الشباب الذي نريده

عبد الله بن ناصر الزاحم

2014-09-17 - 1435/11/22
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/ استهداف الأعداء للشباب 2/ الشباب ثروتنا الحقيقية 3/ شباب صنعوا التأريخ 4/ مصادر نجاح الشباب 5/ حاجة الأمة للشباب 6/ دعوة الشباب للتيقّظ 7/ الشباب وصناعة المستقبل

اقتباس

الأمة بحاجةٍ ماسةٍ إلى شبابٍ على طريق الهدى والتقى سائرين، وبنهج سيد الورى مقتدين، نريد شباباً ناشئين في عبادة الله، لديهم الطموحُ للفوز بظل الله الذي وعدهم به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: "سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلُّه"، وذكر منهم: "شابٌّ نشأ في عبادة الله".

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله نحمده...

 

عباد الله: إنَّ الإيمانَ يهذب السلوك، ويقيم قواعد العدل، ويقضي على الشر والفساد، ويربط القلوب برباط المحبة والرحمة والمودة؛ وبهذا يتوفر الأمن النفسي للأفراد، والأمن والاطمئنان للمجتمع.

 

ولا يخفى عليكم -عباد الله- أنَّ بلادنا محسودةٌ على ما تتمتع به من صفاء العقيدة، وسلامة المنهج، ووحدة الصف، والأمن الوارف؛ وهذا ما أقضَّ مضاجع الأعداء، مما جعلهم يسعون بكل ما أوتوا من جهود لزرع فئة من أبناء الوطن تخدمهم وتحقق لهم أهدافهم، ولِيكونوا عونا لهم على حرب دينهم، وتقويض عقيدتهم، وتفكيك لحمتهم.

 

فالحيطةَ الحيطةَ! والحذرَ الحذرَ! وكونوا صفاً واحداً في وجه العدو المتربص بديننا وبلادنا وأمننا. قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) [الصف:4].

 

وإذا أردنا لأمتنا رقيًّا وتقدماً وسيادةً، فلنحافظ على ثروتنا الحقيقية، وسلاحنا الفعال: الشباب؛ فهمُ عُدَّةُ الأمة، وأملُ الحاضر، ورجال المستقبل، وسيكون منهم: القائدُ والحاكم، والوزير والقاضي، والمعلم ُوالعامل, والمربي للأجيال القادمة، فيجبُ أن يُربَّوْا على العقيدة الصافية، ومحبة الإسلام، والتفاني لخدمته؛ وعلى الأخلاق الفاضلة والقيم الإسلامية المتينة، ويجب تعريفهم على تاريخ المسلمين المشرق، وأن دولة الإسلام ما قامت  واعتزت وسادت إلى على أكتاف وجهود الشباب.

فمرحلة الشباب هي مرحلةُ القوة والنشاط، والطاقة والطموح، وهي مرحلةُ العطاء المثمر، والإبداع المزهر.

 

هي المرحلة التي يتمناها الصغيرُ، ويتحسّرُ على فراقها الكبيرُ، عن ابن عباس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابَكَ قبل هرمِك، وصحتَكَ قبل سقَمِك، وغِنَاكَ قبل فقرِك، وفراغَكَ قبل شُغلِك، وحياتَكَ قبل موتِك". فكان أولُّ شيءٍ بدأ به الشباب.

فالشباب هم صُنَّاع المعجزات، وعليهم تتعلق آمال الأمة. يقول الإمام أحمد بنُ حنبل -رحمه الله-: ما شبّهت الشباب إلا بشيء كان في كُمِّي فسقط.

 

أيها الشباب: اقرؤوا في كتاب الله: ماذا فعل الشباب؟ وما هو دورهم؟ لتعرفوا أن أمركم ليس بالهيِّن.

أهل الكهف شبابٌ فرُّوا بدينهم، (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) [الكهف:10].

 

فأعانهم الله بعونه: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى *  وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا)   [الكهف:11-14].

 

وإبراهيم -عليه السلام- وقف في وجه قومه محارباً الشرك وهو في مرحلة الشباب، (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) [الأنبياء:59-60].

 

ونبي الله يوسف -عليه السلام-، وهو في مرحلة الشباب العارمة، يتعرض لموقف من أصعب المواقف: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف:22-24].

 

رأى برهانَ ربه فاعتصم عن الفحشاء، اتهمته وأرادت إهانته، ولكن الله بيَّنَ الحق وأظهره ورفع مكانته.

 

والقرآن مليء بمثل ذلك، فعيسى ويحيى وزكريا وموسى وغيرهم، تحقق على أيديهم الكثير في مراحل شبابهم، منهم من أخذ الكتاب بقوة، ومنهم من آتاه الله الحكم صبيا، ومنهم من واجه أطغى طواغيت الأرض، والله -جل وعلا- ينصر من ينصره...

 

وإذا تصفحنا سيرة أبطال هذه الأمة رأينا العجب العُجاب الذي حققه الشباب، فالجيل الذي بنى دولة الإسلام، ونشر عقيدة التوحيد، وجاهد في سبيل الله حق الجهاد، كلهم في مرحلة الشباب.

 

فمصعب بن عمير في مرحلة الشباب هو أول مبعوث يرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة ليعلم أهلها الدين، وعثمانُ بن عفان -رضي الله عنه- يوم أسلم  كان في الرابعة والثلاثين من عمره, وعبدُ الرحمن بنُ عوف كان في الثلاثين، وسعدُ بن أبي وقاص كان عمره سبع عشرة سنة، والزبير بنُ العوام اثنتا عشرة، وطلحةُ بن عبيد الله كان عمره ثلاث عشرة سنة، وأسامة بن زيد ولاه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على إمرةِ الجيش وهو ابن ثماني عشرة سنة، وفي الجيش من هم أكبر منه سناً.

 

وعمير بن الحمام وهو ابن ست عشرة سنة يرمي تمرات كُنَّ في يده يوم بدرٍ ويقول: "ليس بيني وبين الجنة إلا هذه التمرات؟! إنه لعُمر طويل أن أنتظر حتى آكلها!"، ويقاتل حتى استُشهد.

 

وغيرهم كثير، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

معاشر الشباب: إن الشاب الناجح هو الشابُّ الذي يثق بنفسه، ويعتز بدينه، ويتفانى في خدمة أمته؛ فهذا مصدر احترام الآخرين له، واعتزازهم به.

 

ومن مصادر نجاح الشباب: مصاحبة الأخيار، والالتزام بالسلوك الإسلاميّ الرفيع، والتسلُّح بسلاح الإيمان، والتوكلُ على الله، مع المواظبةِ على الطاعات.

 

الأمة بحاجةٍ ماسةٍ إلى شبابٍ على طريق الهدى والتقى سائرين، وبنهج سيد الورى مقتدين، نريد شباباً ناشئين في عبادة الله، لديهم الطموحُ للفوز بظل الله الذي وعدهم به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: "سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلُّه"، وذكر منهم: "شابٌّ نشأ في عبادة الله".

فالشباب طاقةٌ كامنةٌ، لا بد أن تتفجر، لذا يجبُ أن تتفجرَ في العطاء والمحبة والإنتاج بما يخدم المجتمع. وعندما يصلُحُ الشبابُ تقوى وتعتز الأمة، وعندما يفسُدُون تسوء حالها.

واسمعوا تلك الأبيات القيمة التي نظمها الشاعر وليد الأعظمي -رحمه الله- وهو يطلب من الشباب العودة إلى تعاليم الإسلام، وهي قصيدة طويلة اخترت بعض أبياتها، يقول فيها:

 

شبابَ الجيلِ للإسلام عودُوا ***  فأنتُمْ روحُهُ وبكم يسودُ

وأنتمْ سرُّ نهضته قديماً ***  وأنتم فجـرُهُ الزاهي الجديد

عليكم بالعقيدة فهي درعٌ ***  نصون به كرامتَنا حَديد

نظرتُ إلى الحياةِ فلم أجدها ***  سوى حُلم يَمُرُّ ولا يعود

فهذا محسنٌ يُرجَى لخيرٍ  ***  وذلك مجـرمٌ طـاغٍ عنيدُ

حتى قال:

فلستُ أرى الحياةَ كما يراهَا ***  جبانٌ تائهٌ نَزقٌ حقـود

يعيشُ كما تعيشُ البُهْمُ فيها  ***  تُسيِّرُهُ المطامع والثريـد

ولستُ أرى السعادة جمعَ مالٍ *** ولكنّ التقيَّ هو السعيد

ثم قال:

ونحن على هُدَى الإسلامِ سِرْنَا *** ولو غَضِبَ الزَّعَانِفُ والقرود

فلسْـنَا نرتَضِي عنْهُ بديـلاً  ***  وفيـنَا هِمَّةٌ ولنـا وجـود

وصَارَعْـنَا الفسَادَ ولم تَرُعْنَا *** دَعَـاوَى باتَ يدفَعُها اليهود

فما وجدَ الزمـانُ لنا مثيلاً  ***  لِخَيْرِ الدينِ والدُّنيـا يقـود

سَلُوا التاريخ عمّا ندَّعيـهِ  ***  فكلُّ حـوادثِ الدُّنيـا شُهُود

وختمها بقوله:

شبابَ الجيلِ يا أملاً تغنّت  ***  به الأيّـام نشوى تسـتـعيـد

وتَطربُ كُلّما وجدتْ شباباً  ***  أَبِـيّاً لا تُذلِّلُه  القيـود

نُهوضاً يا بني قومي نهوضاً  ***  فقد عادت إلى الدنيا (ثمودُ)

وأنتمْ خيرُ من يسعى لمجدٍ *** فأحيُوا مجـدَ أُمّتـنا وشيدوا

وإنَّ وجوهَكُم بالحقِّ بيضٌ  ***  تشِعُّ وأوجهُ الباغين سُـودُ

عليكم حمل رايتـنا فكونوا  ***  ذوي بأسٍ كما كان الجدود

وكيف يقوم مجتمعٌ سليمٌ  ***  تَرِفُّ عليه بالـعـزِّ البنـودُ

إذا لم يتخذ نهجاً سديداً  ***  يَنُصُّ عليه قـرآنٌ مجـيـدُ

فصُونُوا وِحْدَةَ الآمالِ فيكم  ***  ولا تتفرّقوا شِيَعاً تَسُودُوا

فما عَرَفَ الكرامةَ مُستَكِينٌ  ***  تُحيطُ به المهانةُ والجمودُ

ومَنْ يَصْبِرْ على ضَيْمِ الليالي  ***  بِلاَ عَمَلٍ فَذَاكَ هو البليد

خُذُوا بالعزمِ فالدُّنيَا صراعٌ  ***  يفوز به القَويُّ، ولا أزيـدُ

 

فيا شبابَ الإسلام: لا تغتروا بمن يخادعكم ليستدرجَكم، ولا تعتبروا كلَّ من يُخالِفُكم في الرأي خصماً لكم، ولا كلّ من يُوافِقُكم في الرأي صديقاً لكم، إنما الحَكَمُ بيننا كتابُ الله وسنةُ رسوله -صلى الله عليه وسلم-...

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه...

 

 أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى.

 

معاشر الشباب: أتعلمون؛ لماذا نقول إنكم عمادُ الأمة؟.

 

إنكم -مع ما فيكم من القوةِ والجرأةِ والهِمَّةِ والإِبداع- تعرفون أموراً كثيرةً في شؤون المجتمع لا يعرفها الشيوخ، ولا حتى الكهول، وتعرفون ماذا يحتاج المجتمع، وأنتم أدرى بالأساليبِ التي تناسب أقرانكم، والطرقِ التي يُمكِنُ أن تنجحَ في قيادةِ أبناءِ الأمةِ إلى بحرِ الأمان.

 

أنتم تعرفون الصالح من أقرانكم وتعرفون الطالح، تعرفون المبدع الذي يمكن أن ينتفع به المجتمع، ويقودَ البلاد إلى التقدم والرقي والسيادة، وتعرفون من الذي يُشكِّل خطراً على البلاد والعباد، تعرفون المروِّجَ والمدمن، والضائع والتائه والحائر، تعرفون صاحب الأفكار البناءة وصاحب الأفكار الهدامة.

 

إذا لم تسعوا أنتم لإصلاح وطنكم وهدايةِ أمتكم فستجدونها عندما يتقدمُ بكم العُمُر قد توجهت إلى التردِّي إن لم يكن إلى الهاوية، نسأل الله السلامة والعافية والتوفيق لنا ولأمتنا ولبلادنا.

 

أيها الشباب: ضعوا أيديكم في أيدي الآباءِ والأساتذةِ والمصلحين الغيورين، استعينوا بخبراتهم، واستفيدوا من توجيهاتهم؛ لتتولوا زمامَ الأمورِ، وقيادةَ البلاد من بعدهم. وقد قيل: من لا يُدافعُ عن بلادِه صارَ أعداؤُهُ أسياده.

 

لقد جمعتم بين العلمِ الحديث، والتقنيةِ المتقدمة، فإذا أخذتم مع هذا الخبرة والاستشارة، سلكتم سبيل النجاح، وإن لم تفعلوا ذلك فستعضُّوا على أصابع الندم في يوم من الأيام، ولكن بعد فوات الأوان....

 

هذا وصلوا وسلموا على البشير النذير، والسراج المنير...

 

 

 

المرفقات

الذي نريده

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات