الصيام فضائل وأحكام وآداب

الشيخ عبدالعزيز بن محمد النغيمشي

2026-02-27 - 1447/09/10 2026-03-04 - 1447/09/15
التصنيفات: الصوم
عناصر الخطبة
1/فضائل الصيام ومنزلة الصائمين 2/من أحكام وآداب الصيام.

اقتباس

صَائِمُونَ وَالصِّيَامُ عِبَادَةُ الْأَتْقِيَاءِ، عِبَادَةٌ يَحْبِسُ فِيهَا الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ عَنْ مُشْتَهَيَاتِهَا، هِيَ عِبَادَةٌ بِهَا تَعْلُو النَّفْسُ، وَبِهَا تَطِيبُ وَتَزْكُو؛ وَلِذَا أُمِرَ الصَّائِمُ أَنْ يَتَجَنَّبَ أَسْبَابَ انْهِزَامِ النَّفْسِ، وَأَنْ يَتَوَقَّى أَسْبَابَ انْحِطَاطِهَا فِي...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

أيها المسلمون: صَائِمٌ والصَّائِمُونَ لَهُمْ في الدِّينِ مَنْزِلَةٌ، وَرَبُّهُمْ خَصَّهُمْ بِالْفَضْلِ وَالْكَرَمِ؛ صَائِمٌ أَخْلَصَ عَمَلَهُ لِلَّهِ، وَأَنْعِمْ بِعَبْدٍ أَخْلَصَ لِلَّهِ عَمَلَهُ، صَائِمٌ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ فَهُوَ عَلَى عَتَبَةِ الْعُبُودِيَّةِ لَا يَبْرَحُ، وَهُوَ عَلَى بَابِ الِافْتِقَارِ قَدْ أَقَامَ.

 

صَائِمٌ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَفِي الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"(متفق عليه)، إِيمَانًا بِأَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ فَرْضٌ وَاجِبٌ، وَأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ لِلصَّائِمِينَ حَقٌّ، وَأَنَّ ثَوَابَهُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مَوْفُورٌ، وَاحْتِسَابًا لِلْأَجْرِ مِنَ اللَّهِ، وَطَلَبًا لِكَرِيمِ الثَّوَابِ مِنْهُ؛ فَصَامَ مُخْلِصًا لِلَّهِ رَاجِيًا ثَوَابَهُ، وَذَاكَ الصَّائِمُ حَقًّا، الْفَائِزُ صِدْقًا، تُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ وَتُرْفَعُ لَهُ الدَّرَجَاتُ.

 

صَائِمٌ وَالصِّيَامُ عِبَادَةٌ مِنْ أَجَلِّ الْعِبَادَاتِ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا فِي مُضَاعَفَةِ الْأُجُورِ وَالْحَسَنَاتِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: قَالَ اللَّهُ -عز وجل-: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ -تعالى-: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ"(رواه مسلم).

 

صَائِمُونَ أَمْسَكُوا عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ، وَهَجَرُوا لَذِيذَ الشَّهَوَاتِ، وَآثَرُوا ثَوَابَ اللَّهِ عَلَى رَغَبَاتِ أَنْفُسِهِمْ، وَقَدَّمُوا أَوَامِرَ اللَّهِ عَلَى طَاعَةِ أَهْوَائِهِمْ؛ فَارْتَقَوْا فِي مَرَاقِي التَّقْوَى، وَاعْتَلَوْا فِي أَعَالِي الدَّرَجَاتِ، وَحَقَّقُوا الْغَايَةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا شُرِعَ الصِّيَامُ؛ (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: 183].

 

صَائِمٌ وَالصَّائِمُونَ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ بَابٌ قَدْ خُصَّ لَهُمْ، يَدْخُلُونَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ؛ فَلَا يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ غَيْرُهُمْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ"(رواه البخاري ومسلم).

 

صَائِمُونَ وَالصِّيَامُ عِبَادَةُ الْأَتْقِيَاءِ، عِبَادَةٌ يَحْبِسُ فِيهَا الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ عَنْ مُشْتَهَيَاتِهَا، هِيَ عِبَادَةٌ بِهَا تَعْلُو النَّفْسُ، وَبِهَا تَطِيبُ وَتَزْكُو؛ وَلِذَا أُمِرَ الصَّائِمُ أَنْ يَتَجَنَّبَ أَسْبَابَ انْهِزَامِ النَّفْسِ، وَأَنْ يَتَوَقَّى أَسْبَابَ انْحِطَاطِهَا فِي رَدِيءِ الْأَخْلَاقِ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ؛ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ"(رواه البخاري ومسلم).

 

وَيُمْسِكُ الصَّائِمُ عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)[البقرة:187]، وَيُبَاحُ الْفِطْرُ لِلْمَرِيضِ وَلِلْمُسَافِرِ؛ (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)[البقرة: 184].

 

شَهْرٌ حَبَاكَ اللَّهُ إِيَّاهُ، بِهِ الْأُجُورُ مُضَاعَفَةٌ، وَبِهِ الرَّحْمَةُ قَرِيبَةٌ، وَبِهِ الْمَغْفِرَةُ قَدْ أُدْنِيَتْ، أَقْبِلْ فَمَا أَفْلَحَ مَنْ أَدْبَرَ؛ (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[يونس: 58].

 

بارك الله لي ولكم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمين، وأَشْهَدُ أَن لا إله إلا اللهُ ولي الصالحين، وأَشْهَدُ أَنَّ محمداً رسول رب العالمين، -صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليماً-، أَمَّا بَعْدُ:

 

فَاتقوا الله -عباد الله- لعلكم ترحمون.

 

أيها المسلمون: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ"(رواه البخاري ومسلم).

 

كُلُّ تِلْكَ الْفَضَائِلِ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللهُ في هَذَا الشَّهْرِ، تَنْهَضُ بِهِمَّةِ الْمُؤْمِنِ، وَتَقُودُهُ إِلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى طَرْقِ كُلِّ أَبْوَابِ الْإِحْسَانِ؛ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ؛ وَالصَّائِمُ لَهُ فِي رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؛ يَكُونُ جَوَادًا فِي شَهْرِهِ، فَيُنْفِقُ عَلَى الْفَقِيرِ، وَيُطْعِمُ الْجَائِعَ، وَيُعِينُ الضَّعِيفَ، وَيَتَفَقَّدُ الْمُتَعَفِّفِينَ الَّذِينَ حَجَزَهُمُ الْحَيَاءُ عَنْ مَدِّ يَدِ الْمَسْأَلَةِ لِأَحَدٍ؛ (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)[البقرة:273].

وَيَكُونُ عَلَى حَذَرٍ مِنْ تَلَاعُبِ الْمُحْتَالِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا التَّسَوُّلَ مِهْنَةً يَتَكَسَّبُونَ بِهَا.

 

عِبَادَ اللهِ: وَمِنْ كَمَالِ الدِّينِ وَجَلَالِ تَشْرِيعَاتِهِ؛ أَنَّ الصَّائِمَ يُمْسِكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ أَثْنَاءَ صَوْمِهِ؛ فَيَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِذَلِكَ حَسَنَاتٍ، ثُمَّ يُفْطِرُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ فَيَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِذَلِكَ الْإِفْطَارِ حَسَنَاتٍ؛ فَمَا أَكْرَمَ اللهَ، وَمَا أَجْوَدَهُ عَلَى عِبَادِهِ؛ وَإِنَّ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا يُبْغِضُهُ اللهُ مِنَ الْإِسْرَافِ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ، وَأَنْ يَقْتَصِدَ، وَأَنْ يَكُونَ لِرَبِّهِ مِنَ الشَّاكِرِينَ؛ فَبِذَلِكَ أَمَرَكَ رَبُّكَ؛ (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)[الأعراف: 31].

 

"وَالْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ"(رواه مسلم)، وَمَا كَانَ الصِّيَامُ لِيُقْعِدَ الْمُؤْمِنَ عَنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ دِينِهِ، وَلَا عَنْ مَصَالِحِ دُنْيَاهُ، وَلَا لِيَحْبِسَهُ عَنِ السَّعْيِ فِي التَّزَوُّدِ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا لِيَصْرِفَهُ عَنْ طَلَبِ الْكَسْبِ، وَلَا لِيُثْقِلَهُ عَنْ الْقِيَامِ بِمَا أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقٍ؛ وَمَا رُمِيَ امْرُؤٌ بِدَاءٍ مِثْلُ دَاءِ الْكَسَلِ.

 

رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

 

اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.

 

المرفقات

الصيام فضائل وأحكام وآداب.doc

الصيام فضائل وأحكام وآداب.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات