العج في فضل الحج

خالد بن علي أبا الخيل

2013-10-09 - 1434/12/04
التصنيفات: التربية الحج
عناصر الخطبة
1/أهمية الحج وحكم من تركه 2/فضائل الحج ومنافعه في الدنيا والآخرة 3/المسارعة في أداء فريضة الحج 4/شروط صحة الحج والعمرة 5/حكم منع الزوج زوجته من الحج 6/أصناف المتقاعسين عن أداء فريضة الحج

اقتباس

عباد الله: حديثنا في هذه اللحظات والدقائق المعدودات، ونحن في أيام فاضلة، وشهور عظيمة، متنقلين من فريضة إلى فريضة، وليال حميدة إلى أيام سعيدة، نتقلب في ربوعها، وزهرة ثمراتها، وجمال أوقاتها، فبعد رمضان الحج في الميدان أشهر معلومات، فيحصل الحديث عن هذه الفريضة، والعبادة الفضيلة، فهي عباد العمر، وزهرة الدهر، وجمال الضوء والبدر، فلنا معها ثلاث عناصر، فاعقدوا عليها الأصابع والخناصر: فرضها، و...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي جعل الحج أحد أركان الإسلام، أحمده سبحانه على ما أولاه وأعطاه من الإنعام، وأشهد أن لا إله إلا الله فرض الحج مرة في العمر على الأنام.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من حج واعتمر، وصلى خلف المقام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم المقام.

 

أما بعد:

 

فاتقوا الملك العلام، القدوس السلام، تفوزا بدار السلام، ومجاورة سيد الأنام.

 

عباد الله: حديثنا في هذه اللحظات والدقائق المعدودات، ونحن في أيام فاضلة، وشهور عظيمة، متنقلين من فريضة إلى فريضة، وليال حميدة إلى أيام سعيدة، نتقلب في ربوعها، وزهرة ثمراتها، وجمال أوقاتها، فبعد رمضان الحج في الميدان أشهر معلومات، فيحصل الحديث عن هذه الفريضة، والعبادة الفضيلة، فهي عباد العمر، وزهرة الدهر، وجمال الضوء والبدر، فلنا معها ثلاث عناصر، فاعقدوا عليها الأصابع والخناصر: فرضها، وفضلها، وثالثها شروطها.

 

والحج فريضة، ومعلم من معالم الإسلام، وأحد مبانيه العظام، وشعائره الجسام، قال المولى الملك العلام: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)[آل عمران: 97].

 

وقال ذو الجلال والإكرام: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)[الحج: 27].

 

وفي الحديث المشهور: "بني الإسلام على خمس..." ومنها: "وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا" [متفق عليه من حديث أبي هريرة].

 

وفي حديث الخثعمية: "إن فريضة الحج أدركت أبي شيخا كبيرا" [متفق على صحته].

 

وفي صحيح مسلم: -أيها الأخ المكرم-: "يا أيها الناس: إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا".

 

هذا فرضك، ومحله من الدين من جحد وجوبه فهو كافر بالله رب العالمين، ومن تركه تكاسلا وتهاونا فهو على خطر كبير، وذنب عظيم، ولا يجب إلا في العمر مرة، فهو فريضة العمر، وهذا من فضل الله -سبحانه- وكرمه وجوده وإحسانه؛ لما في مسلم لما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا" فقام رجل، وقال: يا رسول الله أكل عام؟ فسكت عليه الصلاة والسلام، فكرر الرجل السؤال ثلاث، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا، ولو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم".

 

وأما فضائله، فاسمع إليها علها تكون حافزة بالخير حائزة، وفي الدار الآخرة جائزة، علها تطرد الكسل والوهن، والتسويف والأسن، وعليها تكون رافعة للهمة، ومؤدية للحج والعمرة؛ فمن ذلك -أيها الأخ المبارك-: أنه أفضل الأعمال، وأحسن الخصال؛ ففي الحديث من حديث أبي هريرة سئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "جهاد في سبيل الله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور".

 

ومنها: أنه يطهر المرء من الذنوب، فيرجع كأنه بالتو مولود؛ ففي الصحيح عن أبي هريرة: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".

 

فاشترط في القبول شرطين: عدم الفسق، وهو المعاصي، قولا وفعلا، والرفث: الجماع ودواعيه.

 

وثالثها: أنه نوع من الجهاد في سبيل الله، لما فيه من المشقة والتحمل، وبذل الجهد والطاقة؛ فعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: "لا، لكن أفضل الجهاد وأجمله، حج مبرور".

 

والرابع من الفضائل والمنافع: أن منازله وجزاءه أعلى الغرف والمنازل؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".

 

وخامسا: أنه يهدم ما كان قبله من الذنوب، فعند مسلم قوله لعبد الله بن عمرو بن العاص: "أما علمت أن الحج يهدم ما كان قبله".

 

والمبرور -أيها الأخ المسرور- ما كان فيه إخلاص لله، فلا رياء ولا مدح، ونفقته من حلال، صوابا على سنة رسول الله، وبعيدا صاحبه من المعاصي والآثام، يصحب ذلك حسن الخلق، ولين الجانب، والتواضع والصبر، والبذل والخدمة.

 

والسادس من الفضائل وجميل الخير والفواضل: أنه سبب لفتح الأرزاق، وكثرة الخيرات، ونماء المال، فعند أحمد والترمذي بسند صحيح عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة".

 

والسابع: ما أودعه الله من الحكم والمنافع؛ كما قال سبحانه: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)[الحج: 27].

 

المنافع شاملة للدنيا والآخرة، دينية وأخروية، حسية ومعنوية.

 

وثامنا: أن فيه يوم أكثر ما يعتق الله فيه من النار في ذلك اليوم، وهو يوم عرفة؛ فعن عائشة مرفوعا عند مسلم: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله عبيدا من النار يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ماذا أراد هؤلاء؟".

 

هذا الحديث كفى به شرفا وفضلا، والمولى يباهي بأهل الموقف أهل السماء.

 

هذا، وفي الحج فضائل متعددة، وأجور متفاوتة، وحسنات متدفقة؛ كفضل الصلاة عن مائة ألف صلاة، وفضل الطواف، وتقبيل ومسح الحجر الأسود، ومسح الركن اليماني، وفضل النفقة فيه، وفضل التلبية، وفضل العج والثج.

 

أبعد سماع هذه الفضائل يتقاعس المسلم ويتكاسل؟ فأين الهمة العالية إلى المنازل السامية؟

 

هنيئا لمن أكرمه الله، وهنيئا لمن بادر وسارع فغفر الله ذنبه، وستر عيبه، وتجاوز عنه، وقبل منه، فعاد كيوم ولدته أمه، ورفع منزلتهن وأعلى درجته، فهي شعيرة محدودة في أيام معدودة، يعود منها الحاج وقد تطهر وتزكى وتهذب، وتربى وتنزه، وتنقى وتذكر واهتدى، فطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن أعانه الله وتقبل منه المولى، فحج واعتمر، وطاف وسعى.

 

قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على توالي نعمه، أحمده وأشكره على مننه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من عبد الله ووحده، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن استقام على أمره.

 

أما بعد:

 

فاتقوا الله -سبحانه-، وصلوا وسلموا على أفضل رسله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه.

 

إخوة الإيمان: وأما العنصر الثالث، فمعشر الحاج: فاسمعوا ما يلقى إليكم، وأعيروني أسماعكم، وهي خمسة مشتركة بين الرجل والمرأة.

 

الحج والعمرة واجبان ***في العمر مرة بلا تواني

بشرط إسلام كذا حرية *** عقل بلوغ قدرة جلية

 

وهي على النحو التالي:

 

الإسلام: قال سبحانه: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)[التوبة: 28].

 

فالكافر والمشرك لا يقبل منه الحج، فلا يصح ممن يعبد غير الله، ويسأل غير الله، ويخاف غير الله، ويرجو غير الله، ويتوكل على غير الله، أو يذبح أو ينذر، ويستغيث بغير الله، ويدعو المقبورين، ويستغيث بالجن، والغائبين والشياطين.

 

وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا: "لا يحج بعد العام مشرك".

 

فمن لم يصل أبدا، وقد ترك الصلاة عامدا متعمدا لا يصح منه حج بيت الله الحرام، حتى يستقيم على الإسلام.

 

وثانيا: العقل: ففاقد العقل لا حج له، وقد رفع عنه القلم عن ثلاثة: "وعن المجنون حتى يفيق".

 

والثالث: والبلوغ: فلا يجزأ الحج من الصبي، حتى يبلغ، فإذا بلغ وجب عليه الحج، وإن حج وهو صغير فحجه صحيح، وله أجر.

 

ومن المسائل المهمة: معرفة علامات البلوغ، فاستمعوا خصوصا -أيها الآباء والأمهات-: إليها:

 

الأولى: خروج المني باحتلام، أو غيره، يقظة أو مناما.

 

والثانية: نبات شعر العانة.

 

والثالثة: تمام خمسة عشر سنة.

 

وتزيد المرأة علامة رابعة، وهي: وجود الحيض.

 

فمتى وجد أحد هذه العلامات كلف صاحبها، ولا يشترط اجتماعها.

 

وما يظنه العامة: أن العلامة الفارقة، هي بلوغ خمسة عشر سنة، فهذا ظن خاطئ.

 

إذ قد يبلغ وهو ابن عشر سنين، أو أكثر، بنزول المني، أو نبات شعر العانة، وكذا الأنثى قد تبلغ بالمني، أو نبات شعر العانة، أو وجود الحيض، وعمرها تسع، أو عشر، أو نحو ذلك.

 

فلهذا لزم على الآباء والأمهات إيصال هذه المعلومات إلى البنين والبنات، فالمسألة -أيها الأخ الشريف- مسألة فرض وتكليف.

 

والرابع من الشروط: كمال الحرية.

 

والخامس من الضوابط: الاستطاعة والقدرة، وهي التمكن من الوصول إلى البيت الحرام من غير مشقة.

 

ومن ذلك أمن الطريق، وصحة البدن، ووجود المال، والركوب على الراحلة، وحصول الزاد.

 

والحج مفترض عليك وشرطه *** أمن الطريق وصحة الأبدان

 

(وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)[آل عمران: 97].

 

تزيد المرأة شرطا سادسا، وهو: وجود محرم يذهب معها.

 

والمحرم شرطه: أن يكون ذكرا مسلما بالغا عاقلا، يدفع الضرر عن محرمه، ومن معه؛ لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذي محرم" فقال رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ فقال رسول الله: "انطلق فحج مع امرأتك".

 

ويلاحظ أن الرسول لم يستفصل معها نساء أم لا؟ هل هي شابة أم كبيرة؟ هل السفر طويل أم قصير؟

 

كل ذلك مما هو داخل في الحديث، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم : 64].

 

ولا يجوز للمرأة أن تسافر مع ذي محرم طال السفر أم قصر، مع نساء أم لا.

 

ومما يلاحظ وجود حملات وحافلات متخصصة للنساء بدون محرم، أو الحاج بالخادمة دون ضرورة وليس معها محرم.

 

وهذا رأي الجمهور والعالمين المعاصرين: ابن باز وابن عثيمين -عليهم رحمة رب العالمين-.

 

ولا يجوز للزوج منع زوجته من أداء فرضها إذا اكتملت فيها الشروط، فكما لا يمنعها من الصلاة والصيام، فكذا حج بيت الله الحرام.

 

فبعض الرجال لا يعينها ولا يسهل، ولا هو يذهب ويحج بها.

 

وإذا توفرت الشروط في حق الجميع وجب الحج على الفور والمبادرة والمسارعة قبل اقتراب المنية: "تعجلوا الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له".

 

فبعض الناس قد توفرت فيه الشروط، فيسوف ويمني ويواعد، ويلغي ويتقاعس، ويتكاسل عن أداء فرضه وإبراء ذمته.

 

وهذا على خطر عظيم يوشك أن يموت، أو أن يمرض ويفوت، ولم يطع الحي الذي لا يموت.

 

فاليوم يستطيع، غنيٌ آمنٌ، في رغد ورخاء، لكن قد تتبدل الحال، وتتغير الأحوال!!.

 

وبعض الناس يؤخر الحج: بحجة الزحام والضيق، وأنه لا يتحمل، ولعل السنة القادمة أخف وأسهل.

 

ومنهم: من يقدم الرحلات، والذهاب للمنتزهات، أو يقدم للسفر هنا أو هناك يغتنم أيام الإجازة.

 

وكذا من الناس -أيها الناس-: من يتعذر بقلة النفقة، وأن دخله محدود.

 

وهذا إن كان لا يستطيع فهو معذور، لكن إذا نظرت الكماليات في منزله، وكأنه لا حقيقة لعذره، فإنه يسرف على نفسه أضعاف أضعاف ما يلزم في حجته، فهل استقطع من راتبه أو دخله طوال سنته مبلغا ليؤدي به فرضه؟

 

ومن الناس -أيها الناس-: من لا يحجج أولاده من بنين وبنات، ولديه قدرة على ذلك ببدنه أو ماله، ويقول: الولد يكبر ويحج، والبنت يحج بها زوجها!.

 

وما علم الأب المكرم أنه إذا ساعدهم وأعانهم، وسهل طريقهم، ومهد سبيلهم، وأنفق عليهم أنه يثاب ويؤجر.

 

والمرأة التي رفعت صبيا، وقالت: ألهذا حج يا رسول الله؟ فقال: "نعم ولك أجر".

 

فهذا صبي فكيف بمن كان فرضه، والنفقة مخلوفة؟! (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ)[سبأ: 39].

 

والمرأة -أيها الإخوة-: يطرأ عليها ما يطرأ من حمل ورضاعة وولادة وأولاد، ولقد يكون عندها زوج لا يعينها على أداء فرضها، فهي امرأة مسكينة ضعيفة.

 

فبادروا -رحمكم الله-، وسارعوا بإعانة أبنائكم وبناتكم وزوجاتكم لأداء هذه الفريضة العظيمة.

 

وبعض الآباء يقف حجر عثرة في طريق أبناءه وبناته، فلا هو حججهم وأعانهم، ولا هو تركهم يذهبون، بل يأمرهم بالجلوس، ويسوفهم ويثبطهم؛ فلا أقل من التشجيع بالكلمة الطيبة -أيها الأب المشفق الحنون-.

 

هذا، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته...

 

 

 

المرفقات

في فضل الحج

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات