الظلم وسوء عقباه

عبدالله بن حسن القعود

2011-05-15 - 1432/06/12
عناصر الخطبة
1/حرمة الظلم وذمه 2/عاقبة الظلم الدنيوية والأخروية 3/أنواع الظلم

اقتباس

وكيف لا يكون الظلم وأثر الظلم وعقاب الظلم كذلك، وهو لا ينزل غالباً إلاَّ بمن يستحقّون الرحمة والعطف من الضعفاء والبؤساء، والفقراء والأرامل والأيتام، والمرضى والموتى والمساكين! كيف لا؟ وهو عدو الأمن والاستقرار، عدوّ الطمأنينة والازدهار!

 

 

 

 

الحمد لله الذي أقام بالعدل ملكوت السماوات والأرض، وأعد للظالمين ظلماتٍ بعضها فوق بعض، أحمده سبحانه، لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدُنه أجراً عظيماً، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبيّنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلَّم تسليما كثيراً.

أما بعد: فيقول الله سبحانه وتعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) الآية [إبراهيم:42]، ويقول: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) الآية [الشورى:42]، ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً) الآية [النساء:10]

ويقول: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [الشعراء:227] روى الإمام مسلم -رحمه الله- عن أبي ذر -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "قال الله تعالى: يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تَظالموا". وقال -صلى الله عليه وسلم-: "اتَّقوا الظلم فإن الظلم ظُلمات يوم القيامة".

عباد الله: هذه تعاليم ربكم وسنّة نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، هذه تعاليم الله جل جلاله التي جاءت لإصلاح المجتمع البشري، وحمايته وحفظِ مصالحه بوجه عام وبوجه خاص في الضروريات الخمس: الأبشار والأعراض والأموال والأنساب والعقول تأمركم أمراً مؤكداً ومغلَّظاً بمحاربة الظلم، وبأن تجعلوا بينكم وبينه وقاية منيعة؛ تحفظكم من الوقوع فيه مخبرةً لكم ومؤذنة بأن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، ظلمات بعضها فوق بعض.

تغشى الظلمة في قبورهم وفي حشرهم وفي عرصات القيامة، وفي ذلك اليوم الذي يكون فيه العادلون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، وأما الجائزون الظالمون ففي ظلام دامس يتخبَّطون مهطعين مقنعي رؤوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) الآية [الحديد:13]

فاتّقوا الله -عباد الله-، واحذروا الظلم؛ فإنَّهُ كاسمه ظلمٌ وجزاؤه وما يترتب عليه في الدنيا والآخرة من جنسه ظلام يتلوه ظلام، ولا يصدر إلاَّ من قلبٍ قد علتْه الظلمة.

فاحذروا أن يصدر منكم ظلم ولو لحيوان، ففي الحديث: "دخلت امرأةٌ النار في هِرَّة حبسَتها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".

ومن تأمل ما ورد في الظلم من آيات قرآنية، وأحاديث نبوية؛ وجدها تحمل النهي المغلظ والوعيد الشديد، والإخطار النهائي بالفناء والانقراض العاجل لدولة الظالم، ولا جرم فالظلم وخيم العاقبة شديد النكاية، يمزّق أهله كل ممزَّق، ويبيدهم شر إبادة، يخرّب الديار ويقصم الأعمار، يقول سبحانه: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً) [الأنبياء:11]

ويقول: (وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) [سـبأ:19]، ويقول: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا) [النمل:52]، ويقول: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر:18] يقول -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله يُمهل للظالم وإذا أخذه لم يُفْلِته)، ثم قرأ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود:102]

وكيف لا يكون الظلم وأثر الظلم وعقاب الظلم كذلك، وهو لا ينزل غالباً إلاَّ بمن يستحقّون الرحمة والعطف من الضعفاء والبؤساء، والفقراء والأرامل والأيتام، والمرضى والموتى والمساكين! كيف لا؟ وهو عدو الأمن والاستقرار، عدوّ الطمأنينة والازدهار!

فالحذر الحذر من الوقوع فيه، ومن التعرّض لدعوة مظلوم، فإن ناصر المظلوم والمنتقم له القاهر الذي لا يُقهر هو الله سبحانه الذي يفتح لدعوة المظلوم أبواب السماء، ويرفعها فوق الغمام، ويقول: "وعزَّتي وجلالي لأنصرنَّك وهو بعد حين".

ورد أن خالد البرمكي لما نكب وسجن وهو وابنه، قال الابن: "يا أبتي بعد العز أصبحنا في القيد والحبس، قال يا بني: دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها، ولم يغفل الله عنها".

وحقيقة الظلم: وضعُ الأشياء في غير مواضعها الشرعية بتفريط في الحق أو بتجاوزه، وكلاهما ظلم ومنه الشرك؛ الذي هو أعظم ذنبٌ عُصِيَ الله به، و (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان:13]

ومنه: ما هو كبيرة من كبائر الذنوب متوعَّد فاعلوه بجهنّم يصلّونها، ولبئس القرار. كما وأن منه ما هو ظلم للنفس، كظلم الإنسان نفسه بتعريضها للعذاب والعقاب بارتكاب المنكرات واجتراح السيئات، وحرمانها من اللذة الأبدية والنعيم الخالد، ومنه ما هو ظلم عام لجميع الأمة كظلمها في أموالها، أو في تقاضيها أو أمنها أو أي مجال من مجالاتها.

ومنه: ما هو ظلم لأفراد العباد، كاغتصاب أموالهم أو اختصاصاتهم والتعدّي على نفوسهم، أو أعراضهم أو كراماتهم، فلقد حمى -صلى الله عليه وسلم- هذه الحقوق بقوله: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام"، وقوله: "من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوّقه الله إياه من سبع أرضين يوم القيامة" ونحو ذلكم.

فاتَّقوا الله -عباد الله-، وتخلّصوا من الظلم قبل أن يوقَف أحدكم بين يدي أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، الذي سيقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.

تخلّصوا من مظالم العباد؛ فإن حقوقهم لا تسقط بتوبة ولا بغيرها إلاّ بردّها إلى أصحابها مع القدرة على ذلك أو استحلالهم منها، يقول -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري عن أبي هريرة: "من كانت عنده مظلمة لأخيه من عِرض أو من شيء فليتحلّله منه اليوم قبل ألاَّ يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات صاحبه وحمل عليه".

ويقول فيما رواه مسلم يوماً لأصحابه: "أترون من المفلس؟" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: "إن المفلس من أُمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أُخذ من خطاياهم وطُرحت عليه، ثم طُرِح في النار".

أقول قولي هذا، وأسأل الله تعالى أن يباعد بيننا وبين الظلم، وأن يهدي الظلَمَة سواء السبيل، إنَّه تعالى غفورٌ رحيم.
 

 

 

  

 

المرفقات

وسوء عقباه

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات