السجين والمجتمع

سليمان الحربي

2025-01-10 - 1446/07/10 2025-01-29 - 1446/07/29
عناصر الخطبة
1/نظام الحبس في الإسلام 2/حِكمة مشروعية السجن 3/تطهير المجرم وتكفير ذنوبه 4/حقوق السجين المُفرَج عنه 5/من أعظم حقوق السجين على أهله 6/وجوب إعانة أُسَر السجناء.

اقتباس

ومن أعظم حقوق السجين: متابعةُ أهله وأولاده، وأن تُقضَي حاجاتهم وتُسهّل أمورهم، بل لهم حق في الضمان الاجتماعي، فيصرف لكل عائلة سجين مبلغ من المال لأهله وولده، وكذلك المجتمع لا بد أن يساهم في إعانة أُسَر السجناء؛ فإنهم في حكم الأيتام....

الخطبةُ الأولَى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره، إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ -عبادَ الله-؛ (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)[الطلاق: 2، 3].

 

معشرَ الإخوة: إن شريعةَ الإسلام جاءت موافقة لطبيعة خَلق الله لها؛ جاءت لتحرِّرَ الإنسانَ من رِقِّ النفوس والأهواء وتَكْبَح جِمَاحَ الجهل والظلم والطغيان الذي هو طبع النفوس ودَيْدَنُهَا، وإن من أعظم ما جاءت به الشريعة هو نظام الحبس في الإسلام، وقد روى أبو داود بإسناد جيد، عن معاوية بن حَيْدَة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ.(أخرجه أبو داود: 3632).

 

 وروى البخاري في صحيحه مُعَلَّقًا، أن نافع بن الحارث، وكان عاملًا لعمر بن الخطاب في مكة، اشترى دارًا للسجن.(صحيح البخاري 2/853). وكذلك مضى الأمر في خلافة عثمان وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهم-.

 

وحِكمة مشروعية السجن ظاهرةٌ، وفائدته راجعةٌ للسجين وللمجتمع؛ أما المجتمع فإن السجن يمنع المجرمَ من تَسَلُّطِهِ على الناس وظلمهم، ويردعه عن إلحاق الضرر بهم، فهو تخويف وعقوبة؛ لكي يعيش الناس آمنين مطمئنين. ومن المعلوم أن السجن عذاب تَصْطَلِيهِ الأنفس ولا تتحمله، وتأمل قول امرأة العزيز: (مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[يوسف:25]؛ فجعلت السجن والعذاب الأليم عقوبةً يُرْدَعَ بها ويُهدَّد بها.

 

ولهذا جاء في الصحيحين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ"(صحيح البخاري 3207).

قال القرطبي -رحمه الله-: "يعني به الداعي الذي دعاه إلى الخروج من السجن، وهو المذكور في قوله -تعالى-: (فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)[يوسف:50]، يصف يوسف -عليه السلام-بالتثبت والصبر على المحنة، وأنه أقام في السجن والتضييق عليه مدةً طويلة، والنفوس متشوقة إلى الخروج من الضيق، والحبس الطويل، لا سيما إذا بُشِّرَ بالتخلص، ودُعِيَ إليه.

 

فمقتضى الطبع: المبادرة إلى أول دعوة، والانفلات بمرة، لكنه لما جاءه الداعي لم يبادر لإجابته، ولا استخفه الفرح بالتخلص من محنته، لكنه سكن وثبت إلى أن ظهرت براءته وعُلمت منزلته.

 

ثم "إن نبينا -صلى الله عليه وسلم- تأدَّب معه غايةَ الأدب، واعترف له بأنه من التثبت والصبر في أعلى الرتب، وحَمِده على ذلك، وقدَّر أنه: لو امتُحن بذلك لبادر إلى التخلص من ذلك لأول داعٍ، هذا مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أُعطي من التثبت في الأمور، والصبر على المكاره الحظَّ الأوفر، والنصيب الأكبر، لكنه تواضع لله، وتأدب مع أخيه نبي الله"(المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: 23/142).

 

وأمَّا السجنُ بالنسبة للسجين ففيه ملحظٌ قل أن يُنتبه له؛ ألا وهو تطهير المجرم وتكفير ذنوبه، ووقايته من عذاب الآخرة إذا تاب وعزم على عدم الرجوع لجنحته، سواء كانت في حقِّ الله أو حقِّ العباد، وكذلك هو تأديب للمسجون يعتزل فيه الصُّحْبة السيئة، ويراجع فيه نفسه ومسير حياته.

 

فالسجن وسيلة استصلاحٍ وتأهيلٍ لإعادةِ ترتيب نفسه وطريقة حياته وعيشه، إلا أن من أعظم وسائل استصلاحه هو أهله ومجتمعه، فهذا السجين أخ لنا وبيننا روابط الأخوة، فمن حقه علينا الوقوفُ معه عند خروجه وإحسانُ الظن به، ورؤية الجوانب الإيجابية فيه وتعزيزها.

 

كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع من اقترف ما يوجب العقوبةP ففي الحديث الذي رواه البخاريُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النبي -صلى الله عليه وسلم- كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ: وَكَانَ النبي -صلى الله عليه وسلم- قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! فَقَالَ النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلمتُ إلا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه"(صحيح البخاري 6398).

 

فانظر إلى عِظَم الجُرم، وانظر إلى عظم التزكية، فلم تمنعه هذه التزكية من العقوبة، ولم تمنعه العقوبة من هذه التزكية.

 

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلموا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلم يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين) [آل عمران: 135- 136].

 

بَاركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونَفَعني وإياكُم بما فيه من الآياتِ والذِّكر الحكيم، أقولُ ما سَمِعْتُم، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائِرِ المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى جنته ورضوانه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه وأعوانه.

 

أمَّا بَعْدُ: معشرَ الإخوة: إن السجين حينما يخذله أقاربه ومجتمعه، فسَيحتويه ويُؤْوِيه رفقاءُ السوءِ، فأيُّ جُرمٍ يرتكبه المجتمع والأقارب حينما يتسببون بإرغام هذا السجين إلى طريق الفساد والجريمة، بسبب نظرة المجتمع وخِذلانه؟!

 

والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول كما في صحيح مسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. المسْلم أَخُو المسْلم لاَ يَظْلمهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَا هُنَا". وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ "بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المسْلم كُلُّ المسْلم عَلَى المسْلم حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ"(صحيح البخاري 2564).

 

 فالتخلي عنه إعانةٌ للشيطان عليه، وجاء في صحيح البخاري، واللفظ لأحمد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، فَقَالَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اضْرِبُوهُ". قَالَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَمِنَّا الضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلما انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللهُ. قَالَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ، وَلَكِنْ قُولُوا: رَحِمَكَ اللهُ"(صحيح البخاري 6395).

 ما أعظمها من رحمة! نعم، بسبِّه وطردِه والدعاءِ عليه إعانةٌ للشيطان عليه.

 

ومن أعظم حقوق السجين: متابعةُ أهله وأولاده، فمن واجب الأُخُوَّة أن تتابع أُسَر السجناء، وأن تُقضَي حاجاتهم وتُسهّل أمورهم، بل لهم حق في الضمان الاجتماعي، فيصرف لكل عائلة سجين مبلغ من المال لأهله وولده، وكذلك جمعية البر وغيرها، وكذلك المجتمع لا بد أن يساهم في إعانة أُسَر السجناء؛ فإنهم في حكم الأيتام.

 

 

المرفقات

السجين والمجتمع.doc

السجين والمجتمع.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات