الستر على من وقع في معصية

خالد بن عبدالرحمن الشايع

2018-12-12 - 1440/04/05
عناصر الخطبة
1/ اهتمام الشريعة وعنايتها بكيفية التعامل مع مَن وقع في معصية 2/ أصول شرعية في كيفية تعامل مَن وقع في معصية مع نفسه 3/ أصول شرعية في كيفية تعامل المجتمع مع مَن وقع في معصية 4/ السعادة في طاعة الله 5/ قبول الله لتوبة العصاة ومغفرته لهم وحفاوته بهم

اقتباس

إنَّ الشريعة بكمالها وعظمتها تتعامَل مع الإنسانِ وفق ما خلَقه اللهُ عليه، والله هو الخالق العليم الخبير؛ فالإنسان ضعيف معرَّضٌ لِلزَّلَل والخطأ. وفي ضوء ذلك جاءت الشريعة؛ لتؤكِّد ثوابتَ مهمَّة وهي...

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فأسأل اللهَ الرحمنَ الرحيم وهو اللطيف الخبير، وهو ربنا البَرُّ الرحيم أنْ يجعل اجتماعَنا هذا اجتماعًا مرحومًا، وأن يجعل تفرُّقنا بعدَه تفرُّقًا معصومًا، وألَّا يجعل فينا ولا منَّا شقيًّا ولا محرومًا.

 

وأسأل الله ربي وهو على كل شيء قدير، وهو بكل شيء عليم خبير، وهو الرحمن الرحيم، أسأله بعِزَّته وجلاله أن يكون عونًا لكل مكروب، وأن يُفرِّج همَّ المهمومين، ويُنفِّس كرب المكروبين، وأنْ يُصلح أحوالنا وأحوالَ المسلمين، وأن يُحسِن عاقبتَنا في الأمور كلها.

 

أيها الإخوة المؤمنون: إنَّ المتأمِّل في كمالات شريعة الإسلام الغرَّاء لا يملك إلا الشهادة بأنها تنزيل مِن حكيم خبير؛ فهي رحمة كلها وبِرٌّ كلها وخيرٌ كلها، كلَّما استقام الناسُ عليها نالوا مِن الخيرات والبركات بقدْرِ ما استقاموا عليه.

 

ومما يتعلَّق بمعايش الناس قضيةٌ مهمَّة وشأن كبير ينبغي أن يُلاحِظه المؤمن، ذلكم -أيها الإخوة في الله- ما عُنِيَتْ به الشريعةُ الغرَّاء في شأن التعامُل مع مَن يقع في المعاصي والذنوب، وهل يَسْلَم مِن ذلك أحد غير المعصومين مِن الأنبياء والمرسلين؟

 

إنَّ الشريعة بكمالها وعظمتها تتعامَل مع الإنسانِ وفق ما خلَقه اللهُ عليه، والله هو الخالق العليم الخبير: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[الملك: 14]؛ فالإنسان ضعيف معرَّضٌ لِلزَّلَل والخطأ.

 

وفي ضوء ذلك جاءت الشريعة لتؤكِّد ثوابتَ مهمَّة؛ وهي أن يُبادر هذا الخاطئُ الذي زلَّت قَدَمُه بالعِصيان أن يُبادر بالتوبة إلى الرحمن؛ فالباب مفتوح، وهو مُرَحَّب به، مُعَظَّمٌ شأنُ توبتِه، ولذلك تكاثرتْ نصوص القرآن والسُّنَّة لِتؤكِّد أن التائبين إلى ربهم الآيبين إليه؛ أن الله يَقْبَلُهم، ولكم أن تُجيلوا أنظارَكم في الآيات الكريمة التي أكَّدت هذا الأصل العظيمَ، آيات تَفِيض بالرحمة مِن ربٍّ كريم: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)[الحجر: 49]؛ ما أجمله، وما ألطفه مِن خطابٍ (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

 

ثم انظر في موضع آخر: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)[الزمر:53]، وآيات أخَر في هذا السياق.

 

وأصلٌ آخَر تؤكِّده الشريعة الغرَّاء؛ وهو: أن الإنسانَ غيرُ معصوم، ولذلك جاء في الحديث عن نبي الرحمة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "لو لم تُذنِبوا لَذَهَبَ اللهُ بكم، ولَجَاءَ بقومٍ يُذنِبون فيَستغفِرون اللهَ فَيَغْفِر لهم"؛ فالله -سبحانه- يَعلم مِن عباده وهو الخالق لهم أنهم لن يكونوا نَقِيِّين تمامًا، ولن يكونوا معصومين إلا مَن عَصَمَهُمْ ربُّ العزة؛ وهم الأنبياء والرسل، أمَّا غيرُهم فمُعَرَّضون للخطأ، واللهُ يَقبَل توبتهم، وأمَرَهم أن يُبادِروا بهذه التوبة.

 

وأصلٌ آخَر وهو: أنَّ الإنسان مع هذا الضعف، ووقوع الزَّلَل يجب عليه أن يَسْتُر على نفسِه، وأن يَحذَر مِن المجاهرة؛ لأن مُجاهَرته بالذنوب تقتضي أن يُفضَح بين الخلْق، أن يُفضح بين الناس؛ لأن الناس في الغالب يَفضَحون ويُعيِّرون ولا يَستُرون، وجاءت الشريعة لتؤدِّب المجتمعَ على أن يكون على منهاج السَّتر والبُعد عن الفضيحة، والحذَر مِن إشاعة الأخبار عن أهل الذنوب والعصيان إلا مَن أبى إلا المُجاهَرة، وأعلَن عن نفسِه ما سَتَرَه اللهُ عليه، فهذا وما جَنَتْ يَدُه، وما اقترفتْ نفسُه؛ ولذا جاء في الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: "كلُّ أمَّتى مُعَافًى إلا المجاهرين، وإنَّ مِن المُجاهَرة أنْ يَعمَل الرجُل الذنبَ بالليل، فَيَبِيتُ يَسْتُرُه ربُّه، ثم يُصْبح يقول: عَمِلْتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يَستُره رُّبه وهو يَكشِف ستْرَ الله".

 

"كل أمَّتى مُعافى" كل أمَّتي ممَّن يَقَعُون في الذنوب والعصيان مآلُهم العافية، إما أن يُوَفَّقوا للتوبة، وإما أن يَغفر اللهُ لهم، ويَتجاوَز عن خطيئتهم، ما عدا أولئك الذين جاهَروا فإنهم إذا جاهَروا صعُب عليهم أن يَنكفُّوا عن ذنوبهم وخطاياهم، ثم أيضًا لما فَضَحوا أنفسَهم في الدنيا، وعُرِفوا بين الناس يُخشى أن يُفضَحوا يوم القيامة؛ لأن المؤمن يوم القيامة يَستُره الله كما جاء في حديث النَّجْوَى: "أن الله -سبحانه- يُخاطب عبَده يقول: يا عبدي ألم تعمل كذا وكذا؟ فيقول: بلى يا رب ألم تعمل كذا وكذا؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول الله: فإني قد سَترْتُ عليك ذلك، وأنا أغفرُ لك اليوم" أو كما جاء في الحديث الصحيح.

 

ولنتأمَّل -أيها الإخوة المؤمنون- في واقعةٍ وقعَت إبَّان حياة نبيِّنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، في شأن أحَد الذين زلَّت أقدامُهم فاقترَف ذنبًا وخطيئة، فجاء لِيُعلِن بين يدي نبي الله -صلى الله عليه وآله وسلم- توبتَه، وكان ذنبُه في كبيرةً مِن كبائر الذنوب، فقد روى الإمام البخاري -رحمه الله-، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "أُتِيَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- برجلٍ قد شرب، قال: "اضربوه"، فمِنَّا الضاربُ بيدِه، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعضُ القوم: أخزاك اللهُ، قال عليه الصلاة والسلام: "لا تقولوا هكذا لا تُعِينوا عليه الشيطان".

 

وفي رواية أخرى: "ثم أمَرَهم فبكَّتوه"، فقالوا: ألا تستحي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تصنع هذا؟ ثم أرسَلَه، فلمَّا أدبَر وَقَعَ القومُ يَدْعُون عليه ويَسُبُّونه، يقول القائل: اللهم أخْزِه، اللهم الْعَنْهُ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه" (رواه أبو داود والبيهقي).

 

فهذه الواقعة تُوضِّح منهجًا نبويًّا راسخًا، وهو "لا تُعِينوا الشيطانَ على أخيكم"، فهذا الرجل لما اقترف ما اقترف مِن هذه الكبيرة، وهو شُرْبُه للخمر، ومعلوم أنَّ الحدود إذا بَلَغَت السلطانَ فإنَّها لا بد أن تُقام، ولا يَجوز فيها شفاعة، ولا يَجوز للسلطان أن يَقبل فيها شفاعة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "إذا بلغَت الحدودُ السلطانَ فَلَعَنَ اللهُ الشافِعَ والمُشَفِّعَ".

 

هكذا نَهَى النبيُّ -عليه الصلاة والسلام- أنْ تُقبَل شفاعةٌ أو واسطةٌ في حدٍّ مِن الحدود إذا بلغَت السلطانَ، أما ما لم تَبْلُغْه قَبْلُ فإنَّ الشفاعة في ذلك، والستر في هذا مأمورٌ به في شريعة الإسلام، يَستُر الإنسانُ على نفسِه، فلا يُخبِر بذلك أحدًا، ويتوب إلى ربه، ولذلك كما جاء في قصة الصحابي الذي وقع في الزنا؛ أنَّه رَدَّهُ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، رَدَّهُ عدَّة مرات، حتى يدرأ عنه الحد "لعلَّك لم تفعل، لعلك فعلتَ دون ذلك"، حتى لما أَصَرَّ هذا الصحابيُّ إلا أن يُطهَّر بإقامة الحدِّ أَرْسَل إلى قومه يسألهم: فلان كيف هو عقله؟ وكيف هو رشده؟ حتى يَستوثِق مِن قدراته العقلية، وأنه إذ اعترف اعترف عن كمالٍ في تصوُّرِ ما وقع منه، وإدراكٍ له.

 

وجاء في بعض الروايات: أنَّ هذا الذي وقع في الزنا أول ما وقع استشار أحدَ مَن حوْله ماذا أصنع؟ فقال له: ارفع أمْرَك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما بلغ النبيَّ -عليه الصلاة والسلام- أن هذا الرجل استُشِير قال له: "لو سَترْتَهُ بثوبك لكان خيرًا لك".

 

وهذا كله رغبة في الستر وعدم إشاعة الفواحش وإظهارِ مَن قاموا بها، وهذا في شأن مَن اسْتَتَر، ولم يُعْهَد عنه تكرار ذلك، ولا مُجاهَرته به، وإنما هو ممَّن لم يَسْلَم مِن نقص الإنسان، وإغواء الشيطان.

 

والمقصود: أن هذا الرجل لما وقع في شرب الخمر -وهو من الكبائر- جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأمَر به فكان إقامة الحدِّ على هذا النحو، وذلك أنَّ الأمْر كما جاء في بعض الروايات؛ أن طريقة إقامة الحد كما روى عبد الرزاق بسند صحيح عن عبيد بن عمير وهو أحد كبار التابعين، قال: "كان الذي يَشرب الخمر في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وبعض إمارة عمر يضربونه بأيديهم ونعالهم ويصكونه".

 

والمعنى في هذا: أن هذا الضرب، وهذا الجلد ليس مقصودًا في ذاته، فهو في الجانب المعنوي أكثر منه في الجانب الحسِّي، ليس المقصود أن يكون الضرب لأجل نكئ جرح، أو كسر عظم، أو إدماء جسد، كلا، ولكنه إشارة إلى الاستنكار والاستياء لهذا العنصر من عناصر المجتمع، إنك قد خرجتَ عن الجادة، ووقعتَ في أمْر ينبغي إنكاره عليك.

 

ثم تأمَّلوا -أيها الإخوة المؤمنون- أن هذا الرجل الذي جاء بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- مُعترفًا بشربه الخمر، لم يُحفظ أن الصحابة اجتهَدوا في نقل اسمه، أنْ يَقولوا إنه فلان بن فلان، وهكذا العلماء لم يحرصوا على نقل، وعلى تحديد اسم هذا الرجل، ولذلك لما بَحَث العلماء شرْح هذا الحديث لم يكن ثمة قول راجح في تحديد مَن يكون هذا الرجل؛ لأن الهمَّة لم تكن متوجِّهة إلى تحديد مَن هذا الذي اقترف هذا الذنب، وهذه الكبيرة، وهذا أدبٌ إسلامي سامٍ عظيم، وهو عدم الحرص على نقل الأخبار بتسمية الأعيان مما يَسوء ويُستنكر.

 

والمقصود -أيها الإخوة المؤمنون- أنَّ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- نبَّه الصحابة إلى أن يَجتِنبوا ما وقعوا فيه مِن الخطأ؛ لأنهم إبَّان ذلك كانوا يَتعلَّمون مِن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كانوا على جاهلية جَهْلَاءَ؛ لا أدب، ولا منهاج قويم، فلم يزالوا يتعلمون حتى بلغوا الشأوَ العظيم.

 

ومن جملة ذلك: أن بعضهم -رضي الله عنهم- كان يَظُنُّ أنَّ مِن مُقتضَى الغيرة على جنْب الله، وإنكار المنكر أن يُلعن ويُسبَّ مَن وَقع فيه، حتى أوقفَهم مَن وَصَفَهُ ربُّه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[الأنبياء:107] على المنهاج القويم الذي بَعَثَه الله به وهو: "لا تكونوا عونًا للشيطان على أخيكم" نَبَّههم ألَّا يكون هذا موقفهم نحو المذنب الخاطئ الذي أزلَّه الشيطان فأذنب.

 

وفي معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تُعِينوا عليه الشيطانَ" ذكر العلماء عدة معان؛ منها: أن الدعاء على العاصي بالخزي يوافق مقصود الشيطان؛ فإنه بتزيينه للمعصية يريد أن يُوقِعه فيما يخزيه في دنياه وآخرته، وقالوا: إن الدعاء على المذنب بالخزي يُعِين استحواذَ الشيطان عليه؛ لأنه إذا سمع إخوانه يَدْعُون عليه بمثل ذلك ازداد في عُتُوِّه ونفورِه، وأخذتْه العزة بالإثم، ولربما أَيِسَ مِن رحمة الله فانهمك في المعاصي والموبقات، ولهذا جاء قوله عليه الصلاة والسلام بأن يستبدلوا هذه الكلمة الخاطئة بما هو أجدَر وأفضل؛ حيث إنه عليه الصلاة والسلام أمَرَهم أن يقولوا: "اللهم اغفر له، اللهم ارحمه".

 

هكذا ينبغي أن يكون أفراد المجتمع مع مَن يُخطئ؛ لأن الذي زلَّ فأثِم بارتكابه الذنب في الحقيقة أنه أقْبَلَ على إهلاكٍ لِنفسِه؛ فجديرٌ أن ندعو له بأن يَغفِر الله ذنبَه، وأن يرحمه ويُبعده عن هذا الطريق الخطير، وهذا المنهاج ينبغي أن يُشاع بين الناس؛ فلا تفرح -يا عبد الله- ولا تُصغِ لخبرٍ يُنقل أن فلانًا يرتكب إثمًا من الآثام، فبمجرَّد سماعك خبرًا مِن مثل هذا، أو بلوغه إيَّاك بأي صورة مِن الصُّوَر عبر وسائل الجوال، أو وسائل التواصل، أو غير ذلك لا تفرح، لا تفرح بخبر يُنقل عن أحد مِن الناس أنه وقع في ذنب أو خطيئة، فاقطَع هذه السالفة، وأوقِفْ هذا الخبر، ولا تستمرَّ في سماعه، وإنْ قُدِّر لك أن يَبلغُك فادْعُ بالعافية لنفسك، وبالرحمة والمغفرة لمَن وقع في هذا الخطأ.

 

وليكن في ذهنك وفي خاطرك أنه ربما وقع إنسانٌ في ذنب أو خطيئة، فقَبِلَ اللهُ توبتَه، فعاد إلى حالٍ أفضل مما كان، ألم يقل ربُّنا -جل وعلا- في شأن مَن تاب: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)[الفرقان:70].

 

ولذلك اختلف العلماء -رحمهم الله- في شأن المذنب: أيُّ حَالَيْهِ أفضل عند الله قبل أن يقع في الذنب والخطيئة؟ أم حاله بعد أن يتوب منها ويرجع إلى الاستقامة؟

 

وذلك لِمَا جاء من النصوص المعظِّمة لشأن التائبين الآيبين إلى ربهم أن الله يَقبَلهم، وأن الله يبدِّل سيئاتهم حسنات، ولذلك ربما أنَّ ذنبًا مِن الذنوب أوْرَث إنسانًا استقامة وعودة وثباتًا على الإيمان والخير والطاعات إلى أن يَلقَى ربَّه، وذلك استحياءً مِن الله، وخوفًا مِن عاقبة الذنب والخطيئة.

 

ومهما يكُن مِن أمْر فإننا في هذه الأزمنة على وجه الخصوص أحوج ما نكون إلى إعمال هذه القواعد التي تَقَدَّم التنبيه إليها: أن الإنسان ليس معصومًا؛ فهو معرَّض للخطأ، ولما كان كذلك فهو مأمور أن يُبادِر بالتوبة، ولا يستعظم الخطيئة التي وقع فيها، فإن الله –سبحانه- يغفر الذنوب جميعًا؛ حتى المشرك يقبل الله توبته لو تاب وعاد؛ ألم يَقُلْ ربُّنا -سبحانه- في شأن مَن زعموا له الصاحبة والولد: (أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[المائدة:74]؟

 

ثم ينبغي على الإنسان أن يستر على نفسِه، وأن يستر على غيره، وأن يَحذر من المجاهَرة؛ فإن عاقبتها خزيٌ وندامة وفضيحة عند الخلْق، وبُعدٌ عن أن يُغفر ذنبه عند الخالق -جل وعلا-؛ لأنه جاهَر وفضَح نفسَه، ثم أيضًا أن يكون الإنسان عونًا لأخيه على التوبة بأن يستر عليه، ويَدعو له بالمغفرة والرحمة، لا أن يُظهر ذنبه، ولا أن يُعظم ما وقع فيه بالدعاء عليه بخزي أو بغير ذلك، فهذا إن دعا عليه بمثل هذا كان عونًا للشيطان على أخيه، فما أعظَم هذا التوجيه النبويَّ، وما أغزر ما فيه مِن العِبَر والفوائد، حيث قال عليه الصلاة والسلام: "لا تكونوا عونًا للشيطان على أخيكم".

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيَّاكم بهدي النبي الكريم. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلَّم على عبد الله ورسوله نبيِّنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

أيها الإخوة المؤمنون: لا شك أن الإنسان بتاريخه الطويل؛ منذ أهبَط اللهُ أبانا آدمَ وزوجَه أمَّنا حواء -عليهما السلام- إلى هذه الأرض والخبرات تتوالى، والتجارب تتعدد، ومَن نظَر فيما حُرِّر وكُتِب مِن تاريخ الإنسانية يتبين له على وجه التأكيد أن أعظم ما تُطلب به السعادة والطمأنينة هي طاعة الله -جل وعلا-، فالناس قد جرَّبوا كل الطرق التي يُريدون أن يَبلغوا مِن خلالها راحة وطمأنينة وسعادة وحياة هنيئة؛ لكن كل ما جُرِّب مِن مال أو ولد أو مناصب ورتب أو مِن غير ذلك مِن متاع وشهوات الدنيا؛ كلها لا تعدل شيئًا أمام اللذة التي تحصل للإنسان بطاعة الرحمن -تبارك وتعالى-؛ لأن الإنسان جُبِل على هذا الأمر، جُبِل على أن لا يطمئن ولا ينال هدوءًا وراحة بال إلا بطاعة الكبير المتعال، كما أن الإنسان لا يمكن أن يعيش بلا هواء بلا أكسجين؛ فهكذا أيضًا لا تطمئن روحه إلا بطاعة الله -سبحانه-، وكلما ازداد مِن الطاعات نال مِن هذه الطمأنينة، هكذا يتحدث الذين جرَّبوا هذه الحياة عبر تاريخ الإنسان الطويل في هذه الأرض، فإنه لا تحصَّل هذه الطمأنينة إلا بهذا القرب من الله -سبحانه-، فالله جَبَلَ الإنسانَ على هذا الأمر، ومهما سعى لأن يُحصِّل ذلك بغير هذا الطريق فإنه يخفق ويفشل.

 

وهذا يُوجب على مَن أراد سعادة نفسه ونجاتها أن يزيد مِن قُربه مِن الله وذلك بطاعته، وأما المعاصي فيتحاشها قدْر ما يستطيع، فإن زلَّ وأخطأ فلا ينبغي أن يقنِّطه الشيطانُ، فالله فتح أبواب التوبة ورغَّب في الإقبال عليه.

 

ومَن تأمل في نصوص القرآن والسُّنَّة يجد حفاوتها بالتائبين، وتعظيم قدْرهم، وترغيبهم في الإقبال على الله، مهما ازدادت سيئاتهم أو تكاثرت خطيئاتهم، جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْ لِي، فَقَالَ اللهُ لِمَلائِكَتِه: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِه، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَه، ثُمَّ عَادَ إِلَى الذَّنْبِ وَالخَطِيئَة ونَدِمَ، وَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْ لِي، فَقَالَ اللهُ لِمَلائِكَتِه: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِه، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَه، ثُمَّ عَادَ الثَّالِثةَ والرَّابِعَة أَوْ الرَّابِعَة، فَقَالَ اللهُ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَه فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ".

 

قال العلماء: "معنى "فليعمل ما شاء" يعني: أنه ما دام كلما أخطأ وأذنب عاد إلى ربه فإن عاقبته إلى خير؛ لأن الله يَقبل مِن عبده التوبة مهما عظُم ذنْبُه، ومهما اشتدت خطيئته، وهذا مِن رحمة أرحم الراحمين، فإنه -سبحانه- لا تنفعه طاعة مطيع، ولا تضره معصية عاصٍ، ولكنه سبحانه كما أخبر عن نفسه أنه كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش: "إن رحمتي سبقت غضبي" (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ)[النساء: 147].

 

ألا وصلُّوا وسلِّموا على خير خلْق الله نبيِّنا محمد فقد أمَر ربُّنا بذلك فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

سبحان ربنا رب العزة عما يصِفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

المرفقات

الستر-على-من-وقع-في-معصية.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات