الطلاق: خطره وأنواعه

الشيخ د علي بن عبدالعزيز بن علي الشبل

2025-12-12 - 1447/06/21 2026-01-06 - 1447/07/17
عناصر الخطبة
1/ظاهرة انتشار الطلاق 2/مفاسد عدم استقرار الأسر 3/أحكام الطلاق 4/صور الطلاق البدعي وحكمه 5/أحوال الطلاق السني وأحكامه.

اقتباس

الحياة الزوجية لا بد فيها من المنغّصات، ولا بد فيها من أنواع المشاكل، واحمدوا ربكم أن الله جعل الطلاق بيد الرجل؛ لأنه أعقل، لا في هذه الأزمان، حتى صار عند بعضهم أغفل لا يحسن الطلاق في إيقاعه، ولا يحسنه في إمضائه، يُطلّق على طعامٍ وعلى كرامة، ويطلق على حديثٍ وعلى مركب، وعلى أمورٍ تافهة، ثم يشغل نفسه ويشغل أهله ويشغل العلماء في فتاويه.....

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

 

وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، عبده المصطفى ونبيه المجتبى، فالعبد لا يُعبد كما الرسول لا يُكذَّب، فاللهم صلِ وسلم عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى رضا رب العالمين.

 

أما بعد عباد الله: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من دينكم الإسلام بعروته الوثقى، فإن أجسادنا على النار لا تقوى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

 أيها المؤمنون: ثمة ظاهرةٌ فشت في الناس حتى أقضت مضاجعهم، وشغلتهم، وشغلت مفتيهم، وفكَّكت أُسَرهم، وشتَّتت شمل أولادكم؛ إنها ظاهرة انتشار الطلاق.

 

هذا الطلاق الذي أنَّت منه البيوت، ولم يسلم منه إلا من سلمهم الله -جلَّ وَعَلَا-، وأصبح حديث هذه الظاهرة هو شكوى الناس في مجالسهم، ولا سيما الآباء والأمهات، بل والأزواج والزوجات، وأثره على الأولاد والبنات.

 

 واعلموا -عباد الله- أن الطلاق حدده ربي -جلَّ وَعَلَا-؛ فجعل له أحكامًا وحدودًا لا يجوز تجاوزها ولا تعديها، كما أمر الله بذلك في سائر آيات الطلاق في سورة البقرة وفي سورة الطلاق الصغرى؛ (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)[الطلاق: 1].

 

 واعلموا -عباد الله- أن الطلاق أحكامه ترجع إلى أصلين عظيمين.

 الأصل الأول: الطلاق البدعي، وهو ما أكثر انتشاره في الناس في هذا اليوم، وتنحصر صوره في ثلاثة صورٍ وأقسام: 

أما الأول: فأن يطلقها وهي حاملٌ أو حائض أو نفساء، فإن هذا طلاقٌ بدعي مخالفٌ لشرع ربنا -سُبْحَانَهُ وتَعَالَى-.

 

وأما الثاني: فيطلقها في طهرٍ قد جامعها فيه، فيتغلب عليه شيطانه وحماقته وغضبه، ثم يطلقها في طهرٍ قد جامعها فيه، ومن أعظم أسبابه استفزاز المرأة واستثارتها الرجل.

 

النوع الثالث: أن يطلقها ثلاثًا في لفظٍ واحد، كما هو الحال عند كثيرٍ من السفهاء: أنتِ طالقٌ بعدد شعر رأسك، أنتِ طالقٌ مائةً أو ألفًا، أو أنتِ طالقٌ بالثلاث الباتات المحرمات.

 

 وقد جاء رجلٌ إلى ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- فقال: إني طلقتُ امرأتي مائة، قال: "إن لله منها ثلاثة، وسبعٌ وتسعون وزرٌ على ظهرك تتحمله عند ربك"(أخرجه مالك في الموطأ ١٥٨١)؛ دل ذلك -يا عباد الله- على أن الطلاق البدعي الممنوع حرامٌ في نفسه، آثمٌ مقارفه، وأنه عند جماهير العلماء يقع.

 

 فاحذروا الطلاق -عباد الله- وانتبهوا له، واعلموا أن الحياة الزوجية لا بد فيها من المنغّصات، ولا بد فيها من أنواع المشاكل، واحمدوا ربكم أن الله جعل الطلاق بيد الرجل؛ لأنه أعقل، لا في هذه الأزمان، حتى صار عند بعضهم أغفل لا يحسن الطلاق في إيقاعه، ولا يحسنه في إمضائه، يُطلّق على طعامٍ وعلى كرامة، ويطلق على حديثٍ وعلى مركب، وعلى أمورٍ تافهة، ثم يشغل نفسه ويشغل أهله ويشغل العلماء في فتاويه، أو يعود نكاحه في أهله سفاحًا وزنًا، والعياذ بالله.

 

فاتقوا الله تقواه، ولا تتجاوزوا حدوده وأحكامه، واعلموا أن الطلاق إنما شرعه الله -جلَّ وَعَلَا- عبوديةً له أولًا، وقيامًا بالواجب ثانيًا، واستدامةً للحياة الزوجية بينهما ثالثًا.

 

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله كما أمر، أحمده سبحانه وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مقرًّا بربوبيته، ومؤمنًا بألوهيته وبأسمائه وصفاته، مراغمًا بذلك من عاند به أو جحد وكفر، وأصلي وأسلم على سيد البشر، الشافع المشفع في المحشر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الغرر، خير آلٍ ومعشر، ما طلع ليلٌ وأقبل عليه نهارٌ وأدبر. 

 

أما بعد، عباد الله: أما الطلاق السني المشروع فهو طلاقٌ في أحوالٍ ثلاثة:

 أولها: أن تطلقها طاهرًا أو حاملاً، لا كما ينتشر في أوساط البادية أن طلاق المرأة الحامل لا يقع، فإن الطلاق السني أن تطلقها وهي طاهرٌ أو وهي حامل، كما أمر بذلك النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- عبد الله بن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- قال: «راجعها، ثم طلقها طاهرًا أو حاملًا»(رواه مسلم).

 

النوع الثاني من أنواع الطلاق وهو الطلاق السني أن يطلقها طلقةً واحدةً لا يزيد عليها؛ حتى تكون له فرصة أن يراجع نفسه، أو يؤدب أهله، أو ينتهي أمرهما إلى الألفة والالتئام بعد هذه الجفوة وهذا المنعطف في حياتهما؛ (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)[البقرة: 229]؛ (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)[البقرة: 230].

 

 النوع الثالث -يا عباد الله- من أنواع الطلاق السني: ألا يطلقها ثلاث طلقاتٍ جميعًا، وإنما يطلقها وهو قنِعٌ منها وفي طهرٍ لم يجامعها فيه، وأنه يراجعها في عدتها إن أراد مراجعتها ولو بغير إذنها، بهذا تستقيم أمور الناس، ويكون الطلاق حدًّا جعل الله لك فيه فرصةً واحدة، ثم الثانية، ثم بعد ذلك لا تحل لك زوجتك حتى تنكح زوجًا غيره.

 

 هذه حدود الطلاق التي ذكرها الله -جلَّ وَعَلَا- في آياته في كلامه، في سورتي البقرة وسورة الطلاق، فلا تتجاوزها، ولا تعتدوها، ولا تتعدوا عليها، واحفظوا أنفسكم وألسنتكم وأهليكم وأولادكم.

 

واعلموا –عباد الله- أن أول المتضرر بالطلاق: المرأة، ثم الأولاد، ثم أنت أيها الزوج، حتى تراه في وجوهٍ مكفهرة وفي أنواعٍ من الهمّ والكرب والعناء النفسي، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

المرفقات

الطلاق خطره وأنواعه.doc

الطلاق خطره وأنواعه.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات