الساعة

محمد بن إبراهيم الشعلان

2016-02-06 - 1437/04/27
التصنيفات: الحياة الدنيا
عناصر الخطبة
1/ قرب قيام الساعة وغفلة الناس عنها 2/ بعض علامات الساعة الصغرى وأهمية الاتعاظ بها 3/ خصال سيئة ظهرت في هذا الزمان 4/ ضرورة الاستعداد للموت وخطر الأمن من مكر الله
اهداف الخطبة
عنوان فرعي أول
عنوان فرعي ثاني
عنوان فرعي ثالث

اقتباس

هذه الآيات الكريمات نزلت على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلنزولها خمسة عشر قرناً من الزمان، ومعنى هذا أن الساعة -التي بقيامها تنتهي هذه الدنيا، وينتقل الناس بعدها إلى دار الحساب والجزاء- قريبة جداً، ومع هذا ما ازداد كثير من الناس في هذا الزمان عنها إلا غفلة وإعراضاً وجهلاً وصدوداً، لا ترى منهم استعداداً لها، ولا تأهباً لوقوعها ..

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي عنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو، أحمده سبحانه وأشكره على فضله وإنعامه، ولا يستحق الحمد المطلق والشكر المطلق إلا هو. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا معبود بحق إلا هو، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، وعمل بسنته إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية؛ فإن أجسامكم على النار لا تقوى، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6].

 

عباد الله: إن لدنياكم هذه أجلاً معلوماً سوف تنتهي إليه، هذا الأجل قريب قريب والناس عنه غافلون، وبدنياهم عنه معرضون، أنساهم طول الأمل، وأغراهم تأخر الأجل، وكأن التحذير من قرب الأجل لم يقرع أسماعهم، نقل عن أبي العتاهية -رحمه الله- قوله:

 

الناس في غفلاتهم *** رُحى المنية تطحن

 

اسمعوا -عباد الله- ما قاله ربكم -جل في علاه- في كتابه الكريم: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ) [الأنبياء: 1].

 

وقال سبحانه: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) [القمر: 1].

 

وقال عز وجل: (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ) [محمد: 18].

 

هذه الآيات الكريمات نزلت على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فلنزولها خمسة عشر قرناً من الزمان، ومعنى هذا أن الساعة -التي بقيامها تنتهي هذه الدنيا، وينتقل الناس بعدها إلى دار الحساب والجزاء- قريبة جداً، ومع هذا ما ازداد كثير من الناس في هذا الزمان عنها إلا غفلة وإعراضاً وجهلاً وصدوداً، لا ترى منهم استعداداً لها، ولا تأهباً لوقوعها، ولا خوفاً ووجلا منها، مع وقوع أكبر العلامات والأشراط الدالة على قرب زمانها، وأوان وقوعها، ودنو أجلها، وحلول علاماتها الكبرى، وأشراطها العظمى.

 

ألم تعلموا -عباد الله- أن هناك علامات وقعت من زمن بعيد وقريب تدل على قرب قيام الساعة؛ فبعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- رسولا إلى العالمين هي بحد ذاتها علامة على قرب زمان الساعة؛ ففي الحديث الصحيح عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: "رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- قال بإصبعيه هكذا الوسطى والتي تلي الإبهام، وقال: "بعثت أنا والساعة كهاتين". وفي رواية أنه قال: "بعثت أنا والساعة كهاتين" ويشير بإصبعيه يمدهما.

 

وقبض الصالحين الأول فالأول علامة على قرب الساعة؛ ففي الحديث الصحيح عن مرداس الأسلمي قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حثالة كحثالة الشعير، أو التمر، لا يباليهم الله باله". وفي لفظ: "لا يعبأ الله بهم".

 

ورفع العلم وظهور الجهل وشرب الخمر وفشو الزنا وذهاب الرجال وبقاء النساء؛ كل ذلك علامة على قرب الساعة ودنوها، صح في الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويفشو الزنا ويذهب الرجال ويبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد".

 

وفي صحيح البخاري ومسلم -رحمهما الله- عن عبد الله بن مسعود وأبي موسى -رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن بين يدي الساعة أياماً ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر الهرج.. والهرج القتل".

 

وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقي الشح، ويكثر الهرج" قالوا: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: "القتل .. القتل".

 

وأن من علامات قرب الساعة: أن يوسد الأمر إلى غير أهله، يتولى الأعمال من ليس أهلاً لها، إما لكونه ضعيفاً أو خائنا، ففي صحيح البخاري -رحمه الله- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: بينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مجلس يحدث القوم؛ إذ جاء أعرابي، فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديثه، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه، قال: "أين السائل عن الساعة؟" قال: هاأنذا يا رسول الله، قال: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" قال: وكيف إضاعتها؟ قال: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".

 

وغير هذا من علامات قربها شيء كثير؛ مما يعني الحذر والانتباه عن الغفلة عن الساعة ونسيانها والإعراض عنها، والحث على الاستعداد لها قبل وقوع علاماتها الكبرى، وأشراطها العظمى التي أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته عنها، وكل علامة منها لها شأنها وخطبها، ولها هولها وشدتها وعظمتها، لا يثبت لها ولا يتجاوز شدتها وكربها إلا من استعد لها بالإيمان بالله -عز وجل- وبرسوله وباليوم الآخر وبالتقوى والعمل الصالح والعلم النافع.

 

ولنعلم -عباد الله- أن لكل امرئ منا ساعة لا يعلم وقتها وأجلها إلا الله؛ فإن من مات فقد قامت قيامته، وحلت ساعته، وسينتظر الساعة العامة التي تنتهي بها الدنيا، وهو في هذا الانتظار؛ إما من المنعمين، وإما من المعذبين.

 

ونحن -عباد الله- في زمن مخيف، الفتن كثرت وانتشرت والقتل قد كثر، لا سيما في المسلمين على أيدي أعداء الدين، والجهل بشرع الله -عز وجل- قد ظهر، والعلم بدين الله قل.

 

ولقد ظهرت في زماننا هذا أمور يخشى من عاقبتها السيئة، وهي نذير بقرب قيام الساعة هذه الأمور ذكرت في حديث أخرجه الترمذي في سنته عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا فعلت أمتي عشرة خصلة حل بها البلاء" قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: "إذا كان المغنم دولا".

 

وفي لفظ آخر: "إذا اتخذ الفيء دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرماً، وأطاع الرجل زوجته وعق أمه، وبر صديقه وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشرب الخمر واتخذت القيان والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها - فليرتقبوا ريحا حمراء، وزلزلة وخسفاً، ومسخاً وقذفاً، وآيات تتابع كنظام بال -أي كعقد من الخرز- قطع سلكه فتتابع". وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً، فله شاهد من حديث أبي هريرة، وله شاهد من الواقع.

 

وهذا يدعونا إلى أن ننتبه لحالنا ونصلح أحوالنا، ونراجع أنفسنا، ونحميها من الشر والضلال، ونتسلح بالعلم الشرعي، ونتقي فتنة لا تصيب الظالمين فحسب، وإنما تعم الظالمين وغيرهم، كما قال تعالى: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 25].

 

ونحاول بكل ما نستطيع أن لا تحصل هذه الخصال السيئة فينا؛ فإنها إن حصلت فهي نذير شر وبلاء.

 

فلنتق الله -عباد الله- ولنعد ليوم القيامة عدته قبل أن يفجأنا الموت، فلا ندرك النجاة ولا الغوث.

 

اللهم جنبنا أسباب سخطك وعقابك، وأعذنا من مضلات الفتن، وأحمنا جميعا من الزيغ والزلل، واجعلنا من الذين يأمرون بالخير والرشاد، وينهون عن الشر والفساد.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه واتقوه، فإنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة.

 

 

الخطبة الثانية:

 

عباد الله: لا نعمل في هذه الدنيا عمل من سيخلد فيها، ولا نعمل فيها عمل الآمنين، من مكر الله -عز وجل-؛ فإن الدنيا فانية ذاهبة، كما قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن: 26 - 27].

 

وقال سبحانه: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [يونس: 24].

 

والأمن من مكر الله، صفة القوم الخاسرين، ولا يجوز للمسلم أن يتصف بصفات الخاسرين أو يتخلق بأخلاقهم، قال تعالى عنهم: (أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف: 99].

 

 

 

المرفقات
إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات