الشافِي -جل جلاله-

د عبدالله بن مشبب القحطاني

2021-02-23 - 1442/07/11
التصنيفات: التوحيد
عناصر الخطبة
1/حقيقة اسم الشافي ومعناه 2/في ظلال اسم الله الشافي 3/سؤال الشفاء من الشافي جل وعلا.

اقتباس

بِقَدْرِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى اللَّهِ، وَانْطِرَاحِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلُجُوئِهِ إِلَيْهِ؛ تَكُونُ الْإِجَابَةُ، وَيَأْتِي الْفَرَجُ، وَيُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ، وَمَا مِنَّا إِلَّا وَلَهُ تَجْرِبَةٌ مَعَ الْمَرَضِ، وَكَيْفَ أَنَّ الْمَرَضَ كَشَفَ ضَعْفَنَا، وَأَنَّهُ لَا حَوْلَ لَنَا وَلَا قُوَّةَ إِلَّا...

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللَّهِ: جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَادَ أَعْرَابِيًّا مَرِيضًا يَتَلَوَّى مِنْ شِدَّةِ الْحُمَّى؛ فَقَالَ لَهُ مُوَاسِيًا وَمُشَجِّعًا: "طَهُورٌ"؛ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُورِدُهُ الْقُبُورَ، قَالَ: "فَنَعَمْ إِذًا".

 

شِفَاءُ الْإِنْسَانِ أَوْ بَقَاؤُهُ عَلَى مَرَضِهِ غَالِبًا يَنْبُعُ مِنْ نَفْسِهِ وَحْدَهُ؛ فَإِذَا سَاوَرَتْنَا أَفْكَارٌ سَعِيدَةٌ كُنَّا سُعَدَاءَ، وَإِذَا تَمَلَّكَتْنَا أَفْكَارُ الشِّفَاءِ وَالتَّفَاؤُلِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ غَدَوْنَا بُرَآءَ، وَإِذَا تَغَلَّبَتْ عَلَيْنَا هَوَاجِسُ السَّقَمِ وَالْمَرَضِ فَالْأَغْلَبُ أَنْ نَبِيتَ مَرْضَى سُقَمَاءَ.

 

وَرَبُّنَا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فَتَحَ بَابَ الْأَمَلِ لِكُلِّ مَرِيضٍ، وَنَادَاهُ بِقَوْلِهِ: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)[الْأَعْرَافِ: 180].

 

وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى: "الشَّافِي"؛ فَتَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ بِهَذَا الِاسْمِ؛ حَتَّى تَقْرُبَ مِنْ مُرَادِكَ، وَتَنَالَ حَاجَتَكَ.

 

نَقِفُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ: "الشَّافِي" -جَلَّ وَعَلَا- لِنَغْسِلَ أَرْوَاحَنَا مِنْ أَوْجَاعِهَا وَأَتْعَابِهَا: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا أَتَى مَرِيضًا أَوْ أُتِيَ بِهِ إِلَيْهِ قَالَ: "أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا"(أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

 

وَالشِّفَاءُ فِي اللُّغَةِ هُوَ: الْبُرْءُ مِنَ الْمَرَضِ؛ فَرَبُّنَا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الَّذِي يَرْفَعُ الْبَأْسَ وَالْعِلَلَ، وَيَشْفِي الْعَلِيلَ بِالْأَسْبَابِ وَالْأَمَلِ، فَقَدْ يَبْرَأُ الْمَرِيضُ مَعَ انْعِدَامِ الدَّوَاءِ، وَقَدْ يَزُولُ الدَّاءُ بِلُزُومِ الدَّوَاءِ، وَتُرَتَّبُ عَلَيْهِ أَسْبَابُ الشِّفَاءِ، وَكِلَاهُمَا بِالنَّظَرِ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- سَوَاءٌ.

 

وَرَبُّنَا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- كَمَا يَشْفِي الْأَبْدَانَ مِنْ أَمْرَاضِهَا؛ كَذَلِكَ يَشْفِي الْقُلُوبَ مِنْ أَسْقَامِهَا، وَالصُّدُورَ مِنْ ضِيقِهَا، وَالنُّفُوسَ مِنْ عِلَلِهَا، فَاللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)[يُونُسَ: 57].

 

وَهُوَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يَشْفِي مَنْ يَشَاءُ، وَيَطْوِي عِلْمَ الشِّفَاءِ عَنِ الْأَطِبَّاءِ، إِذَا لَمْ يُقَدِّرِ الشِّفَاءَ.

 

وَهُوَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وَحْدَهُ الْمُتَفَرِّدُ بِالشِّفَاءِ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ فَلَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُهُ؛ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)[الشُّعَرَاءِ: 80]، وَكَمَا قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "... لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ"(أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ).

 

وَمِنْ كَرَمِ اللَّهِ الشَّافِي: أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً، صَحَّ عَنْهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَنَّهُ قَالَ: "يَا عِبَادَ اللَّهِ، تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَمُ"(حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

 

يَنْزِلُ بِالْمَرِيضِ الدَّاءُ، وَتُغْلَقُ أَبْوَابُ الشِّفَاءِ فِي وَجْهِهِ، وَتَضِيقُ عَلَيْهِ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَيَشْتَدُّ الْكَرْبُ، وَلَا يَجِدُ فِي الْمَخْلُوقِينَ مَلْجَأً وَلَا مَلَاذًا، وَحَالُهُ يَقُولُ:

لَقَدْ ضَعْضَعَتْنِي وَهْيَ سِرٌّ وَلَمْ يَكُنْ *** يُضَعْضِعُنِي صَرْفُ الزَّمَانِ إِذَا عَدَا

إِذَا مَا أَنَا أَسْنَدْتُ رَأْسِي إِلَى يَدِي *** رَمَتْنِي مِنْهَا بِالَّذِي يُوهِنُ الْيَدَا

إِذَا اللَّيْلُ أَعْيَاهُ مُسَاجَلَةُ الضُّحَى *** تَمَنَّى لَوْ أَنَّ الصُّبْحَ أَصْبَحَ أَسْوَدَا

 

وَهُنَا بِدَاعِي الْفِطْرَةِ فِي النُّفُوسِ يَلُوذُ الْمَرِيضُ بِاللَّهِ، وَيَنْطَرِحُ عَلَى أَعْتَابِهِ؛ (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ)[النَّحْلِ: 53]، وَيُنَادِي الْمُؤْمِنُ بِاسْمِ الشَّافِي: يَا شَافِي اشْفِنِي، يَا اللَّهُ اشْفِنِي.

 

وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ يَنْطَرِحُ عِنْدَ بَابِهِ يَرْجُو مِنْهُ الشِّفَاءَ؛ (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)[الزُّمَرِ: 49].

 

وَبَعْدَ إِلْحَاحٍ وَصَبْرٍ يَأْتِي الْفَرَجُ، وَيَأْذَنُ الشَّافِي -جَلَّ وَعَلَا- بِالشِّفَاءِ؛ (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)[النَّمْلِ: 62].

 

عَطَاؤُهُ مَمْنُوحٌ، وَكَرَمُهُ عَظِيمٌ، وَجُودُهُ كَبِيرٌ؛ فَإِذَا الْحَاجَةُ قُضِيَتْ، وَالدَّعَوَاتُ قُبِلَتْ، وَالرَّحْمَةُ نَزَلَتْ، وَالْمِحْنَةُ أُزِيلَتْ، وَالشِّفَاءُ دَبَّ.

 

وَكَمْ مِنْ مَرِيضٍ نَعَاهُ الطَّبِيبُ *** إِلَى نَفْسِهِ وَتَوَلَّى كَئِيبَا

فَمَاتَ الطَّبِيبُ وَعَاشَ الْمَرِيضُ *** فَأَضْحَى إِلَى النَّاسِ يَنْعَى الطَّبِيبَا

 

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَعْلَمُ أَنَّ زِمَامَ الْعَالَمِ بِيَدِ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وَأَنَّهُ هُوَ الشَّافِي، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَأَنَّ الْمَرَضَ مَا أُرْسِلَ إِلَّا لِخَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ الرَّحِيمُ؛ (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)[الْبَقَرَةِ: 216].

 

فَمَهْمَا اضْطَرَبَتِ الْأَحْدَاثُ وَتَقَلَّبَتِ الْأَحْوَالُ؛ فَلَنْ تَبُتَّ فِيهَا إِلَّا الْمَشِيئَةُ الْعُلْيَا؛ (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)[يُوسُفَ: 21]؛ فَتَجِدُ الْمُؤْمِنَ الْمَرِيضَ رَاضِيًا مُسَلِّمًا مُحْتَسِبًا بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّاءِ.

 

وَالْمُؤْمِنُ يَعْلَمُ: "أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ"؛ لِقَوْلِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)[التَّوْبَةِ: 51]، وَلِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "... وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ"(حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

 

مَرَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فَرَآهُ حَزِينًا كَئِيبًا، فَقَالَ لَهُ: "يَا عَدِيُّ، مَا لِي أَرَاكَ كَئِيبًا حَزِينًا؟ قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي وَقَدْ قُتِلَ أَبْنَائِي وَفُقِئَتْ عَيْنِي؟ فَقَالَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: يَا عَدِيُّ، إِنَّهُ مَنْ رَضِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ جَرَى عَلَيْهِ، وَكَانَ لَهُ أَجْرٌ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَاءِ اللَّهِ جَرَى عَلَيْهِ، وَحَبِطَ عَمَلُهُ".

 

وَيُرْوَى: "أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مَرَّ بِرَجُلٍ أَعْمَى أَبْرَصَ، مُقْعَدٍ، مَضْرُوبِ الْجَنْبَيْنِ بِفَالِجٍ "شَلَلٍ"، وَقَدْ تَنَاثَرَ لَحْمُهُ مِنَ الْجُذَامِ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَى بِهِ كَثِيرًا مِنْ خَلْقِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، أَيُّ شَيْءٍ مِنَ الْبَلَاءِ أَرَاهُ مَصْرُوفًا عَنْكَ؟! فَقَالَ: يَا رُوحَ الْقُدُسِ، أَنَا خَيْرٌ مِمَّنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ مَا جَعَلَ فِي قَلْبِي مِنْ مَعْرِفَتِهِ؛ فَقَالَ: صَدَقْتَ، هَاتِ يَدَكَ؛ فَنَاوَلَهُ يَدَهُ، فَأَبْرَأَهُ اللَّهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ، فَإِذَا هُوَ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَفْضَلُهُمْ هَيْئَةً".

 

قَالَ الْعُلَمَاءُ: "بِقَدْرِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى اللَّهِ، وَانْطِرَاحِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلُجُوئِهِ إِلَيْهِ؛ تَكُونُ الْإِجَابَةُ، وَيَأْتِي الْفَرَجُ، وَيُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ، وَمَا مِنَّا إِلَّا وَلَهُ تَجْرِبَةٌ مَعَ الْمَرَضِ، وَكَيْفَ أَنَّ الْمَرَضَ كَشَفَ ضَعْفَنَا، وَأَنَّهُ لَا حَوْلَ لَنَا وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَلَمَّا كَشَفَ عَنَّا وَزَالَ مَا بِنَا مِنْ دَاءٍ"؛ صَارَ حَالُنَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

نَحْنُ نَدْعُو الْإِلَهَ فِي كُلِّ كَرْبٍ *** ثُمَّ نَنْسَاهُ عِنْدَ كَشْفِ الْكُرُوبِ

كَيْفَ نَرْجُو إِجَابَةً لِدُعَاءٍ *** قَدْ سَدَدْنَا طَرِيقَهَا بِالذُّنُوبِ

 

فَشَأْنُنَا مَعَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- عَجِيبٌ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ

 

يَا عَبْدَ اللَّهِ: إِذَا بُلِيتَ بِالْمَرَضِ فَاعْلَمْ؛ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الشَّافِي، وَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ؛ فَإِنْ ظَنَنْتَ أَنَّ مَرَضَكَ لَيْسَ لَهُ شِفَاءٌ؛ فَقَدْ أَسَأْتَ الظَّنَّ بِاللَّهِ! فَقَطْ أَقْبِلْ عَلَيْهِ بِحُسْنِ الظَّنِّ وَصِدْقِ الِالْتِجَاءِ، وَاصْبِرْ مُحْتَسِبًا وَتَصَدَّقْ، وَأَلِحَّ عَلَيْهِ فِي الدُّعَاءِ: يَا شَافِي اشْفِنِي! فَهُوَ الْحَقُّ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)[غَافِرٍ: 60]؟ وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ"(حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وَاللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- قَالَ: (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)[النَّمْلِ: 62].

 

وَعِنْدَمَا تَكُونُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ فَقَدْ تَكَرَّمَ عَلَيْكَ مَوْلَاكَ بِعَظِيمِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ؛ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا"(أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَمُسْلِمٌ).

 

ثُمَّ تَعَزَّ بِأَهْلِ الْبَلَاءِ؛ فَفِي كُلِّ دَارٍ نَائِحَةٌ، وَعَلَى كُلِّ خَدٍّ دَمْعٌ، وَفِي كُلِّ وَادٍ بَنُو سَعْدٍ؛ كَمْ مِنَ الْمَصَائِبِ، وَكَمْ مِنَ الصَّابِرِينَ؟! فَلَسْتَ وَحْدَكَ الْمُصَابَ، بَلْ مُصَابُكَ أَنْتَ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِكَ قَلِيلٌ.

 

كَمْ مِنْ مَرِيضٍ عَلَى سَرِيرِهِ مِنْ أَعْوَامٍ؟! يَتَقَلَّبُ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، يَئِنُّ مِنَ الْأَلَمِ، وَيَصِيحُ مِنَ السَّقَمِ.

 

وَتَذَكَّرْ أَنَّ هَذِهِ الْحَيَاةَ سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَدَارٌ لِلْأَحْزَانِ وَالنَّكَبَاتِ، فِيهَا تُصْبِحُ الْقُصُورُ حَافِلَةً بِأَهْلِهَا، وَتُمْسِي خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا؛ (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ)[الْبَلَدِ: 4].

 

اقْبَلْ دُنْيَاكَ كَمَا هِيَ، وَطَوِّعْ نَفْسَكَ لِمُعَايَشَتِهَا؛ فَإِنَّهَا جُبِلَتْ عَلَى كَدَرٍ، وَالْكَمَالُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهَا، وَلَوْلَا مَرَارَةُ الْمَرَضِ مَا عُرِفَتْ نِعْمَةُ الصِّحَّةِ.

 

وَلَكَ فِي أَيُّوبَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.

 

قُلْ لِلطَّبِيبِ تَخَطَّفَتْهُ يَدُ الرَّدَى: *** مَنْ يَا طَبِيبُ بِطَبِّهِ أَرْدَاكَا

قُلْ لِلْمَرِيضِ شُفِيَ وَعُوفِيَ بَعْدَمَا *** عَجَزَتْ فُنُونُ الطِّبِّ: مَنْ عَافَاكَا

 

إِنَّهُ الرَّحِيمُ الشَّافِي الْمُعَافِي؛ (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)[الشُّعَرَاءِ: 80].

 

اللَّهُمَّ اشْفِنَا وَاشْفِ مَرْضَى الْمُسْلِمِينَ.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالسَّدَادَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعِفَّةَ وَالْغِنَى، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ؛ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ؛ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، وَأَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لَنَا خَيْرًا.

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَأَخْرِجْنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّاتِنَا، وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّتِنَا وَأَمْوَالِنَا، وَاجْعَلْنَا مُبَارَكِينَ أَيْنَمَا كُنَّا.

 

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

المرفقات

rZJPsMVB1ua5e4Z1rmBMJIyb4qb8EPo7xV96vx7c.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات