العبرة بالخواتيم - زكاة الفطر- سنن العيد

صغير بن محمد الصغير

2026-03-13 - 1447/09/24 2026-03-10 - 1447/09/21
التصنيفات: رمضان الصوم
التصنيفات الفرعية: الفطر
عناصر الخطبة
1/الحث على اغتنام العشر الأواخر 2/شكر الله على إعانته وتوفيقه 3/التحذير من العجب والغرور 4/أحكام زكاة الفطر وآدابها 5/سنن وآداب يوم العيد 6/حكم صلاة العيد

اقتباس

لقد أنعم الله علينا بأن بلّغنا هذا الشهر وأعاننا على صيامه وقيامه، فلنكمل النعمة بالشكر، فإن الشكر سببٌ للزيادة... لنحذر من الاغترار بالعمل، فالله هو المُوفِّق، ولنكن مُسارعين في الخيرات؛ يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "الْعَارِفُ لَا يَرْضَى بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ لِرَبِّهِ، وَلَا يَرْضَى نَفْسَهُ لِلَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ. وَيَسْتَحْيِي مِنْ مُقَابَلَةِ اللَّهِ بِعَمَلِهِ".

الخطبةُ الأولَى:

 

الحمد لله الذي وفَّقنا لصيام شهر رمضان وقيامه، ونسأله أن يتقبل منا صالح الأعمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله حق تقاته، فإننا في ختام شهر عظيم، وقد قارب الضيف الكريم على الرحيل، فهنيئًا لمن اجتهد في أواخره، واستدرك ما فات من تقصير، وخاب وخسر من فرّط فيه، فالعبرة بكمال العمل وإحسان الختام، لا بمجرد بداياته، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالخواتيم"(رواه البخاري).

 

فيا أيها الصائمون: هذا وقت الجد والاجتهاد، فلا يكن حالنا في آخر الشهر فتورًا وضعفًا، بل لنحسن الختام بالاستغفار والتوبة والذكر والصدقة، ولنجتهد فيما بقي من لياليه، وخاصة الليلة الأخيرة، فإنها قد تكون ليلة القدر، وقد قال الله -تعالى-: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)[القدر: 3].

 

فإذا كان قيام هذه الليلة خير من عبادة ثلاث وثمانين سنة في أُمّة أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- "أن أعمارها بين الستين والسبعين وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ"(أخرجه الحاكم في المستدرك 3598 وصححه ووفقه الذهبي). فهذه الليالي الأخيرة بلا شك حَرِّية بالحرص على التماسها، وقال عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه"(متفق عليه).

 

أيها المسلمون: لقد أنعم الله علينا بأن بلّغنا هذا الشهر وأعاننا على صيامه وقيامه، فلنكمل النعمة بالشكر، فإن الشكر سببٌ للزيادة، قال -تعالى-: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)[إبراهيم: 7]؛ فالحمد لله كثيرًا، وطوبى لمن اعتبر وأزهر بالطاعات، وبُشرى لمن مليء خزائنه بالحسنات.

 

أيها الإخوة: لنحذر من الاغترار بالعمل، فالله هو المُوفّق، ولنكن مسارعين في الخيرات؛ يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "الْعَارِفُ لَا يَرْضَى بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ لِرَبِّهِ، وَلَا يَرْضَى نَفْسَهُ لِلَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ. وَيَسْتَحْيِي مِنْ مُقَابَلَةِ اللَّهِ بِعَمَلِهِ".

 

قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)[المؤمنون: 60- 61]، روى الإمام الترمذي أن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الآية؛ فقالت: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا تقبل منهم (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)"(أخرجه الترمذي 3175، وصححه الألباني).

 

أيها الإخوة: لقد فرض الله علينا زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطُعمة للمساكين، وقد بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- حُكمها عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، قال: "فرَض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين..."(متفق عليه).

 

وهي واجبة على كل مسلم يجد ما يزيد عن قُوته وقُوت عياله يوم العيد، وقدّرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بصاع من طعام أهل البلد، مثل الأرز أو التمر أو غيرهما. ووقت إخراجها: من غروب شمس آخر يوم من رمضان إلى قبل صلاة العيد، فعن ابن عمر-رضي الله عنه-: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمَر بزكاة الفطر أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة»، وجوّز العلماء تقديمها بيوم أو يومين، وتُصرَف للفقراء والمحتاجين.

 

وزكاة الفطر تُعدّ من دعائم المحبة وتقوية الأواصر بين أبناء الأمة، وبيَّن لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- حكمة مشروعيتها عن ابن عباسٍ قال: "فرض رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- زكاةَ الفِطْر طُهْرةً للصَائم مِن اللغو والرَّفثِ وطُعْمةً للمساكينَ، مَنْ أدَّاها قبلَ الصَّلاة، فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومن أدَّاها بعدَ الصَّلاة، فهي صَدَقةٌ من الصَّدقات"(أخرجه أبو داود 1609، وحسنه الألباني).

 

فسبحان من جعل الغني في حاجة لعطاء الفقير ليسعد بعطائه في الآخرة، وسبحان من جعل الفقير في حاجة لعطاء الغني ليسعد به في الدنيا.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله...

 

أيها الإخوة: يوم العيد، يوم فرح وعبادة، فلنحرص على سننه وآدابه:

وأولها التكبير: ويبدأ من غروب شمس ليلة العيد حتى صلاة العيد، قال -تعالى-: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[البقرة: 185].

 

وثانيها: الغسل والتطيب ولبس أجمل الثياب، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك يوم العيد.

 

وثالثها: أكل تمرات قبل صلاة العيد، قال أنس -رضي الله عنه-: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترًا"(رواه البخاري).

 

ورابعها: الخروج إلى المصلى مشيًا إن أمكن وأداء صلاة العيد جماعة.

 

وخامسها: التهنئة والتوسعة على الأهل وصلة الأرحام، فقد كان الصحابة يهنئون بعضهم بقولهم: "تقبل الله منا ومنكم"(رواه البيهقي:6294).

 

وسادسها: ترك الصيام يوم العيد، فهو يوم أكل وشرب؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- نهى في الصحيح عن صوم الفطر والأضحى، وقال: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله"(رواه مسلم).

 

فالحمد لله الذي جعل لنا مواسم للخير يزداد المؤمنون فيها إيمانًا ويتوب فيها العصاة إلى الله توبة نصوحًا.

 

أيها الأحبة: "قد اختلف أهل العلم هل صلاة العيد واجبة أم لا؟ وهل الوجوب عيني أم فرض على الكفاية؟ والحق الوجوب كما اختاره غير واحد من أهل العلم لأنه -صلى الله عليه وسلم- مع ملازمته لها قد أمرنا بالخروج إليها كما في حديث أمره -صلى الله عليه وسلم- للناس أن يغدوا إلى مصلاهم بعد أن أخبره الركب برؤية الهلال. وهو حديث صحيح.

 

وثبت في الصحيح من حديث عن أم عطية، قالت: "أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نُخرجهن في الفطر والأضحى، العواتق، والحيض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: «لتلبسها أختها من جلبابها"(رواه مسلم)، فالأمر بالخروج يقتضي الأمر بالصلاة لمن لا عذر لها بفحوى الخطاب، والرجال أولى من النساء بذلك؛ لأن الخروج وسيلة إليها ووجوب الوسيلة يستلزم وجوب المتوسل إليه، بل ثبت الأمر القرآني بصلاة العيد كما ذكره أئمة التفسير في قوله -تعالى-: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)[الكوثر: 2]؛ فإنهم قالوا: المراد صلاة العيد، ومن الأدلة على وجوبها أنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد وما ليس بواجب لا يسقط ما كان واجباً".

 

فأذكر نفسي وإياكم -عباد الله- بفضل الصدقة تطوعًا مع زكاة الفطر في ختام الشهر ليُسَرَّ بها الجميع، قال -تعالى-: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ)[المنافقون: 10].

 

عباد الله: لنُحْسن فيما بقي يغفر لنا ما مضى قال -تعالى-: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ)[هود: 114].

 

نسأل الله أن يختم لنا شهرنا بالخير، وأن يتقبله منا، وأن يجعلنا من الفائزين برضوانه، وأن يعيد علينا رمضان أعوامًا عديدة في صحة وعافية وطاعة.

 

اللهم تقبل منا الصيام والقيام، واغفر لنا الذنوب والآثام، وتوفنا وأنت راضٍ عنا يا كريم.

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

العبرة بالخواتيم - زكاة الفطر- سنن العيد.doc

العبرة بالخواتيم - زكاة الفطر- سنن العيد.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات