الشهادتان

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

2020-10-28 - 1442/03/11
التصنيفات: الإيمان
عناصر الخطبة
1/أهمية الشهادتين وعظم شأنها 2/بعض فضائل الشهادتين 3/شروط الانتفاع بالشهادتين 4/أحوال الناس مع الشهادتين 5/السلامة من الشرك والبدع بتحقيق الشهادتين

اقتباس

أيها المؤمنون: الشهادتان العظيمتان اللتان عليهما مدار السعاة والفلاح في الدنيا والآخرة، عليهما قيام دين الله كله، فدين الله قيامه على شهادة أن لا إله إلا الله إخلاصًا للمعبود وتوحيدا، وشهادة أن محمدًا رسول الله طاعةً للرسول -صلى الله عليه وسلم- وانقيادا، فمن لم يكن دينه قائمًا على هذين الأصلين العظيمين لم يقبل الله منه عمل ولم...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله تفرَّد بالوحدانية والخلق والإيجاد، وتنزَّه عن الشركاء والنظراء والأنداد، والى جلَّ شأنه على عباده نعمًا لا حصر لها ولا تعداد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً أرجو بها النجاة يوم التناد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى الحق والهدى والسداد؛ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم المعاد.

 

أما بعد: أيها المؤمنين -عباد الله-: اتقوا الله -تعالى- وراقبوه جلَّ في علاه مراقبة من يعلم أن ربَّه يسمعُه ويراه.

 

أيها المؤمنون -عباد الله-: روى الإمام مسلم في كتابه الصحيح من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي مَسِيرٍ فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ، قَالَ: حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا، قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ، فَدَعَا عَلَيْهَا، قَالَ حَتَّى مَلَأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ".

 

وفي روايةٍ قال: "لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "افْعَلُوا قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ ثُمَّ ادْعُ اللهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "نَعَمْ"، قَالَ: فَدَعَا بِنِطَعٍ فَبَسَطَهُ ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَسْرَةٍ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ قَالَ: "خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ" قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَئُوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ".

 

أيها المؤمنون -عباد الله-: تأملوا هذه القصة ما أعظمها وأدلَّها على عظم شأن الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأن ما يقف عليه المرء في هذه الحياة من الحجج الباهرات، والدلائل الظاهرات على عظمة الرب -جل شأنه-، وكمال قدرته وتدبيره سبحانه، وأنه جلَّ وعلا يدبِّر الأمر لا شريك له، تفرد بالخلق والإيجاد، ما شاء كان ووقع كما شاء، وما لم يشأ لم يكن، العباد كلهم طوع أمره وتسخيره وتدبيره جلَّ في علاه.

 

وهكذا -عباد الله- ما يمر بالمؤمن في هذه الحياة من الآيات الباهرات كلها تدعوه إلى الخضوع لعظمة الله، والذل بين يديه جل في علاه، والإقبال على طاعته إخلاصًا وتوحيدا.

 

أيها المؤمنون -عباد الله-: نبينا -عليه الصلاة والسلام- في هذا المقام العظيم الدال على عظمة الله وجلاله، قال دالًا ومبينا عظم شأن هاتين الكلمتين: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ".

نعم -أيها المؤمنون- إن الشهادتين بهذا الشأن العظيم، وبهذه المكانة العلية؛ فعليهما قيام دين الله، وهما مفتاح السعادة، ولا نجاة للعبد ولا فوز برضا الله، ولا دخول لجنته إلا بهذا المفتاح العظيم: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسول الله.

ولهذا -عباد الله- فإن يوم القيامة لا تزول قدما عبدٍ فيه بين يدي الله -جل وعلا- حتى يُسأل عن مسألتين عظيمتين: "ماذا كنتم تعبدون؟" و "ماذا أجبتم المرسلين؟" وجواب الأول: "شهادة لا إله إلا الله" معرفةً وتحقيقًا وإخلاصا، وجواب السؤال الثاني: "شهادة أن محمداً رسول الله" معرفةً وتحقيقًا وانقيادا.

 

أيها المؤمنون -عباد الله-: وهاتان الشهادتان العظيمتان اللتان عليهما مدار السعاة والفلاح في الدنيا والآخرة عليهما قيام دين الله كله، فدين الله قيامه على شهادة أن لا إله إلا الله إخلاصًا للمعبود وتوحيدا، وشهادة أن محمدًا رسول الله طاعةً للرسول -صلى الله عليه وسلم- وانقيادا، فمن لم يكن دينه قائمًا على هذين الأصلين العظيمين لم يقبل الله منه عمل ولم ينتفع بطاعة، وقد قال الله -جل وعلا- في الحديث القدسي: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" فدل الحديث الأول أنَّ الأعمال أيًّا كانت لا قبول لها إلا بالإخلاص، ودل الحديث الثاني أن الأعمال لا قبول لها إلا بالاتباع. والإخلاص: هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. والاتباع: هو تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

وبهذا -عباد الله- يُعلم أن الشهادتين لا تنفعان قائلهما بمجرد النطق والتلفظ حتى يحقق ما دلَّتا عليه من إخلاصٍ للمعبود، ومتابعةٍ للرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولهذا قال الإمام الفضيل بن عياض -رحمه الله تعالى- في معنى قول الله -جل وعلا-: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)[الملك: 2]: "أخلصه وأصوبه" قيل: يا أبا علي وما أخلصه وأصوبه؟ قال: "إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل حتى يكون خالصًا صوابا، والخالص: ما كان لله، والصواب : ما كان على السنة".

 

أيها المؤمنون -عباد الله-: إن مقام الشهادتين مقامٌ عظيم جدا؛ فالشهادتان هما مفتاح الجنة وبهما تحقُّق المنَّة، فلا دخول للجنة إلا بهاتين الشهادتين، وليس المراد الإتيان بهما نطقًا مجردا، وإنما الإتيان بهما نطقًا وفهما وتحقيقًا لما دلَّتا عليه من إخلاص للمعبود جلَّ في علاه ومتابعةٍ للرسول -صلى الله عليه وسلم-.

فهما -عباد الله- توحيدان لا نجاة إلا بهما: توحيدٌ للمرسِل جل في علاه بالإخلاص، وإفراده وحده بالعبادة، وتوحيد للمرسَل -صلى الله عليه وسلم- بتجريد المتابعة له عليه الصلاة والسلام؛ فعلى هذين الأمرين مدار النجاة والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.

 

أيها المؤمنون -عباد الله-: وأحوال الناس مع هذين الأصلين العظيمين أربعة: الأول: من كان مخلصًا متابعا. والثاني: من كان مخلصًا بدون اتباع. والثالث: من كان متبعًا بغير إخلاص. والرابع: من لا إخلاص عنده ولا متابعة.

 

وكل هؤلاء هالكون إلا الأول الذي جاءت أعماله على الإخلاص للمعبود جل في علاه والمتابعة للرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-.

 

ومن عظيم الدعاء في هذا الباب -أيها المؤمنون- ما يؤثر عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه كان يقول في دعائه: "اللهم اجعل عملي كله صالحا، ولوجهك خالصا، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئا".

 

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد: أيها المؤمنون -عباد الله-: اتقوا الله -تعالى- فإن تقوى الله -جل وعلا- خير زادٍ يبلغ إلى رضوان الله، قال الله -تعالى-: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)[البقرة: 197].

 

أيها المؤمنون -عباد الله-: قال الله -عز وجل- في نعت نبيه ورسوله ومصطفاه -صلى الله وسلَّم عليه-: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا)[الأحزاب: 45-46] فوصفه جل وعلا بأنه داعٍ إلى الله -جلَّ وعلا- بإذنه، فمن دعا إلى غير الله كان مشركا، ومن دعا إليه بغير إذنه كان مبتدعا، ولا سلامة من الشرك والبدعة إلا بتحقيق الشهادتين: إخلاصًا للمعبود جلَّ في علاه، ومتابعةً للرسول -صلى الله عليه وسلم-.

 

فواجب على كل مسلمٍ ناصحٍ لنفسه يرجو نجاتها وفوزها يوم لقاء الله أن يتأمل هذا المقام العظيم تأملًا دقيقا، وأن يحرص على مجاهدة نفسه على تحقيق مقتضى الشهادتين من الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-.

 

اللهم يا ربنا يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تجعل أعمالنا كلها لك خالصة، ولسنة نبيك الكريم -صلى الله عليه وسلم- موافقة، وأن تعيذنا من الشرك والبدع والأهواء كلها يا ذا الجلال والإكرام، وأن لا تكِلَنا إلى أنفسنا طرفة عين.

 

واعلموا -رعاكم الله- أنَّ أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بالجماعة فإنَّ يد الله على الجماعة.

 

وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)[الأحزاب: ٥٦].

 

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديِّين؛ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمان وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

 

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم انصر من نصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-.

اللهم كن لإخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان ناصرًا ومُعينا وحافظًا ومؤيِّدا، اللهم وعليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنَّا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك اللهم من شرورهم. اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم جنِّبنا والمسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم وفِّق ولي لهداك، واجعل عمله في رضاك.

 

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها.

 

اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة: 201].

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المرفقات

الشهادتان.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات