العابدون على حرف

أحمد بن عبد العزيز الشاوي

2021-06-11 - 1442/11/01 2021-06-14 - 1442/11/04
عناصر الخطبة
1/الانتكاس وتقلب القلوب 2/خطورة النكوص عن الحق ودلالاته 3/من أسباب الزيغ عن الطريق المستقيم 4/من علامات الانتكاس عن الحق 5/ من وسائل الثبات على نعمة الهداية.

اقتباس

تأمل فيما حولك ومن حولك سترى قممًا تتساقط وأعلامًا تتهاوى وقومًا آتاهم الله آياته فانسلخوا منها، سترى مترنمًا بالقرآن صار عازفًا للألحان، سترى من كان يلبس لبوس الزهاد فصار ينطق بالإلحاد، سترى من نشأ في الحلقات واليوم يحاربها في القنوات.

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله يغفر الذنوب ويتوب على من يتوب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مقلّب القلوب، وعلام الغيوب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أنار لنا الدروب صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما تعاقب الطلوع والغروب وسلم تسليمًا.

 

أما بعد: فاتقوا الله يا مسلمون، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها.

 

تأمل فيما حولك ومن حولك سترى قممًا تتساقط وأعلامًا تتهاوى وقومًا آتاهم الله آياته فانسلخوا منها، سترى مترنمًا بالقرآن صار عازفًا للألحان، سترى من كان يلبس لبوس الزهاد فصار ينطق بالإلحاد، سترى من نشأ في الحلقات واليوم يحاربها في القنوات.

 

إنها الظلام بعد نور، والعناء بعد هناء، والشقاء بعد سعادة، والهموم بعد راحة، والارتكاس بعد عزة وعلو.

 

إنها الضلالة بعد الهدى، والحور بعد الكور، إنها الانتكاس والسقوط على الطريق.

إنها صورة تبعث على القلق؛ فخسارة فرد من أبناء الأمة بعد أن هداه الله، وأنقذه يحزن كل مسلم.

 

إنها صورة مؤلمة؛ لأنها تمثل تآكلاً من الداخل، وشماتة من الأعداء، وإغراء للأشقياء، وإضعافًا للصف، وتوهينًا للقوة، ومبعثا لليأس والإحباط.

 

إن الانتكاس عن الهدى جرم عظيم؛ لأن المنتكس بفعله هذا يشوّه الحق الذي تَنكَّر له، ويشكّك بالدعوة التي نكص منها.

 

لقد شنَّع كتاب الله على المتساقطين الزائغين بعد الهداية فأعلن خسارتهم. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ)[الحج:11]، وبيَّن أن ذلك من تزيين الشيطان.. (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ)[محمد:25].

 

ودعا عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حينما قال: "إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليَّ منكم، وسيؤخذ أناس دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم فأقول سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي".

 

فكان ابن مليكة يقول: "اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو أن نفتن عن ديننا".

إنَّ المنتكس يعارض بفعله قول الله: (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[البقرة: 38]، ويدعو بسلوكه وانتكاسه إلى حياة الضلال والشقاء.

 

إن الانتكاس قَدْح في الشريعة ونورها وضيائها، وتشكيك في الاستقامة وآثارها. إننا بحاجة إلى مثل هذا الحديث؛ لأن مِن الصالحين مَن يشعر أنه اجتاز القنطرة ووصل إلى بَر الأمان؛ فأمن من الضلالة، ومن الحور بعد الكور، وهو أول أمارة على ضعف الإيمان والغرور والعُجْب.

 

لقد أخبر الله -سبحانه- أن نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- محتاج إلى توفيقه وتثبيته؛ فقال: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا)[الإسراء:74]، ويوسف -عليه السَّلام- وهو القدوة في العفَّة والنزاهة والتسامي يستعين بربه ليحميه من مواقعة الفاحشة متبرئاً من كل حول وقوة: (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الجَاهِلِينَ)[يوسف:33].

 

وإن القلب بيد الله -سبحانه وتعالى-، فما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع رب العالمين إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو ربه قائلاً: "يا مُثبّت القلوب ثَبّت قلوبنا على دينك".

 

إن المنتكس -أيها المسلمون- إنما يجني على نفسه، وما ربك بظلام للعبيد (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لهُمْ مَا يَتَّقُونَ)[التوبة:115]، وزيغ الإنسان سبب لأن يزيغ الله قلبه (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ)[الصف:5].

 

وانصرافه عن الهدى سبب لصرف قلبه (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ)[التوبة:127]، والمتكبرون عن آيات الله والمعرضون عن الحق بعد أن رأوه واضحاً يصرفهم الله عن الانتفاع بها؛ (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ)[الأعراف:146]، والقلب إنما يُطبَع الله عليه لتراكم الذنوب على صاحبه (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[المطففين:14].

 

واتباع الهوى والإخلاد إلى الأرض سبب لحرمان العبد طريق الفلاح (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ)[الأعراف:175].

 

الانتكاس -يا مسلمون- طريق شائك يسلكه الإنسان بنفسه وإرادته؛ لأن الله لا يظلم أحداً، وقد هدانا النجدين، وألهم نفوسنا فجورها وتقواها، الانتكاس طريق مظلم يسلكه الإنسان حينما يضعف إيمانه، فالإيمان حصن عن كل شهوة وشبهة، وإذا خالطت بشاشته القلوب ولَّد أمة ثابتة لا تهزها الخطوب، ولا تزلزلها الشهوات والشبهات، ومتى ذاق العبد حلاوة الإيمان ثبتت قدّمه في روضة الاستقامة.

 

قد يتوب شاب إلى الله، ويسلك طريق الاستقامة والخير، لكن الإيمان لم يدخل قلبه فتعترضه شهوة أو شبهة فيهوي أمامها وينكص على عقبيه؛ نسأل الله العافية.

 

وحين نتأمل في واقعنا نجد صوراً عدة تعكس وجود هذا الداء في أنفسنا، ومنها قسوة القلب والبعد عن الله والجرأة على معاصيه والتكاسل عن طاعته وغيرها كثير، ومما نُبتلى به أن لا ندرك ذلك في أنفسنا.

 

والانتكاس -يا عباد الله- ثمرة لضعف العلم الشرعي الذي يصحح للإنسان عبادته وتوجهه لله وحده، فالتوجه للعلم الشرعي والعناية به يملأ على المرء همّه ووقته فلا ينصرف ذهنه وتفكيره إلى الشهوات والمعاصي، ولا يجد فراغاً في وقته يمكن أن يدفعه إلى الإثم.

 

والانتكاس -أيها المسلمون- حصاد مُرّ للاستهانة بالذنوب والمعاصي. كما قال ابن رجب: "وقريب من هذا أن يعمل الإنسان ذنباً يحتقره ويستهين به فيكون هو سبب هلاكه، وفي الحديث: "إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه وإن محقرات الذنوب متى يُؤخَذ بها صاحبها تهلكه".

 

والاستهانة بالذنوب تدعو الشاب إلى عدم النفرة من أهلها، ويدعوه ذلك إلى التهاون في صحبتهم وفي مجالستهم، وهذا وحده من أعظم أسباب الانحراف.

 

الانتكاس نتاج للشماتة والتعيير بالمقصرين والنظرة الدونية للمذنبين والغرور والإعجاب بالنفس سبب رئيس للضلالة بعد الهدى؛ فالمرء حين يشعر بالكمال لا يرى أن له حاجة في مزيد من طرق الخير والعمل الصالح. وحينما يعجب المرء بعمله ويُدِلّ به على الله، فإن هذا عنوان انسلاخه من عبودية مولاه -سبحانه-.

 

والغرور سبب لأن يزول من القلوب خوف سوء الخاتمة، والخشية من الضلالة بعد الهدى، والأمان من ذلك أول الخطوات نحو الوقوع فيه، والإعجاب بالنفس سببٌ لانشغال المرء بعيوب الآخرين وذمّهم، ومَن عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يفعله.

 

والانتكاس صدًى للتربية الضعيفة، فحين يستقيم الشاب على طاعة الله فإنه يخلف وراءه واقعاً يحمل ركاماً هائلاً من التصورات والمفاهيم والسلوكيات الشاذة، فلا بد من تربية الشباب على الإيمان بالله وتزكية النفس وتعميق الخوف من الله -تعالى-، ولا بد من تربية الشاب المسلم على الجدية عبادة وعلماً وسلوكاً لا أن يتربوا على الإغراق في المباحات وإشغال أوقاتهم بكثرة المزاح والملهيات.

 

ويقع الانتكاس -يا مسلمون- حينما تستحكم الشهوات وتتبدَّى الغرائز أمام الشباب وتحاصرهم بشراكها، ومشكلة الشهوة تبدأ من خلال نظرة آثمة أو فكرة طائشة ثم تتحول إلى طوفان هائج وبركان ثائر يوشك أن يهوي بصاحبه.

 

يا عباد الله: والغلو والتشدد والإثقال على النفس بما لا تطيق من الأعمال خاصة ممن كان لهم تاريخ سيئ في الانحراف يأتي سبباً في الحور بعد الكور، وإن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ويقابله التفريط والإهمال، وأتباعه في عصرنا كثير، والمنحرفون بسببه جم غفير يبدأ المقصر بالتهاون بأداء السنن والمستحبات وعدم المبالاة بالمكروهات وعدم التورع عن حمى الشبهات، ثم يقوده مرضه للإخلال بالفرائض والواجبات والوقوع بالمحرمات.

 

وللانتكاس أسباب أخرى؛ فالأصحاب من جيران وأقارب وأقران والغثائية، وضعف الاقتناع وضعف الجدية، والشخصية الضعيفة والمتقلبة، ورواسب الماضي وضغوط البيئة والأسرة والآفات القلبية وكثرة الابتلاءات والمِحَن، وعدم تحمل تكاليف وأعباء الاستقامة.. كلها أسباب تقود إلى هاوية الانتكاس.

 

وإن معرفة الأسباب وتشخيص الداء خطوة أولى ومهمة في العلاج بعد أن يستعين العبد بربه ويتوجه إليه وحده بالدعاء والرجاء والاستعانة والبراءة من كل حول أو قوة، ومن اهتدى فلنفسه.

 

ومن ضل فإنما يضل عليها، ومن أراد الخير وسعى له وفَّقه الله وسدده، ومن ظن أنه يخادع الله فإنما يخادع نفسه وهو لا يشعر، ومَن استكثر على ربه استقامة وصلاحاً، فليعلم أن لله عباداً مكرمين يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

 

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)[آل عمران:8].

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد: فيا أيها المسلم، وأنت تتقلب في جنة الهداية، وترى من حولك من يهوي في دركات الانتكاس؛ فاحذر ثم احذر من الشماتة والتعيير، وإنما سل الله لك الثبات والعافية ولهم الهداية والصلاح.

 

 أخاطب نفسي وأخاطبك: إن هذه الهداية والتوفيق لسلوك الطريق المستقيم والسير في ركاب الصالحين والتجافي عن طريق الضالين؛ إن ذلك كله ليس بجهدنا ولا ذكائنا وحرصنا، بل هو أولاً وأخيراً نعمة من الله -سبحانه- تستوجب الشكر والاعتراف بالفضل لله وحده، وتستحق المحافظة عليها والعناية بها وهي منَّة من الله، والله يختص برحمته من يشاء.

 

أخي رعاك الله: إن نعمة الهداية أغلى ما يملكه المرء وأتم وأكمل نعمة يمن بها الله عليه، والاستقامة تاج على رؤوس الصالحين لا يراه إلا المنحرفون، فهل ندرك عظم مسؤوليتنا في الحفاظ على هذه النعمة والسعي للثبات على هذا الصراط المستقيم.

 

وحين نرى أولئك الذين ركبوا طريق الغواية، وضلوا سواء السبيل ندرك خطورة هذا المسلك ويضع المرء يده على قلبه سائلاً الله الثبات والهداية.

 

ورحم الله ابن القيم إذ يقول: "إنه لا يشعر بعظم نعمة الله عليه بالهداية إلا مَن اكتوى بنار الغواية، ولا يقدر منَّة الله عليه في الإيمان إلا مَن ذاق ويلات الفسوق والعصيان مِن ضَياع وحيرة واضطراب (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[الحجرات:17]".

 

فمن أدرك قدر هذه النعمة عزَّ عليه فراقها، ومن تذوق حلاوة هذه المنة كره مرارة البعد عنها، كما يكره أن يلقى في النار.

 

اللهم إنا نسألك الثبات على دينك حتى نلقاك...

 

اللهم صَلِّ وسَلِّم..

 

المرفقات

العابدون على حرف.pdf

العابدون على حرف.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات