الزهد في الدنيا

عمر بن عبد الله بن مشاري المشاري

2021-02-23 - 1442/07/11
عناصر الخطبة
1/ مُتع الدنيا وملذاتها زائلة 2/خطورة الغفلة عن الموت والاغترار بالدنيا 3/التحذير من طول الأمل 4/الحث على الاستعداد لما بعد الموت.

اقتباس

إنَّ الدنيا غرَّارة، كم غرَّت من غافل!؛ غفلَ عن الآخرة واشتغلَ بالدنيا شُغْل من يظنُّ أنَّه مُخلَّدٌ فيها، يجمعُ ولا يشبع، ويطمعُ ولا يقنع، ثمَّ إذا حلَّ به الموت ندمَ على تفريطه، وتحسَّرَ على تقصيره، فإيَّاكم والاغترار بالدنيا...

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له ومَن يُضِلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.

 

أمَّا بعد: فإنَّ خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

عباد الله: إنَّ الناظر إلى الدنيا وما تزخرفت به من مُتعٍ، وما تجمَّلت به من ملذَّات، وما فُتِح على الناس منها، يعلم يقيناً أنَّ مُتعها وملذاتها زائلة، وأنَّه مهما فُتِح على الناس منها فإنَّ حالها لا يدوم، صحة ومرض، وفراغ وشغل، وتعب وراحة، وسرور وحزن، واجتماع وافتراق، وحياة وموت، وعيشها ما بين سعةٍ وضيق، ومشاغلها دائمة، والمغبون فيها من رزق فراغاً وصحة يقضيهما في طاعة الله متزوِّداً بالتقوى.

 

قال -تعالى-: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)[البقرة: 197]، قال السعدي -رحمه الله-: "أمَّا الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه في دنياه وأخراه، فهو زاد التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار، وهو الموصِّل لأكمل لذة، وأجلِّ نعيمٍ دائمٍ أبدًا، ومَن ترك هذا الزاد، فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكلِّ شرٍّ، وممنوع من الوصول إلى دار المتقين، فهذا مدح للتقوى". (تفسير السعدي: ص92).

 

عباد الله: إنَّ الدنيا غرَّارة، كم غرَّت من غافل!؛ غفلَ عن الآخرة واشتغلَ بالدنيا شُغْل من يظنُّ أنَّه مُخلَّدٌ فيها، يجمعُ ولا يشبع، ويطمعُ ولا يقنع، ثمَّ إذا حلَّ به الموت ندمَ على تفريطه، وتحسَّرَ على تقصيره، فإيَّاكم والاغترار بالدنيا، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)[فاطر: 5].

 

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ: حُبُّ المَالِ، وَطُولُ العُمُرِ"(رواه الشيخان). قال القرطبي -رحمه الله-: "فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ الْحِرْصِ عَلَى طُولِ الْعُمُرِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ"(فتح الباري لابن حجر 11/ 241).

 

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ"(رواه الشيخان).

 

قال ابن بطال -رحمه الله-: "فِيهِ أَنَّ زَهْرَةَ الدُّنْيَا يَنْبَغِي لِمَنْ فُتِحَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ سُوءِ عَاقِبَتِهَا وَشَرِّ فِتْنَتِهَا فَلَا يَطْمَئِنُّ إِلَى زُخْرُفِهَا وَلَا يُنَافِسُ غَيْرَهُ فِيهَا، وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفَقْرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغِنَى لِأَنَّ فِتْنَةَ الدُّنْيَا مَقْرُونَةٌ بِالْغِنَى، وَالْغِنَى مَظِنَّةُ الْوُقُوعِ فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي قَدْ تَجُرُّ إِلَى هَلَاكِ النَّفْسِ غَالِبًا وَالْفَقِيرُ آمِنٌ مِنْ ذَلِكَ"(فتح الباري لابن حجر 11/ 245).

 

وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- للدنيا: "إِلَيَّ تَغَرَّرَتْ، إِلَيَّ تَشَوَّفَتْ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، غُرِّي غَيْرِي، قَدْ بَتَتُّكِ ثَلَاثًا، فَعُمْرُكِ قَصِيرٌ، وَمَجْلِسُكِ حَقِيرٌ، وَخَطَرُكِ يَسِيرٌ، آهٍ آهٍ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ، وَبُعْدِ السَّفَرِ، وَوَحْشَةِ الطَّرِيقِ"(حلية الأولياء 1/ 85). 

 

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "العجبُ كلُّ العجب من غفلةِ مَن تُعَدُّ لحظاته، وتُحصَى عليه أَنْفَاسُهُ، ومطايا الليل والنَّهار تُسْرِع به، ولا يتفكر إلى أين يُحْمَلُ؟ ولا إلى أيِّ منزلٍ يُنْقَل؟

وكيفَ تنَامُ العَينُ وهي قَرِيرَةٌ *** ولم تَدْرِ في أَيِّ المَحَلَّينِ تَنْزِلُ؟".

(التبيان في أيمان القرآن: 1/641).

 

عباد الله: من الناس من ينظر إلى ذوي المال والثراء نظرَ المؤمِّل المتمنّي المُعجب، فيحتقر ما هو فيه من النعم، فيحزن ويقلق أن لم يكن مثلهم ويغفل عن الشكر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ"(رواه مسلم).

 

وقال -عليه الصلاة والسلام-: "إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي المَالِ وَالخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ"(رواه البخاري). قال في فتح الباري: "فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَوَاءُ الدَّاءِ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُؤَثِّرَ ذَلِكَ فِيهِ حَسَدًا وَدَوَاؤُهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ دَاعِيًا إِلَى الشُّكْرِ"(فتح الباري لابن حجر 11/ 323).

 

لَا تَنْظُرَنَّ إِلَى ذَوِي *** الْمَالِ الْمُوَثَّلِ وَالرِّيَاشِ

فَتَظَلَّ مَحْزُونَ الْفُؤَادِ *** بِحَسْرَةٍ قَلِقَ الْفِرَاشِ

وَانْظُرْ إِلَى مَنْ كَانَ دُونَكَ*** أَوْ شَبِيهَكَ فِي الْمَعَاشِ

 

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ"، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- يَقُولُ: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ"(رواه البخاري).

 

فالغريب وإن اتخذ مسكناً في بلد الغربة، فهو غريبٌ بين الناس فيها، وكذلك عابر السبيل في سفرٍ يتنقل من مكان لآخر، يقابله في تنقُّله أودية مردية، ومفاوز مهلكة ومن شأنه عدم الإقامة والسكن، قال في فتح الباري: "هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي الْحَثِّ عَلَى الْفَرَاغِ عَنِ الدُّنْيَا وَالزُّهْدِ فِيهَا وَالِاحْتِقَارِ لَهَا وَالْقَنَاعَةِ فِيهَا بالبلغة"(ينظر فتح الباري لابن حجر: 11/ 234).

 

عباد الله: من يدري عن نفسه، هل إذا أصبح أن يمسي أو إذا أمسى أن يصبح، فقد يحول دون ذلك الموت، فبادر أوقاتك وأيَّامك في طاعة الله ما دمت في صحةٍ وعافيةٍ قبل عارض المرض وحضور الأجل، قال الله -تعالى-: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)[آل عمران: 185].

 

 قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه-: "ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلاَ عَمَلٌ"(ينظر صحيح البخاري 8/ 89). وقالَ بعضُ الحكماءِ: "لا تكنْ ممَّن يرجُو الآخرةَ بغير عملٍ، ويؤخِّرُ التوبةِ لطولِ الأملِ"(تفسير ابن رجب الحنبلي:1/ 314).

 

وقال بعض السلف: "كم من مُستقبلٍ يومًا لا يستكملُهُ، ومن مُؤمِّلٍ غدًا لا يدرِكُه، إنَّكم لو رأيتمُ الأجَلَ ومسيرَهُ لأبغضتُمُ الأمَلَ وغُرورَهُ"(تفسير ابن رجب الحنبلي: 2/ 245).

 

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَا لِي وَلِلدُّنْيَا وَمَا لِلدُّنْيَا وَمَا لِي، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا"(رواه الحاكم وصححه).

 

اللهم ارزقنا قناعة وزهداً في الدنيا وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

المرفقات

الزهد في الدنيا.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات