السنّة النبويّة أو الفوضى الدينيّة

د نبيل أحمد بلهي

2023-01-24 - 1444/07/02
التصنيفات: مقالات في الوعي

اقتباس

البديل عن السنة النبوية، بعد إلغاء دورها، هو اتباع الأهواء البشرية، التي يتصورها البعض أنها مصالح ومقاصد شرعية، فالمسلم المعاصر مخيَّرٌ بين أمرين: إمَّا الإيمان بحجية السنة والعمل بمقتضاها، وإما اتباع أهواء البشر وأذواقهم المتغيرة بتغيُّر...

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:

 

فإنَّ من واجب العصر حراسة الثوابت، وإعادة تقرير المحكمات الدينية، بطرق ومسالك جديدة تجمع بين حجَّة النقل، وحجَّة العقل، وشهادة الواقع، فما نشاهده في واقعنا من هجماتٍ على السنَّة النبوية بُغْيَة إسقاطها، يحتاج منَّا إلى تقرير حجِّية السنَّة النبوية، وبيان ضرورتها، بخطاب موجَّهٍ لعقل الإنسان ووجدانه، ليزداد المؤمنون إيمانًا بعظمتها، ولا يرتاب بعض الذين في قلوبهم شكٌّ في مكانتها من التشريع، وذلك ببيَان اللَّوازم الباطلة لتَبَنِّي مذهب إنكار حجيَّة السنة النبوية، وكونه مذهبًا غير قابلٍ للتطبيق، وهذا المسلك في الاستدلال ليس زُهدًا في أدلَّة القرآن والسنَّة؛ ولكنَّه أسلوبٌ عقليٌّ إلزاميٌّ قد يُحتاج إليه في بعض المواضع مع بعض الفئات، وقد استعمله القرآن الكريم في إثبات وحدانية الله، وبطلان احتمال وجود شريكٍ له، لما فيه من لوازم متناقضة، وفساد نظامِ الكون، وذلك في قوله تعالى: (لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ ‌لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ)[الأنبياء: ٢٢].

 

وبناءً على هذا، أحاول في هذا البحث الكشف لذوي الحِجَى، وأصحاب العقول النيِّرة، أنَّ إنكار حجيَّة السنة النبوية، والاقتصار على القرآن الكريم فقطْ، خطأٌ منهجيٌّ فادح، ومكابرةٌ علميةٌ واضحة، لا تسلَمْ من متناقضات تأباها العقول السليمة؛ فإهدار حجية السنَّة النبوية في التشريع، ما هو إلا رَدَّةُ فعلٍ قَلِقَةٌ، وقرارٌ مستعجل للفِرَار من مفسدة مُتَوَهَّمة، للوقوع في مفسدةٍ محقَّقَةٍ هي أعظم بكثير مِمَّا يخشاه أصحاب هذا الرأي، ألا وهي: مفسدة الفوضى الدينية، والدخول في التأويلات اللَّامتناهية، التي تفضي إلى إسقاط قداسة القرآن، ودين الإسلام.

 

ومن أجل توضيح اللَّوازم الباطلة المترتِّبَة على إنكار حجية السنة النبوية، أدعو القارئ المنْصِفَ، إلى التأمُّل في مآلات تَبَنِّي هذه الفكرة، وآثار ذلك على القرآن وأصول الإسلام، بل وعلى العقل العلميِّ السليم، الذي يستشْرِفُ مستقبل الأفكار، وإمكانية تطبيقها واقعًا.

 

 ويمكننا تلخيص ذلك في وجوه هي:

(الوجه الأول) من المتقَرِّرِ عند الجميع- بما فيهم منكرو حجيَّة السنَّة- أنَّ القرآن الكريم حقٌّ، وأنَّه أصلٌ في العقائد والأحكام، وأنَّه أُنْزِلَ لهداية الناس في أمور دينهم ودنياهم، وقد عمل المسلمون بمقتضاه لقرونٍ متطاوِلة، مستعينين بفهم النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام لهذا التنزيل، أمَّا على مذهب من ينكر السنة النبوية بدعوى أنها ظنِّية الثبوت يشوبها كثير من الشكوك، فهؤلاء يتعاملون مع القرآن الكريم مباشرًة دون الرجوع إلى فهم النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة الكرام، فنتجتْ عن ذلك أخطاء علمية فادحة، من بينها:

١) هرب هؤلاء من ظنِّية ثبوت الأحاديث النبوية فوقعوا فيما هو شَرٌّ منه، وهو ظنِّية الاجتهاد في تفسير القرآن، وعند المقارنة نجد التفسير التراثي للقرآن أضبط وأقوم من اعتماد المعاصرين على رأيهم في تأويل القرآن، وهو الشيء الذي تَنَبَّهَ له السلف الصالح في مناظرتهم لمنكريِّ حجيَّة الأخبار، قال رجل لمطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير: "لا تحدِّثونا إلا بالقرآن، فقال له مُطَرَّف: والله ما نريد بالقرآن بدلًا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن مِنَّا"(1)

ووقع لعمران بن حصين مثل هذا؛ فعن أبي نضرة قال: كُنَّا عند عمران بن حصين -رضي الله عنه- فجعل يحدِّثنا، فقال رجل: حدِّثنا عن كتاب الله، فغضب عمران وقال: "إنَّك أحمقٌ، ذَكَرَ الله الزكاة في كتابه، فأينَ في مئتين خمسة دراهم؟ وذكر الله الصلاة في كتابه، فأين الظهر والعصر أربعًا -حتى أتى على الصلوات-؟ ذكر الله الطواف في كتابه، فأين بالبيت سبعًا، وبالصفا والمروة سبعاً؟ إنَّما يَحْكُمُ ما هناك، وتفسِّرُه السُنَّة"(٢).

 

والشاهد من هذا أنَّ ما تقدِّمه الأحاديث النبوية من تفسير منضبطٍ للقرآن، هو أحسن بكثير من تلك الآراء التي نجدها عند من يحاول فهم القرآن باستبعاد السنَّة، وعليه فإنَّ من يدعو إلى استبعاد حجية السنَّة لم يأت ببديل منضبطٍ، بل جاء بفوضى التأويل، وهذا لا يستقيم علميًّا.

 

٢) هرب هؤلاء من ظنِّية ثبوت الأحاديث طلبًا لليقين على حدِّ قولهم، فاعتمدوا في فهم القرآن الكريم على اللغة العربية، التي يعرفون بعض معانيها، ونسي هؤلاء أنَّ معاني اللُّغة العربية نُقِلَتْ بالطريقة نفسها التي نُقِلَتْ بها الأحاديث -وهي الرِّواية الشفوية-، إلا أنَّ حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- بُذِلَت في توثيقه جهودٌ جبارة، لا تقارن بجهود اللغويين في المحافظة على لغة العرب.

 

فمن التناقض المنهجي الاعتماد على اللغة في فهم القرآن وهي ظنِّية، وترك الأحاديث النبوية الواردة في تفسيرها وهي غاية في الدقَّة من جهة نقلها وثبوتها، وقد أشار إلى هذا ابن قيم الجوزية، حين قال: "فإذا كانتْ ‌أخبار ‌رسول ‌الله -عليه الصلاة والسلام- لا تفيد علمًا فجميع ما يذكره هؤلاء من اللغة والشعر الذي يحرِّفُون به القرآن والسنن أولى وأحرى أن لا يفيد علمًا ولا ظنًّا"(٣).

 

٣) إقصاءُ السنة النبوية من دائرة الاحتجاج أوقع المنكرين في فوضى تأويلية لنصوص القرآن الكريم لا زمام لها ولا خطام، فَعِوَض أن يأتي المنكرون للسنَّة ببديل منسجِمٍ لفهم القرآن دون الرجوع إلى السنة النبوية، إذا هم يقعون فيما هو شرٌّ، وهو تعدُّد الفهوم غير المنضبطة للنصِّ القرآني، ودخولهم في فوضى التأويل، مستعينين بالنظريات الألسنية الحديثة في قراءة النصوص مثل (التاريخية، البنيوية، التفكيكية) التي أدَّت إلى -ما يسمى عندهم- (تفجير النص)، وبعثَرَتْ معانيه في تأويلات لا نهاية لها، وكلُّها حقٌّ عند القوم!

 

وبسبب هذا المسلك ظهرتْ عند هؤلاء تفسيرات عجيبة غريبة تناقض ما هو معلوم من الدِّين بالضرورة، كالقول بأن القرآن لم يحرِّم الزِّنا برضا الطَّرفين(٤)، وأن العلاقة الجنسية بين غير المتزوجين إذا كانت برضى الطرفين فهي ملك لليمين الذي أباحه القرآن(٦)، وأنَّ الصلاة المفروضة ثلاثة فقط(٥)، ونحوها من الانحرافات، فَعِوَض أن يعطينا أصحاب هذا المسلك بديلًا عن فهم القرآن في ضوء السنَّة وآثار السلف، إذا بهم ينتجون لنا آلاف النسخ من القرآن الكريم، كلُّ نسخة تعبِّر عن الفهم الخاص لصاحبها، فضاع القرآن عندهم بتضييع السنَّة الشارحة له، لذلك أكَّد القرآن أنَّ السنة هي البيان الذي يَقِي من عبث التأويل؛ فقال: (وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ ‌لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ)[النحل: ٤٤].

 

من أجل هذا نستطيع أن نقول إنَّ مسلك إنكار السنن مقترنٌ بالشذوذ في الآراء والتفسيرات والتطبيقات، لذلك لم يقل به من المتقدمين إلا طائفة من الخوارج الغُلاة، فأدَّاهم ذلك إلى استحلال دماء المسلمين، والخروج عن جماعتهم، واستغلال النصوص القرآنية لتسويغ غلوِّهِم، الذي يُسمَّى بلغتنا المعاصرة (تَطَرُّفًا). وهذا هو مآل كُلِّ من أسقط حجيَّة السنَّة النبوية وادَّعى التمسك بالقرآن وحده، يقول أبو إسحاق الشاطبي في هذا الصدد: "الاقتصار على الكتاب رأيُ قومٍ لا خلاق لهم، خارجين عن السنَّة؛ إذ عوَّلُوا على ما بَنَيْتُ عليه، من أنَّ الكتاب فيه بيان كلِّ شيء، فاطَّرحوا أحكام السنَّة، فأدَّاهم ذلك إلى الانخلاع عن الجماعة، وتأويل القرآن على غير ما أنزل الله"(٧).

 

فإنكار السنة النبوية وإزاحتها، يفتح الباب واسعًا أمام الأفكار المنحرفة (المتطرِّفة) لتجد مستندًا لها في ظواهر بعض آيِ القرآن الكريم، بينما التصديق بالتفسير النبوي، والالتزام بالهدي المحمَّدي، هو صِمَام أمان المجتمعات أمام الأفكار المنحرفة التي تهدِّدُ نسيج المجتمع.

 

(الوجه الثاني) السنَّة النبوية القولية والعملية تمثِّل الفهم السليم، والتطبيق العمليَّ للإسلام الذي توارثه المسلمون، فاستقام لهم أمر دينهم بالتزامه؛ بينما منكرو السنَّة النبوية يُحِيلون الناس على تطبيقات مُضْطَربة غير منسجمة، بل أحيانًا مضحكة للعقول، وهذه عاقبة كلِّ من ردَّ الوحي بالعقل، كما قال ابن القيم -رحمه الله-: "ما عارض أحدٌ الوحي بعقله إلا أفسد الله عليه عقله، حتى يقول ما يضحك ‌منه ‌العقلاء"(٨).

 

قد تنبَّه الصحابة الكرام مبكِّرًا إلى عدم وجود بديلٍ تطبيقيٍّ منسجمٍ عن العمل بالسنة النبوية؛ فالمسلم مطالَبٌ بعبادات كثيرة ليس لها تفصيل في كتاب الله، ولو أُوكل تفصيلها لاجتهادات الناس لعمَّتْ الفوضى في العبادات، وهذا منافٍ تمامًا للمقصد العام من الشرع، وهو الاجتماع في الدِّين وعدم التفرُّق فيه، الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله: (أَنۡ ‌أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ)[الشورى: ١٣].

فعن الحسن قال: بينما عمران بن حصين يحدِّث عن سنَّة نَبِيِّنا -صلى الله عليه وسلم-  إذ قال له رجل: يا أبا نُجَيْد حَدِّثْنَا بالقرآن فقال له عمران: أنتَ وأصحابك يقرؤون القرآن؛ أكنت مُحَدِّثِي عن الصلاة وما فيها وحدودها؟ أكنتَ مُحَدِّثِي عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال؟ ولكن قد شَهِدْتُ وغِبْتَ أنت، ثم قال: فرض علينا رسول الله -عليه الصلاة والسلام- في الزكاة كذا وكذا. وقال الرجل: أَحْيَيْتَنِي أحياك الله، قال الحسن: فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين(٩).

 

فالملاحظ على جواب عمران بن حصين -رضي الله عنه-، أنَّه ردَّ على السائل بلوازم قوله الباطل، والتي تطال أهمَّ أركان الإسلام، فتنبَّه السائل إلى المآلات الشنيعة لقوله، وأبصر بعد العمى، فصار من فقهاء المسلمين.

 

والواقع أكبر دليل على الفوضى التي يورثها مذهب إنكار حجية السنة النبوية، فقد رأينا في تقريراتهم حول العبادات وأركان الإسلام الأخرى، ما تَنْفُرُ منه الطِّباع السليمة، وتدفعه العقول القويمة، وهذا يزيد تأكيدًا أنَّه لا بديل عن السنة النبوية إلا الفوضى الدينية، وضرب وحدة المسلمين واجتماعهم في الدِّين.

فهذه الصلاة مثلا -وهي عمود الدين- التي من أقامها فقد أقام الدِّين، ومن ضيَّعَها فقد ضيَّع دينه، لما أراد بعض الناس تطبيقها عمليًّا دون الرجوع إلى السنَّة النبوية، وقعوا في اختلاف مريب، وجاؤوا بتطبيقات تضحِكُ عليهم العقول.

 

فزعم بعضهم أنَّه لا أذان للصلاة؛ لأنَّه لم يرد في القرآن- مع أنَّ الأذان منقول نقل التواتر العملي-، ثم اختلفوا في عدد الصلوات المفروضة فمنهم من قال: هي خمسة، ومنهم من قال: هي ثلاثة، متأوِّلًا قول الله -تعالى-: (وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ ‌طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ)[هود: ١١٤]، ثم تكبيرة الإحرام عند بعضهم هي: (إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ ‌عَلِيّاً ‌كَبِيراً)[النساء: ٣٤]، وعند البعض الآخر بلفظ: (وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ‌ٱلۡعَلِيُّ ‌ٱلۡكَبِيرُ)[الحج: ٦٢]، وأمَّا الركوع فلا ركوع في الصلاة عندهم؛ لأنَّه خلاف أمر القرآن فينبغي الذهاب للسجود مباشرة دون الرفع منه، وأمَّا السجود فهو عند بعضهم سجدة واحدة، ولا يكون على الجبهة كما هو مُجْمَعٌ عليه عند المسلمين، بل يكون على الأذقان، وتأوَّلُوا في ذلك قوله -تعالى-: (وَيَخِرُّونَ ‌لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعاً)[الإسراء: ١٠٩]، ولك أن تتخيَّل أيها القارئ هيئة المتعبِّد الساجد على ذقنه كيف تكون!(١٠).

 

هذا نزرٌ يسير من الخلافات الهائلة في صفة صلاة واحدة، فما بالك ببقيَّة الصلوات، وبقيَّة أركان الإسلام، بل وصل الأمر ببعض النُّكْرَانيين المعاصرين إلى القول بأنَّ الصلاة الواجبة هي مطلق الصِّلَة بالله، فكلُّ داع لله -عزَّ وجل- مُتَعَبِّد له بالتأمُّل والمناجاة، قد أدَّى الصلاة المفروضة، ولو لم يسجدْ لله سجدة!

هذا من جهة، ومن جهة أخرى لو تصوَّرنا جدلًا أنَّ الله سبحانه جعل القرآن الكريم وحده هو الحجَّة الملزِمة، دون تفسيره وهو: السنة النبوية العملية، لكان بذلك قد كلَّف عباده بما لا يستطيعون تطبيقه، فالأمر بالزكاة مع عدم بيان تفاصيل أحكامها، والأمر بالحجِّ مع عدم بيان تفاصيله، تكليفٌ بغير مستطاع، والله -تعالى- يقول: (لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا ‌إِلَّا ‌وُسۡعَهَاۚ)[البقرة: ٢٨٦].

 لذلك يقول ابن القيِّم -رحمه الله-: "فإنَّ السنَّة تجري مجرى تفسير الكتاب وبيان المراد، فهي التي تعرِّفُنَا مراد الله من كتابه، فلو جاز أن تكون كَذِبًا وغلطًا لبطلَتْ حجَّة الله على العباد"(١١).

 

وتاريخ الأديان يشهد أنَّ الكتب المقدَّسة السابقة (كالتوراة والإنجيل) أنزل الله معها ما يفسِّرها ويسهِّل العمل بها(١٢)، وهذا لا ينقص من قداسة هذه الكتب شيئا، وكذلك القرآن هو كامل محكم مفصَّل بذاته، وإنزال وحي آخر يفصل بعض مجمله لا ينقص من قدره شيئا، وها هي دساتير العالم وقوانينها العامة، تحتاج إلى لوائح وبنود ومراسيم تنفيذية مفصَّلة، تبيِّن طريقة العمل بنصوص القوانين العامَّة، ولا ينكر هذا الأمر عاقل.

 

(الوجه الثالث) البديل عن السنة النبوية، بعد إلغاء دورها، هو اتباع الأهواء البشرية، التي يتصورها البعض أنها مصالح ومقاصد شرعية، فالمسلم المعاصر مخيَّرٌ بين أمرين: إمَّا الإيمان بحجية السنة والعمل بمقتضاها، وإما اتباع أهواء البشر وأذواقهم المتغيرة بتغيُّر الزمان والمكان، والعاقل يبني دينَه على أصلٍ ثابت لا على ذوق متغيِّر.

 

وقد قرَّر القرآن الكريم هذه الحقيقة من قبل، حيث بيَّن أنَّه لا مفر لمن عصى الرسول e  إلا الارتماء في أحضان الهوى، قال الله -تعالى-: (فَإِن لَّمۡ ‌يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ)[القصص: ٥٠]؛ فالمعرض عن التفسير والتطبيق النبوي للقرآن سيقع لا محالة أسيرًا لأهوائه، يقول ابن القيِّم: "فقسَّم الناس إلى مستجيبين للرسول، ومتبعٍ هواه؛ فمن ترك استجابته إذا ظهرت له سنَّة وعدل عنها إلى خلافها فقد اتَّبَع هواه"(١٣).

 

ومن أجل مخالفة الهوى بعث الله الرسل بالتكاليف التي تستثقلها النفوس، لما فيها من مصلحة العاجل والآجل، وتأمَّل قول الشاطبي – رحمه الله- "لا بُدَّ للعمل من حامِلٍ يحمل عليه، وداع يدعو إليه، فإذا لم يكن لتلبية الشارع في ذلك مدخلٌ، فليس إلَّا مقتضى الهوى والشهوة، وما كان كذلك، فهو باطل بإطلاق"(٩).

 

والواقع خير دليل على ذلك، فقد رأينا بعض من سلك مسلك إنكار حجيَّة السنة يستبيح الشهوات المحرمات المجمع على تحريمها، ولو تُرِكَ أمر الدِّين لهؤلاء لفسَدَتْ معايش الناس، وضاعت مصالحهم الدينية والدنيوية، والله -تعالى- يقول: (وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ ‌لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ)[المؤمنون: ٧١].

 

وقد تفطَّن سلفنا الصالح -من قديم- إلى أنَّ البديل عن البيان النبوي للقرآن هو اتباع الهوى في تأويل القرآن، فقد أخرج ابن بطة العكبري بإسناده إلى عبد الله بن الزبير، قال: "لقيني ناسٌ من أهل العراق فخاصموني في القرآن فو الله ما استطعت بعض الردِّ عليهم، وهِبْتُ المراجعة في القرآن، فشكوْتُ ذلك إلى أبي الزبير، فقال الزبير: إنَّ القرآن قد قرأه كلُّ قوم فتأوَّلُوه على أهوائهم، وأخطئوا مواضعه ، فإن رجعوا إليك ، فخاصمهم بسنن أبي بكر وعمر رحمهما الله ، فإنهم لا يجحدون أنهما ‌أعلم ‌بالقرآن منهم، فلمَّا رجعوا، خَاصَمْتُهُمْ بسنن أبي بكر وعمر، فو الله ما قاموا معي، ولا قعدوا"(١٠).

والشاهد من هذا أن الزبير بن العوام بيَّن عاقبة الإعراض عن السنن التي نقلها الصحابة، وهي تأول القرآن لموافقة الهوى.

فهناك تلازم واضح بين الإعراض عن السنة النبوية وترك الاحتجاج بها، واتباع الهوى، فكل من أنكر حجية السنة النبوية التي تمثل الفهم الصحيح للإسلام، سيستبدلها بما تهواه نفسه، شَعَرَ بذلك أمْ لم يشعر، ثم يتأوَّل القرآن على مراده، لذلك توارد العلماء على تسمية من أعرض عن السنن بأهل الأهواء، يقول تقيُّ الدين ابن تيمية: "ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة من العلماء والعبَّاد يُجْعَلُ من أهل الأهواء؛ كما كان السلف يسمُّونهم أهل الأهواء، وذلك أنَّ كل من لم يَتَّبِع العلم فقد اتَّبع هواه، والعلم بالدين لا يكون إلا بهدى الله الذي بعث به رسوله"(١٦).

 

(الوجه الرابع) من لوازم هذا القول المتناقض اتِّهام أجيال كاملة من الصحابة والتابعين والأئمة المرضيِّين، بعدم النصح لكتاب الله، وتعمُّد مشاقَّة أحكام القرآن، فقد نُقِلَ عنهم بالتواتر الاعتراف بحجيَّة السنة النبوية والعمل بها، والاحتجاج بها في العقائد والأحكام، ولا زال القضاء في الدماء والفروج والأموال مبنِيًّا على الأحاديث النبوية في سائر العصور، فالحكم بضلال جميع هؤلاء من أبطل الباطل.

 

وقد أشار إلى شيءٍ من هذا ابن قيم الجوزية حين بيَّن أن التكذيب بأخبار الآحاد: "تكذيبٌ لجميع الصحابة ولجميع فضلاء التابعين، ولكلِّ إنسان من علماء المسلمين جيلًا بعد جيل؛ لأنَّ كل من ذكرنا رَوَوا الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلا شك واحتج بها بعضهم على بعض، وعملوا بها، وأفتوا بها في دين الله، وهذا إطِّراح للإجماع المتيقَّن، وباطل لا تختلف النفوس فيه؛ لأن بالضرورة يعلم أنه لا يمكن أن يكون كلُّ من ذكرنا لم يصدق في كلمة بل كلهم كذبوا ووضعوا كل ما رووا"(١٧).

 

وكذلك ألزم عثمان بن سعيد الدارمي الجهمية في عصره الذين أنكروا أحاديث الصفات، بأن الصحابة والتابعون رووها واحتجُّوا بها، والظنُّ بهم أنهم لا يخونون دينهم وأماناتهم، وسيرتهم شاهدة على ذلك، يقول الدارمي: "ولو كانتْ هذه الروايات عنهم من سيئ الأعمال -كما ادَّعَيْت عليهم- ما صنَّفوها ونقلوها إلى الأنام، ولا دَعَوْهُم إلى استعمالها والأخذ بها، فَيُشْرِكُوهُم في إِثْمٍ مَا وقعوا فيه، ومن يظنُّ بهم ذلك إلا جاهل مثلك" (١٨).

 

والمقصود من هذا كلِّه أنَّ إنكار حجية السنة النبوية فكرة متناقضة غير قابلة للتطبيق عمليًّا، فلا يمكن أن يكون الرجل مسلمًا مع إنكاره السنة النبوية -ولو حاول ذلك-، ولم يأت من تبنَّى هذه الفكرة الشاذَّة ببديل مقنعٍ عن السنة النبوية أثناء تعامله مع القرآن الكريم، وتطبيقه لأصول الإسلام، بل فتح الباب واسعا أمام التأويلات المستغربة، والأهواء الممقوتة، ولا نرى لمن أنكر السنة النبوية أفقًا، ولا مستقبلا، سوى الفوضى الدينية، التي تسلب الاطمئنان، وتضعف اليقين بأصل الدين، فخيرٌ لعقلاء المسلمين الاقرار بحجية السنة النبوية والالتزام بها، فإنَّ في ذلك صلاح الأمَّة، واستقامة أمر دينها ودنياها.

 

وصلى الله على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
زائر
27-01-2023

بارك الله فيك ، مقال طيب نافع