الشباب وفقه الصيف

شريف عبدالعزيز - عضو الفريق العلمي

2022-10-05 - 1444/03/09
التصنيفات: مقالات في الوعي

اقتباس

هذه النماذج الهامة لم تكن نماذج استثنائية لا نستطيع أن نقيس عليها، بل كانت سمتًا عامًا عند الأمة لذلك حققت الأمة في كثير من أوقاتها امتيازاً على غيرها من الأمم وصار محصولها وإنتاجها الحضاري والعلمي مطلبًا أساسيًا يحرص عليه الغرب والشرق، ويكفي أن أصول...

يعتبر الصراع الحضاري والأممي من أبرز سمات هذا العصر؛ فلا يخفى على أحد من الناس حجم العداء الكبير والمتنامي ضد الأمة الإسلامية، هجمات منظمة وواسعة ومنهجية ضد العالم الإسلامي وعلى كل المستويات وفي شتى المجالات، وهذا الهجوم في حد ذاته يعتبر علامة صحة وأمارة السير السليم، بل يدل على تقدم العالم الإسلامي على أعدائه ولو على المستوى القيمي والأخلاقي، وكما قال أحد الحكماء: "لو طعنت في ظهرك فاعلم أنك في المقدمة".

 

وهذا الأمر لابد أن يسترعى انتباه العقلاء والمخلصين والراغبين في خدمة دينهم وأمتهم؛ فما سر قوة هذه الأمة؟ وما تلك الطاقة الحيوية والمتجددة التي تتدفق في عروق الأمة وشرايينها، فتبقي لها قوتها مستمرة وفاعلة عبر القرون في الوقت التي اختفت واندثرت فيه حضارات وأمم كثيرة؟

الإجابة على هذا السؤال في كلمة واحدة؛ إنهم الشباب.

 

فالأمة الإسلامية والمجتمعات الإسلامية مجتمعات فتية شابة عامرة بالقوة والنشاط، فمعيار قوة كل أمة وقابليتها للنمو والتطور والتحضر ترتبط ارتباطا شرطيا بنسبة الشباب في تركيبتها السكانية، والعلاقة طردية بينهما، لذلك فالمجتمعات الأوروبية مجتمعات آفلة في طور الرحيل، إذ أن نسبة الشباب فيها أقل من 20% وهي نسب خطيرة، في حين أن نسبة الشباب في العالم الإسلامي تتراوح من 35ـ 40 % من إجمالي السكان وهي من أعلى النسب على مستوى العالم، مما يجعل الأمة مرشحة وبقوة نحو العودة لتبوء المراكز المتقدمة في العالم، و لكن السؤال بل الأكثر أهمية  كيف يتم تفعيل هذه الطاقات الكبرى للشباب الذين يعتبرون أهم مصدر للقوة في الأمة؟

 

الإنسان في فترة الشباب طاقاته وإمكاناته وافرة من ذكاء وقدرة على الحفظ، وصبر على الأعمال، وقوة في البدن يستطيع أن يزاول كثيراً من الأعمال، وإذا ضعف الإنسان ورقّت عظامه فإنه يعجز عن كثير مما يريد أن يعمله. ولذلك اختص الرسول -صلى الله عليه وسلم- فترة الشباب بمزيد من الانتباه وسلط على الضوء في حديثه الشهير: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك"؛ فخص فترة الشباب من مجمل فترات عمر الإنسان بالاهتمام والدعوة للاغتنام والاستغلال الأمثل لأيامها.

 

وهذا الحديث إذا وضعت بجانبه حديث آخر؛ وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-:"لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس": "عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم".

 

يتضح أن فترة الشباب مخصوصة ومقصودة بالسؤال كما هي مخصوصة ومقصودة بالاغتنام من فترات العمر وطاقة الشباب طاقة ضخمة وثرية ومتنوعة، وسر ضخامتها وثرائها يرجع لعدة أسباب رئيسية:

أولها: الفراغ الكبير الذي يوجد عند قطاعات واسعة من الشباب خاصة في فترة الإجازة الصيفية والتي تذهب عادة سدى وتهدر فيما لا طائل من ورائه.

 

وثانيها: قلة المسئوليات الملقاة على عاتق هؤلاء الشباب لكونهم في أول حياتهم مخففين من مسئوليات البيت والزوجة والأولاد ورعاية الأسر، ولاشك أن قلة المسئوليات تعطي الإنسان حرية وقوة على فعل ما ينوط به ويطلب منه.

 

وثالثها: أن فترة الشباب هي فترة عنفوان القوة وانفجار الطاقات والمواهب وكامل الصحة وتمام العافية – على الأغلب – وهي قوة وطاقة تحتاج إلى ضبط وترشيد حتى لا تتحول قوة هدم وتدمير وتعويق. ولذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"نِعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفَراغ".

 

ولو نظرت بعين البصيرة لوجدت أن رأس مال الشباب، الصحة والفراغ، وكلاهما يتجلى بقوة في فترة الإجازة الصيفية، فراغ كبير، وقوة معطلة، لذلك فالشباب يحتاج إلى خطة لإدارة وقته في فترة الإجازة الصيفية.

 

إدارة الوقت أَصبحت من الموضوعات الهامة، التي يتناولها علماء الاجتماع والإدارة في أبحاثهم وكتاباتهم المتنوعة، والدول المتقدمة تهتم بدراسات تَخصيص الوقت و تضع موازنة الوقت، وكيفية توزيعه على مختلف نشاطات البشر المعتادة، فالوقت ثروة وطنية وذخيرة قومية والحفاظ عليه فريضة دينية، وأسلوب استغلال الأفراد له يؤثر على شتى الجوانب المجتمعية، وبدون ذلك الاستغلال لا يفرق الإنسان في حياته عن حياة الأنعام والسوائم.

 

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادَّة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادَّة معيشته الضَّنك في العذاب الأليم وهو يَمر مرَّ السحاب؛ فما كان من وقته لله وبالله، فهو حياته وعمره وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته، وإن عاش فيه عيش البهائم؛ فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة فموت هذا خير له من حياته".

 

ونحن لسنا في حاجة لسرد الأدلة الوافرة المتواترة من القرآن والسنّة والآثار في أهمية الوقت القصوى في حياة المسلمين، وكيف كان السلف أحرص الناس على وقت، وآثارهم مضرب الأمثال، لذلك حققوا المعجزات، وشيدوا الإنجازات، وسادوا الأمم، بحيث ترى الواحد فيهم قد مات شاباً وخلّف ورائه تراثاً إنسانياً ضخماً، وبعيداً عن الجيل الفذ؛ جيل الصحابة رضوان الله عليهم، فإن من جاء بعدهم كان مضرب الأمثال، فمحمد بن القاسم فتح بلاد السند وهو في الثامنة عشر، والبخاري جلس للتحديث والإملاء وحمل الناس عنه العلم وهو ابن الثانية عشرة، وابن الهيثم صاغ نظرياته العلمية الفذة وهو في العشرينيات، وابن سينا كتب في أوائل الثلاثينيات أعظم كتبه (القانون) وهو تلخيص للمعرفة الطبيّة في ذلك الوقت، ويتألّف من خمسة مجلّدات، ويعتبر أحد أكثر الكتب الكلاسيكية في تاريخ الطب، والأمثلة أكثر من الحصر في هذا المقام، فسردها يحتاج إلى مجلدات عديدة.

 

هذه النماذج الهامة لم تكن نماذج استثنائية لا نستطيع أن نقيس عليها، بل كانت سمتًا عامًا عند الأمة لذلك حققت الأمة في كثير من أوقاتها امتيازاً على غيرها من الأمم وصار محصولها وإنتاجها الحضاري والعلمي مطلبًا أساسيًا يحرص عليه الغرب والشرق، ويكفي أن أصول الحضارة الأوروبية التي يتغنى بها الغرب اليوم إنما هي نتاج العمل على الأسس والركائز التي وضعها المسلمون في عصور النهضة واستغلال الأوقات، ومعظم ما كُتب في فترة ما بعد الحروب الصليبية وسقوط الأندلس إنما هو في الحقيقة تراجم ونقولات من تراث المسلمين خاصة في الأندلس وصقلية وكلاهما كان جسر نقل الحضارة الإسلامية إلى الغرب.

 

ولكنَّ المسلمين اليوم وقد تأخروا عن ركب الحضارة والتقدم وصاروا في مؤخرة الرّكب، في حاجة ماسة ليعلموا قيمة الوقت، ويستثمروا فائض هذا الوقت في حياتهم، ويدركوا قيمة العمل، فالأمة الناجحة الرائدة هي الأمة التي تجعل العمل من مقومات وجودها.

 

واستثمار فائض الوقت أو الإجازة الصيفية قد أصبح علماً يُدرس، ومهارة تُعلم، علمًا ينتمي لمدرسة العلوم الإدارية، وهي المدرسة التي يفتقر إليها العالم الإسلامي بصورة ربما كانت متعمدة من قبل خصوم الأمة الذين لا يريدون لها نجاحًا أو نهوضًا من كبوتها، والإسلام لا يريد من أبنائه أن يهدروا الوقت في اللهو والسمر الضائع، كما يحدث في واقعنا اليوم، حتى درج على الألسنة أن يقول الشاب أو الرجل لصاحبه؛ تعال نقتل الوقت أو نضيع الوقت! ويقتلون الوقت فعلاً بالنَّرد ولعب الورق وألعاب الكومبيوتر ومسابقات الأنترنت العابرة للقارات والحدود وغيرها، مما لا يقدم للأمة خيرًا وهي في أسوأ مراحل تاريخها، إنهم لا يقتلون الوقت، ولكنهم يقتلون الأمة ويقتلون أنفسهم.

 

وليس معنى ذلك أن الإسلام يرفض الترويح، ويمنع أتباعه من الاستجمام واللهو المباح أو التسابق الرياضي أو السفر والسير في الأفاق أو التنزه أو غير ذلك من مجالات استغلال فائض الوقت أو الإجازة الصيفية، كلا والله، بل إن النهي عن أصله، ومطالبة الشباب بتركه والإعراض عنه مذموم، وسيواجه حتماً برفض جماعي، إنما يرفض الإسلام المبالغة والاستغراق والانهماك في كل شيء – بما في ذلك العبادة نفسها – لأنه دين الوسطية والاعتدال ومراعاة حاجات النفس المتغيرة. والإسلام يريد من أبنائه أن يروحوا عن أنفسهم بين الحين والآخر، حتى يستعيد المسلم نشاطه وقوته، دون أن يُبالغ في الترويح عن النفس حتى يضيع الوقت أو يقع في الإثم.

 

الإجازة الصيفية تزيد على ثلاثة أشهر، فماذا أعددنا لها؟ وما هي الخطة التي تريد أن تنجزها في هذه الإجازة؟

المؤسف أن الكثير ليس لديهم خطط، ولم يفكروا في هذا المعنى، فالغالبية تريد أن تشبع نوماً وغفلةً وتسحباً في الأسواق، وتضييعاً للأوقات بعد كد الدراسة وسآمة الروتين في العام الدراسي، وقد يتحجج البعض بأنه لا يدري كيف يستغل إجازته، وأن الفراغ كبير والوقت متسع، ولكن قائمة الطموحات والأهداف خالية من أي رغبات وتطلعات.

 

كيف يستثمر الشاب إجازته الصيفية؟

كما قلنا سابقًا هذا العلم هو من علوم الإدارة الذي يحتاج لفهم وتلقي، ويعتمد في المقام الأول على رغبة الشاب في تحقيق إنجازًا ما في إجازته الصيفية، فبدون الرغبة والإرادة نحو التغيير، ستبقى هذه الإرشادات مجرد سطور تكتب، وكلمات تلقى، ويستمر شيطان الغفلة في الإمساك بزمام الأمور والسيطرة على وقت الشباب، ومن أهم النصائح في هذا المضمار، ما يلي:

1 – وضع الجداول اليومية أو الأسبوعية التي تشمل كل ما سينوي الشاب عمله من هام وغير هام، وواجب وغير واجب، ومباح ومستحب، وعمل ولهو، مع مراعاة التوازن بين الأمور كلها بحيث لا يميل الشاب كل الميل ناحية اللهو والبطالة فينتفي المقصود من الموضوع كله، ولكن التنظيم.

 

2 – ترتيب هذه الأعمال وفق قاعدة التنظيم الشهيرة والتي تشمل 4 مستويات من الأداء: هام وعاجل، هام وغير عاجل، غير هام وعاجل، وغير هام وغير عاجل، وهذا الترتيب سيمكن الشاب من معرفة أولوياته وبما يبدأ وما يؤخر، والفراغات البينية بين هذه الأعمال والتي يمكن أن يخصصها لمجالات اللهو والترفيه.

 

3 – التأكد من الانتهاء من عمل قبل الانتقال إلى الآخر، وهي من النقاط الهامة التي غفل عنها الكثيرون بما في ذلك الأعلام والكبار؛ فمن آفات العمل عدم إكماله وإنهائه، بل إن بعض كتب أهل العلم المشهورين تعتبر ناقصة بسبب بدئه في غيرها قبل إكمالها مثل كتابات العلاًمة المحدث أحمد شاكر شيخ الألباني -رحمهما الله-.

 

4- القابلية للتنفيذ، فكثير من الشباب وضعوا جداول في بداية الإجازة، وبمختلف الألوان، ولكنها كانت مجرد جداول، لم يكن للتطبيق منها حظ ونصيب؛ فينبغي أن نضع برنامجاً يتناسب مع إمكاناتنا، وأن ننظر في جوانب النقص والخلل عندنا، ونضع خطة للحياة، هذه الإجازة، والإجازة القادمة، والتي بعدها والتي بعدها، والبعد عن المشاريع التي سيتحطم تنفيذها على صخرة الإمكانيات المتاحة، كأن ينوي الشباب حفظ القرآن كاملاً في شهرين أو ثلاثة، أو يتعلم لغة جديدة، أو يقرأ موسوعة كبيرة، وهكذا؛ فقرق كبير بين الطموح والجنوح، والحقيقة والخيال.

 

5 – الحذر من السّراق، ونعني بهم سرّاق الأوقات وعلى رأسهم مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت الشغل الشاغل للغالبية العظمى من الشباب حتى الصالحين منهم، وألعاب الكومبيوتر لقد سرقت هذه الألعاب منا أبناءنا، واستحوَذَت على مشاعرهم وتفكيرهم واهتمامهم، وشغلتهم عن محيطهم الأسري والاجتماعي، بل شغلتهم عن أنفسهم أيضًا، والتلفاز وما فيه من مسلسلات وأفلام وبرامج ومسابقات تأسر النفوس وتسلب العقول، وقد أظهرت دراسة تعتبر الأولى من نوعها عن موازنة الوقت لدى المصريين، قدَّمها جهاز التعبئة والاحصاء في مصر مطلع الألفية الثانية: أن التلفزيون أهم ما يشغل الأسرة المصرية في الإجازات الأسبوعية والسنوية، وأنه يلتهم أوقات الفراغ، أن الإنسان عندما يبلغ العشرين من العمر يكون قد تعرض لما لا يقل عن عشرين ألف ساعة بث تلفزيوني، وقد لا يعني هذا العدد من الساعات شيئًا، إلا إذا علمنا بأنَّ عدد الساعات التي يحتاجها الدَّارس لنيل درجة البكالوريوس هي في حدود خمسة آلاف ساعة، وإن عشرة آلاف ساعة من الدراسة تكفي لتحقيق أعظم الأحلام في الحصول على شهادات وتعلم لغات، بل ودراسة الكثير مما كتب في العلوم والآداب.

 

هذا غير السهر الطويل، وانقلاب نواميس الحياة بالنسبة لكثير من الشباب في الإجازة الصيفية من تحول الليل إلى نهار، والنهار إلى الليل، بسبب السهر الطويل واللهو الباطل، وما ينتج عن ذلك من آثار مدمرة للصحة والتحصيل والانجاز.

 

وأخيراً؛ فإن فقه إدارة الوقت في الحياة عموماً وفي الصيف خصوصاً من أهم معينات الإنجاز والاستقامة في الحياة، بدونه تفنى الأعمار فيما لا طائل من ورائه، ويتوقف الكثيرون بغيابه عند مرحلة المراهقة وربما الطفولة؛ حيث اللهو واللعب الدائم وعدم الانتباه للمستقبل.

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات