعة فيحصل الاجتماع، ومن المعلوم أن صلاة الجماعة في غير الجمعة تنعقد باثنين بالاتفاق، والجمعة كسائر الصلوات، فمن ادعى خروجها عن بقية الصلوات، وأن جماعتها لابد فيها من ثلاثة فعليه الدليل.

 

وقال ابن عثيمين -رحمه الله-: "وهو قول قوي، لكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أصح؛ إذ لا بد من جماعة تستمع، وأقلها اثنان، والخطيب هو الثالث، وحديث أبي الدرداء يؤيد ما قاله الشيخ"([30]).

 

والذي يظهر والله -تعالى- أعلم بعد النظر في أدلة كل فريق، أن القول الراجح هو قول من قال أن الجمعة تنعقد بثلاثة رجال فإذا وجد ثلاثة رجال ممن تجب عليهم الجمعة صحت إقامة صلاة الجمعة في المكان الذي يقيمون به. وذلك لقوة أدلته؛ ولأن هذا العدد أقل الجمع الذي يمكن أن يحصل به اجتماع، خاصة حينما يتقدم الإمام للخطبة والصلاة فيكون خلفه اثنان وبالتالي تكتمل الجماعة ويحصل الاجتماع، ويليه في القوة من ذهب إلى أنها تنعقد باثنين فما فوق لتشابه الأدلة.

 

واختلف العلماء في اشتراط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة، وذلك على قولين:

القول الأول: يشترط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة وهو قول المالكية([31])، والشافعية([32])، والحنابلة([33]).

 

واستدلوا بأدلة منها:

ما رواه مالك بن الحويرث -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"([34]).

ووجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالصلاة كما صلى، ولم يخطب وحده، وإنما خطب بحضرة العدد الذين تنعقد بهم الجمعة([35]).

 

وبالنظر في دلالة هذا الدليل، نرى أنه لا ينهض على القول بالوجوب، لأنه استدلال بالفعل، والاستدلال بالفعل فقط لا يدل على الوجوب.

 

وعلى فرض أنه يدل على الوجوب فلا يقتضي أن يكون شرطًا في اكتمال العدد الذي تصح به الجمعة، وإنما يتحقق بحضور عدد يستمع الخطبة، لأن الغرض من خطبة الجمعة الوعظ والتذكير، وذلك ينافي كون الخطيب وحده.

 

قالوا: أن الخطبة ذكر جُعل شرطًا في صحة الجمعة وانعقادها، فوجب أن يكون من شرطه اجتماع العدد، كتكبيرة الإحرام([36]).

 

وبالنظر كذلك في هذا الاستدلال نرى أن اعتبار الخطبة شرطًا في صحة الجمعة محل خلاف بين الفقهاء، فمنهم من لا يعتبرها شرطًا، فلا يلزمه هذا الدليل.

 

الثاني: أنه قياس مع الفارق، فإن تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة، وقد ثبت اشتراط العدد فيها -أي الصلاة- بأدلة خاصة، بخلاف الخطبة فليست جزءًا من الصلاة، والله أعلم.

 

القول الثاني: لا يشترط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة، قال ابن قدامة: وقال أبو حنيفة في رواية: عنه لا يشترط العدد فيهما لأنه ذكر يتقدم الصلاة فلم يشترط له العدد كالأذان ([37]).

 

وبالنظر إلى ما استدل به أصحاب هذا القول نجد أنه قياس مع الفارق؛ لأن الأذان ليس بشرط، وإنما مقصوده الإعلام، والإعلام للغائبين، والخطبة مقصودها التذكير والموعظة، وذلك يكون للحاضرين، كما أنها مشتقة من الخطاب، والخطاب إنما يكون للحاضرين([38]).

 

وهل يجب أن يكون الحضور لجميع الخطبة، أو يكفي حضور بعضها، فلو انفضوا أو بعضهم في أثنائها لم تصح؟ وذلك على قولين:

القول الأول: يشترط حضور القدر الواجب منها، فإن انفضوا في أثنائها، لم يعتد بالركن المفعول حال غيبتهم،  وإلى هذا ذهب الشافعية([39])، والحنابلة([40]).

 

القول الثاني: يشترط حضور جميع الخطبة، وهو الظاهر من قول المالكية؛ حيث أطلقوا القول باشتراط حضور العدد، الذي تنعقد به الجمعة للخطبة([41]).

 

وبالنظر في الأدلة التي استدل بها كلا الفريقين نرى أنها لا تنهض للدلالة على صحة قول كل منهم، ولعل أصحاب القول الأول يستدلون بأن القدر الواجب من الخطبة -شروطها وأركانها- هي التي لا تصح إلا بها، فلو أخلّ الخطيب بشيء منها لم تصح، فيكون استماع العدد الذي تنعقد به الجمعة إليها واجبًا؛ ليتحقق المقصود من هذا الواجب، وهو الاستماع للتذكر والاتعاظ.

 

والذي يظهر -والله تعالى أعلم- هو أنه يجب أن يحضر القدر الواجب من أركان الخطبة، جماعة، يتحقق بهم مقصودها من الوعظ والتذكير، لكن لا يجب اكتمال العدد الذي تصح به صلاة الجمعة، -لمن يشترط عددًا أكثر من ثلاثة-، واكتمال العدد في القدر الواجب من أركان الجمعة لمن قال انها تنعقد باثنين سوى الإمام أو باثنين فقط شرط في صحة الجمعة لأن هذا أقل عدد يطلق على الجماعة.

 

أما صلاة الجمعة، فقال ابن عثيمين –رحمه الله-: "إن نقصوا بعد أن أتموا الركعة الأولى أتموا جمعة، وإن نقصوا في الركعة الأولى استأنفوا ظهراً ما لم يمكن إعادتها جمعة، وهذا اختيار الموفق رحمه الله، وهذا القول هو الراجح"([42]).  

 

ومن وجبت في حقه الجمعة ثم تخلف عنها بغير عذر شرعي فعقوبته ما ورد في حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أُحرِّق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم"([43])، ولحديث أبي هريرة وابن عمر -رضي الله عنهم- أنهما سمعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لينتهينَّ أقوام عن ودعهم الجُمعات أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين"([44])؛ ولحديث أبي الجعد الضمري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من ترك ثلاث جُمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه"([45]).

 

فأمر الجمعة خطير، وليس بالأمر الهين، وفيه وعيد شديد، فعلى المسلم أن يحذر من أن يحصل منه التساهل والتهاون في ذلك؛ حتى لا يحصل له هذا الأمر الذي توعد به على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

وإن امتنعت قرية أو طائفة عن أداء الجمعة فعلى ولي الأمر قتالهم دون قتل الواحد المقدور عليه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله. فلو قالوا: نصلي ولا نزكي، أو: نصلي الخمس ولا نصلي الجمعة ولا الجماعة، أو: نقوم بمباني الإسلام الخمس ولا نحرم دماء المسلمين وأموالهم، أو: لا نترك الربا ولا الخمر ولا الميسر، أو: نتبع القرآن ولا نتبع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

ولا نعمل بالأحاديث الثابتة عنه، أو: نعتقد أن اليهود والنصارى خير من جمهور المسلمين وأن أهل القبلة قد كفروا بالله ورسوله ولم يبق منهم مؤمن إلا طائفة قليلة، أو قالوا: إنا لا نجاهد الكفار مع المسلمين، أو غير ذلك من الأمور المخالفة لشريعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسنته وما عليه جماعة المسلمين؛ فإنه يجب جهاد هذه الطوائف جميعها؛ كما جاهد المسلمون مانعي الزكاة، وجاهدوا الخوارج وأصنافهم، وجاهدوا الخرمية والقرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف أهل الأهواء والبدع الخارجين عن شريعة الإسلام"([46]).

 

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

([1]) انظر: السيل الجرار (1/182).

(([2] انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (1/135).

(([3] المغني (2/181).

(([4] الأم (1/218).

(([5] المغني (2/195).

(([6] مجموع الفتاوى (23/166).

([7]) سنن أبي داود وقال الألباني: صحيح (1/412) رقم: (1069).

([8]) فتح الباري (2/423).

([9]) المغني لابن قدامة (2/171).

( ([10]الفتاوى الكبرى (5/354).

([11]) مجموع فتاوى ابن باز (30/332، 333).

([12]) عن أبي الدرداء-رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه يقول: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية ". رواه أبوداود وقال الألباني: حسن (1/205) رقم: (547).

([13]) الشرح الممتع (5/41).

([14]) الجمعة: 9.

([15]) انظر: المغني لابن قدامة (2/171)، ومجلة جامعة أم القرى (8/446).

( ([16]رواه أبوداود وقال الألباني: حسن (1/205) رقم: (547).

(([17] الشرح الممتع لابن عثيمين (5/40.(

([18]) رواه مسلم (2/133) رقم: (1561).

([19]) انظر: مجلة البحوث الإسلامية (35/317(، وانظر: المغني (3/268).

( ([20]المحلى (5/46).

([21]) رواه الترمذي وقال الألباني: صحيح (1/399) رقم: (205).

([22]) المحلى (5/48).

(([23] المجموع (4/504).

([24]) بداية المجتهد لابن رشد (1/134).

([25]) نيل الأوطار (3/283).

(([26] الجمعة: 9.

([27]) المحلى لابن حزم (3/251).

(([28] صحيح مسلم (2/134) رقم: (1570).

([29]) انظر: المحلى لابن حزم (5/48).

([30]) انظر: الشرح الممتع (5/40، 41).

([31]) انظر: مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل (5/199).

([32]) انظر: مغني المحتاج للشربيني (1/283).

([33]) انظر: االمغني (2/171).

([34]) صحيح ابن حبان وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري (4/541) رقم: (1658).

([35]) انظر: مواهب الجليل (5/199).

(([36] انظر: المغني (2/171).

([37]) المغني (2/171).

([38]) المرجع السابق.

(([39] انظر: مغني المحتاج (1/283).

(([40] انظر: المغني (2/171)، والروض المربع (1/293).

(([41] انظر: مواهب الجليل (5/199).

([42] ) انظر: الشرح الممتع (5/47).

(([43] صحيح مسلم (2/123) رقم: (1517).

(([44] صحيح مسلم (3/10) رقم: (2039).

(([45] سنن أبي داود، وقال الألباني: حسن صحيح (1/407) رقم: (1054). وتهاونا بها أي: كسلاً واستهتارا بها. وطبعَ الله على قلبه أي: ختم عليه وغشاه ومنعه ألطافه وجعل فيه الجهل والجفاء والقسوة أو صير قلبه قلب منافق.

([46]) مجموع الفتاوى (28/468).

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات