الصلاح ليس كفيلا للنجاة

أحمد شريف النعسان

2016-06-27 - 1437/09/22
عناصر الخطبة
1/ حال النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل الرسالة وبعدها 2/ وسائل النجاة 3/ صلاح الإنسان لوحده ليس كفيلاً لنجاته 4/ دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عصمة الأمة ونجاتها 5/ منهج النبي -صلى الله عليه وسلم- في الإصلاح 6/ الدعوة لإصلاح الآخرين 7/ بعض المنكرات المنتشرة في هذا الزمان

اقتباس

الأَمْرُ بالمَعْرُوفِ, والنَّهْيُ عَن المُنْكَرِ, صَمَّامُ الأَمَانِ للأُمَّةِ, بِهِ يَدْفَعُ اللهُ النِّقَمَ والكَوَارِثَ والعُقُوبَاتِ العَامَّةِ على الأُمَّةِ, وَبِضَيَاعِهِ تَسْتَوْجِبُ الأُمَّةُ العِقَابَ العَامَّ, وهذا مَا أَكَّدَهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين, وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: لَوْ رَجَعْنَا إلى سِيرَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- قَبْلَ الرِّسَالَةِ وَبَعْدَ الرِّسَالَةِ, فَإِنَّا نَجِدُ بِأَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدَاً -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ قَبْلَ الرِّسَالَةِ صَالِحَاً, وَبَعْدَ الرِّسَالَةِ صَارَ مُصْلِحَاً.

 

قَبْلَ الرِّسَالَةِ كَانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-, وَتَصِفُهُ بِصِفَاتِ الكَمَالِ, فَهُوَ عِنْدَهُمُ الصَّادِقُ الأَمِينُ, المُتَّصِفُ بِصِفَاتِ الكَمَالِ, وَبَعْدَ الرِّسَالَةِ تَغَيَّرَتِ المَوَاقِفُ؛ -لأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ يَأْمُرُ بالمَعْرُوفِ, وَيَنْهَى عَن المُنْكَرِ, وَخَالَفَ أَهْوَاءَ قَوْمِهِ- تَغَيَّرَتِ المَوَاقِفُ وَاتَّهَمُوا سَيِّدَنَا رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- بِصِفَاتٍ مُغَايِرَةٍ, والمَطْلُوبُ من المُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ صَالِحَاً وَمُصْلِحَاً.

 

يَا عِبَادَ اللهِ: لا سَبِيلَ للنَّجَاةِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ من كَوَارِثَ وَقَوَارِعَ إلا باللُّجُوءِ إلى اللهِ -تعالى-, وَتَجْدِيدِ التَّوْبَةِ، والاسْتِغْفَارِ, وَسُلُوكِ سَبِيلِ الإِصْلاحِ, وذلكَ بالأَمْرِ بالمَعْرُوفِ, والنَّهْيِ عَن المُنْكَرِ.

 

يَا عِبَادَ اللهِ: بِلادٌ تَأْمُرُ بالمَعْرُوفِ, وَتَنْهَى عَن المُنْكَرِ, بِلادٌ مَحْمِيَّةٌ من عَذَابِ اللهِ -تعالى-, وَمَأْمُونَةٌ -بِإِذْنِ اللهِ تعالى-, قَالَ تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ) [الأنفال: 33]؛ لأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ آمِرٌ بالمَعْرُوفِ, وَنَاهٍ عَن المُنْكَرِ.

 

وقَالَ تعالى: (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: 116 - 117].

 

يَا عِبَادَ اللهِ: الأَمْرُ بالمَعْرُوفِ, والنَّهْيُ عَن المُنْكَرِ, صَمَّامُ الأَمَانِ للأُمَّةِ, بِهِ يَدْفَعُ اللهُ النِّقَمَ والكَوَارِثَ والعُقُوبَاتِ العَامَّةِ على الأُمَّةِ, وَبِضَيَاعِهِ تَسْتَوْجِبُ الأُمَّةُ العِقَابَ العَامَّ, وهذا مَا أَكَّدَهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ-.

 

روى الإمام أحمد عَنْ قَيْسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قَالَ: قَامَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-, فَحَمِدَ اللهَ, وَأَثْنَى عَلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ, إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) [المائدة: 105]، وَإِنَّا سَمِعْنَا رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابِهِ".

 

يَا عِبَادَ اللهِ: الصَّلاحُ لَيْسَ كَفِيلاً للنَّجَاةِ من العُقُوبَاتِ الإِلَهِيَّةِ, قَالَ تعالى: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 25].

 

الصَّلاحُ لَيْسَ كَفِيلاً لِرَفْعِ الأَزْمَةِ والكُرُبَاتِ والشَّدَائِدِ والمِحَنِ عَن هذهِ الأُمَّةِ, بَلْ الكَفِيلُ هُوَ الصَّلاحُ والإِصْلاحُ, قَالَ تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) [القصص: 59].

 

يَا عِبَادَ اللهِ: الأَمْرُ بالمَعْرُوفِ, والنَّهْيُ عَن المُنْكَرِ, هُوَ: الكَفِيلُ في رَفْعِ الغُمَّةِ التي تَعِيشُهَا هذهِ البِلادُ, وإلا تَحَقَّقَ وَعِيدُ اللهِ -تعالى-: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: 117]، لَمْ يَقُلْ: وَأَهْلُهَا صَالِحُونَ.

 

يا عباد الله: لِنَسْلُكْ طَرِيقَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- الذي سَلَكَهُ بَعْدَ الرِّسَالَةِ, ألا وَهُوَ: الإِصْلاحُ, عَن طَرِيقِ الأَمْرِ بالمَعْرُوفِ, والنَّهْيِ عَن المُنْكَرِ, وَلَوْ وَجَدْنَا الأَذَى والتَّهَكُّمَ والاتِّهَامَاتِ, وَلْنَذْكُرْ جَمِيعَاً قَوْلَ سَيِّدِنَا لُقْمَانَ لِوَلَدِهِ: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [لقمان: 17].

 

يَا عِبَادَ اللهِ: لا يَقْتَصِرْ أَحَدُنَا على صَلاحِ نَفْسِهِ فَقَط, بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى في إِصْلاحِ الآخَرِينَ, لَعَلَّ اللهَ -تعالى- أَنْ يُفَرِّجَ عَنَّا, فالصَّلاحُ وَحْدَهُ لَيْسَ كَفِيلاً بالنَّجَاةِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ, وهذا مَا أَكَّدَهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- بِقَوْلِهِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ, وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ, فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ" -وَعَقَدَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ عَشَرَةً- قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: "نَعَمْ, إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ".

 

يَا عِبَادَ اللهِ: لَقَد كَثُرَ الخَبَثُ في الأُمَّةِ من سَفْكٍ للِدِّمَاءِ البَرِيئَةِ, وَأَكْلٍ للأَمْوَالِ بالبَاطِلِ, وَأَكْلٍ للرِّبَا, وَانْتِشَارٍ للفَوَاحِشِ الظَّاهِرَةِ والبَاطِنَةِ, وَانْتِشَارٍ للسُّفُورِ والاخْتِلاطِ, وَشُرْبٍ للخُمُورِ والمُخَدِّرَاتِ, إلى غَيْرِهَا من المُنْكَرَاتِ, وَإِنَّا نَبْرَأُ إلى اللهِ -تعالى- من هذهِ المُنْكَرَاتِ كُلِّهَا, وَنَقُولُ بَعْدَ ذلكَ: اللَّهُمَّ إِنَّ هذهِ مُنْكَرَاتٌ لا نَرْضَى بِهَا, ولا نَقْدِرُ على رَدِّهَا, فلا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا, وَاحْفَظْنَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ المُصْلِحِينَ، آمين.

 

أقول هذا القول, وأستغفر الله لي ولكم, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

المرفقات

ليس كفيلا للنجاة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات