الصدق

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2020-12-04 - 1442/04/19 2021-03-03 - 1442/07/19
عناصر الخطبة
1/الصدق ودرجته في دين الإسلام. 2/ الصدق من علامة صلاح دين العبد. 3/معينات اكتساب الصدق. 4/ آثار غياب الصدق على دين المسلم.

اقتباس

وَكُلَّمَا بَلَغَ صِدْقُ الْعَبْدِ مَبْلَغَهُ وَاخْتَلَطَ الصِّدْقُ بِدَمِهِ وَلَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، كَانَ هَذَا الْعَبْدُ مُهَيَّأً لِأَرْقَى الْمَنَازِلِ وَالدَّرَجَاتِ، فَهَذَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، يَحْكِي ابْنُ أَخِيهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-...

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ -تَعَالَى- أَمْرًا مُبَاشِرًا أَنْ نَكُونَ مَعَ الصَّادِقِينَ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)[التَّوْبَةِ: 119]، وَالسُّؤَالُ الْآنَ: مَنْ هُمْ هَؤُلَاءِ الصَّادِقُونَ؟ وَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ يُجِيبُ قَائِلًا: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)[الْحُجُرَاتِ: 15]، وَبِمَزِيدٍ مِنَ التَّفْصِيلِ وَالتَّوْضِيحِ يَقُولُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ: (...وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا)[الْبَقَرَةِ: 177]، فَمَنْ تَحَقَّقَ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ لِلصِّدْقِ مَكَانَةً عَظِيمَةً وَمَنْزِلَةً رَفِيعَةً وَسَطَ مَنْظُومَةِ الْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَلَنْ يَدْخُلَ عَبْدٌ الْجَنَّةَ حَتَّى يَكُونَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَالصِّدْقُ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَضِدُّهُ الطَّرِيقُ إِلَى النَّارِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ).

 

وَمِنْ ضَمِنَ سِتًّا -أَوَّلُهَا صِدْقُ لِسَانِهِ- ضَمِنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَهُ الْجَنَّةَ، فَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ..."(رَوَاهُ أَحْمَدُ).

 

وَالصِّدْقُ يَنْفَعُ صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[الْمَائِدَةِ: 119]، يَقُولُ الْقُرْطُبِيُّ: "وَصِدْقُهُمْ فِي الدُّنْيَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صِدْقُهُمْ فِي الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُمُ الْكَذِبَ عَلَيْهِ وَعَلَى رُسُلِهِ".

 

فَلَيْسَ الصِّدْقُ هُوَ صِدْقَ اللِّسَانِ فَقَطْ، بَلْ صِدْقُ اللِّسَانِ وَصِدْقُ الْعَمَلِ وَصِدْقُ الْقَلْبِ، فَأَمَّا صِدْقُ اللِّسَانِ فَمَنِ افْتَقَدَهُ فَقَدْ حَازَ ثُلْثَ النِّفَاقِ أَوْ رُبْعَهُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ..."(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ...".

 

وَأَمَّا صِدْقُ الْعَمَلِ فَهُوَ أَنْ تُطَابِقَ أَعْمَالُكَ أَقْوَالَكَ، وَأَنْ يُطَابِقَ سِرُّكَ عَلَانِيَتَكَ، وَقَدْ عَرَّفَ ابْنُ الْقَيِّمِ الصِّدْقَ فِي الْأَعْمَالِ بِأَنَّهُ: "اسْتِوَاءُ الْأَفْعَالِ عَلَى الْأَمْرِ وَالْمُتَابَعَةِ؛ كَاسْتِوَاءِ الرَّأْسِ عَلَى الْجَسَدِ"، وَصَدَقَ الْقَائِلُ:

وَالْمَرْءُ لَيْسَ بِصَادِقٍ فِي قَوْلِهِ *** حَتَّى تُؤَيِّدَ قَوْلَهُ الْأَفْعَالُ

 

وَأَمَّا صِدْقُ الْقَلْبِ فَهُوَ أَهَمُّ أَنْوَاعِ الصِّدْقِ كُلِّهَا، وَعَلَيْهِ مَدَارُ فَلَاحِ الْإِنْسَانِ أَوْ هَلَاكُهُ، وَقَدْ قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَيِّمِ: "اسْتِوَاءُ أَعْمَالِ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ عَلَى الْإِخْلَاصِ، وَاسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ، وَبَذْلُ الطَّاقَةِ"، وَمِنْ أَظْهَرِ النَّمَاذِجِ عَلَى صِدْقِ الْقَلْبِ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ الَّذِي لَا نَعْرِفُ اسْمَهُ، لَكِنَّ اللَّهَ يَعْرِفُهُ، يَحْكِي شَدَّادُ بْنُ الْهَادِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَقَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ؟ فَأَوْصَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَصْحَابَهُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةُ خَيْبَرَ أَوْ حُنَيْنٍ غَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَيْئًا فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قَسَمَهُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخَذَهُ فَجَاءَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى هَا هُنَا -وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ- بِسَهْمٍ، فَأَمُوتَ، وَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ: إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ، فَلَبِثُوا قَلِيلًا، ثُمَّ دَحَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ فَأُتِيَ بِهِ يُحْمَلُ وَقَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَهُوَ هُوَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ، فَكَفَّنَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَكَانَ مِمَّا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ: اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا، فَأَنَا عَلَيْهِ شَهِيدٌ"(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ).

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ صِدْقَ الْعَبْدِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ هُوَ عَلَامَةُ صَلَاحِ دِينِهِ وَخُلُقِهِ وَسُلُوكِهِ، يَقُولُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَرْبَعٌ إِذَا كَانَ فِيكَ لَا يَضُرُّكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ..."(رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ).

 

وَالصِّدْقُ طَرِيقٌ إِلَى حُبِّ اللَّهِ -تَعَالَى- لِلْعَبْدِ، وَهُوَ كَلَامُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ يُحِبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ: فَلْيَصْدُقْ حَدِيثَهُ إِذَا حَدَّثَ..."(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ).

 

وَكُلَّمَا بَلَغَ صِدْقُ الْعَبْدِ مَبْلَغَهُ وَاخْتَلَطَ الصِّدْقُ بِدَمِهِ وَلَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، كَانَ هَذَا الْعَبْدُ مُهَيَّأً لِأَرْقَى الْمَنَازِلِ وَالدَّرَجَاتِ، فَهَذَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، يَحْكِي ابْنُ أَخِيهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَيَقُولُ: "غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي أَصْحَابَهُ- وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ، -يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ- ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ، الْجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ، قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ، قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ قَالَ أَنَسٌ: "كُنَّا نَرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)[الْأَحْزَابِ: 23] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَلَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُدْرِكُ هَذَا الْأَمْرَ جَيِّدًا، فَهُوَ الْقَائِلُ: "لَا تَنْظُرُوا إِلَى صَلَاةِ أَحَدٍ وَلَا صِيَامِهِ، وَانْظُرُوا إِلَى صِدْقِ حَدِيثِهِ إِذَا حَدَّثَ..."(رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ).

 

وَلَا يَنَالُ الْعَبْدُ النَّجَاةَ وَالْفَلَاحَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا بِالصِّدْقِ؛ فَكَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" لَا تَنْفَعُهُ إِلَّا إِذَا قَالَهَا بِصِدْقٍ، يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ: "لَا يَشْهَدُ بِهَا عَبْدٌ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ، ثُمَّ يَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ"(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) فِي الْكُبْرَى)، وَمَنْ حُرِّمَ عَلَى النَّارِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ"(رَوَاهُ أَحْمَدُ).

 

وَبِصِدْقِهِ يَنَالُ أَجْرَ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا، يَقُولُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: مَنِ اشْتَاقَ قَلْبُهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الصَّادِقِينَ وَيُحْشَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَهُمْ، فَنُبَشِّرُهُ بِأَنَّ هُنَاكَ وَسَائِلَ وَأَسْبَابًا تُعِينُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ، وَمِنْهَا:

تَدَبُّرُ أَجْرِ الصِّدْقِ وَالصَّادِقِينَ: تَأَمَّلْ قَوْلَ اللَّهِ -تَعَالَى-: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ)[الْأَحْزَابِ: 24]، ثُمَّ تَخَيَّلْ مَاذَا أَعَدَّ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لِأَهْلِ الصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ! إِنَّهُ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ...

 

وَمِنْهَا: اسْتِشْعَارُ اسْتِمَاعِ اللَّهِ -تَعَالَى- لِكَلِمَاتِهِ، وَاطِّلَاعِهِ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ: يَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[الْمُجَادَلَةِ: 7]، وَهُوَ "السَّمِيعُ" يَسْمَعُ دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّلْدَاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ... فَكَيْفَ لِمَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ، يَسْمَعُهُ وَيُرَاقِبُهُ وَيَطَّلِعُ عَلَى أَفْعَالِهِ أَنْ يَرْضَى أَنْ يَسْمَعَهُ الْجَلِيلُ الْعَظِيمُ -سُبْحَانَهُ- وَهُوَ يَكْذِبُ؟!

 

وَمِنْهَا: إِدْرَاكُ أَنَّ كُلَّ كَلِمَاتِهِ وَحَرَكَاتِهِ مَحْسُوبَةٌ عَلَيْهِ وَمَكْتُوبَةٌ فِي صَحِيفَتِهِ: يَقُولُ اللَّهُ -تَعَالَى-: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)[ق: 18]، وَوَظِيفَةُ الْمَلَكَيْنِ هِيَ كِتَابَةُ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ)[الِانْفِطَارِ: 10-11]، فَلْيَنْتَبِهِ الْإِنْسَانُ إِذًا لِكَلِمَاتِهِ؛ فَإِنَّهَا مَعْدُودَةٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مُحَاسَبٌ عَلَيْهَا.

 

وَمِنْهَا: التَّخَلُّصُ مِمَّا يَدْفَعُ إِلَى الْكَذِبِ: فَيَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ مُسَبِّبَاتِ الْكَذِبِ كُلِّهَا، فَقَدْ يَكْذِبُ الْمَرْءُ خَوْفًا مِنَ النَّاسِ، أَوْ رَجَاءً لِنَيْلِ مَنْفَعَةٍ مِنْهُمْ... فَلْيَعْلَمْ أَنَّ الضَّارَّ وَالنَّافِعَ هُوَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- وَحْدَهُ، يَقُولُ -تَعَالَى-: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[الْأَنْعَامِ: 17]، وَقَدْ يَكْذِبُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَلْيَدْفَعْ كُلَّ سَبَبٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ رَجُلٌ افْتَقَدَ الصِّدْقَ وَاسْتَعَاضَ عَنْهُ بِالْكَذِبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ -لَا مَحَالَةَ- سَائِقٌ لَهُ إِلَى الْفُجُورِ، وَالْفُجُورُ قَائِدٌ لَهُ إِلَى النَّارِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ-، هَذَا مَا أَخْبَرَنَا إِيَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَائِلًا: "... وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَإِنَّ الصَّادِقَ لَيَحْيَا فِي طُمَأْنِينَةٍ، وَالْكَاذِبَ يَحْيَا فِي قَلَقٍ وَرِيبَةٍ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ"(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ.

 

أَتَرْضَى لِنَفْسِكَ مَا لَمْ يَكُنْ يَرْضَاهُ حَتَّى الْكُفَّارُ لِأَنْفُسِهِمْ؟! فَهَذَا أَبُو سُفْيَانَ وَكَانَ مَا يَزَالُ كَافِرًا، يَدْعُوهُ هِرَقْلُ عَظِيمُ الرُّومِ لِيَشْهَدَ أَمَامَهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَفِيهِ يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ: "وَايْمُ اللَّهِ، لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ الْكَذِبُ لَكَذَبْتُ"، وَفِي لَفْظٍ: "فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثُرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)... فَمَاذَا عَنْكَ وَقَدِ اصْطَفَاكَ اللَّهُ وَجَعَلَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُوَحِّدِينَ؟! أَنْتَ أَوْلَى بِالْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ.

 

وَانْظُرْ لِنَفْسِكَ مَا يَكُونُ حَالُكَ حِينَ تُقَابِلُ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- غَدًا وَقَدِ ابْتُلِيتَ بِخِصَالِ الْمُنَافِقِينَ، أَوَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ -تَعَالَى- يَقُولُ: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)[التَّوْبَةِ: 77]! أَمَا أَفْزَعَكَ قَوْلُ اللَّهِ -تَعَالَى- فِي الْمُنَافِقِينَ: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)[الْبَقَرَةِ: 10]!

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: فَإِنَّ مَنِ افْتَقَدَ الصِّدْقَ فِي قَلْبِهِ وَعَمَلِهِ وَلِسَانِهِ فَهُوَ مِنَ الْهَالِكِينَ الْخَاسِرِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أَنْ يَتَدَارَكَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ.

 

فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الصَّادِقِينَ، وَجَنِّبْنَا الْكَذِبَ وَالْكَاذِبِينَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ...

 

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ، وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ، وَشَفِيعِ النَّاسِ يَوْمَ الدِّينِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56]...

المرفقات

الصدق.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات