الزلزلة

تركي بن علي الميمان

2021-07-30 - 1442/12/20 2021-08-04 - 1442/12/25
التصنيفات: الحياة الآخرة
عناصر الخطبة
تفسير سورة الزلزلة

اقتباس

فَإِذَا رَأَى الإِنْسَانُ ذَلِكَ المَشْهَدَ المُرْعِب انْخَلَعَ قَلْبُهُ وَعَقْلُه، وَتَرَكَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ شِدَّةِ الذُّهُول! فَهُوَ زِلْزَالٌ عَظِيمٌ بِمِقْيَاسِ اللهِ العَظِيم؛ فَلَكَ أَنْ تَتَصَوَّرَ فَظَاعَتَه!...

الخُطْبَةُ الأُوْلَى:

 

عِبَادَ الله: إِنَّهَا هَزَّةٌ عَنِيْفَةٌ لِلْقُلُوبِ الغَافِلَة، وَصَيْحَةٌ مُزَلْزِلَةٌ لِلأَرضِ وَمَنْ عليها؛ إِنَّهَا سُوْرَةُ الزَّلْزَلَة! قال تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا)[الزلزلة:1]. إِنَّهُ زِلْزَالٌ عَظِيْم، وَهَوْلٌ جَسِيْم، يَدُكُّ الأَرضَ دَكًّا، وَيَنْسِفُهَا نَسْفًا؛ حَتَّى يَتَهَاوَى كُلُّ ما عَلَيْهَا مِنْ جِبَالٍ وَبِنَاء، وَزِيْنَةٍ وَبَهَاء!

 

فَإِذَا رَأَى الإِنْسَانُ ذَلِكَ المَشْهَدَ المُرْعِب انْخَلَعَ قَلْبُهُ وَعَقْلُه، وَتَرَكَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ شِدَّةِ الذُّهُول! فَهُوَ زِلْزَالٌ عَظِيمٌ بِمِقْيَاسِ اللهِ العَظِيم؛ فَلَكَ أَنْ تَتَصَوَّرَ فَظَاعَتَه! قالَ تعالى: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى)[الحج:1-2].

 

وَفِي تِلْكَ الزَّلْزَلَة تُخْرِجُ الأَرْضُ مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ الأَمْوَاتِ والكُنُوز! (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا)[الزلزلة:2].

 

قالَ -صلى الله عليه وسلم-: "تُلْقِيْ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُتِلْتُ! وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ رَحِمِي! وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي! ثُمَّ يَدَعُونَهُ، فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا"(رواه مسلم).

 

وَحِيْنَئِذٍ يَتَسَاءَلُ الإِنْسَانُ سُؤَالَ المَدْهُوش! (وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا)[الزلزلة:3]؛ أَيْ يَتَعَجَّبُ مِنْ شَأْنِ الأَرْضِ وما أَصَابَهَا!

 

وَفِي ذَلِكَ اليَومِ العَظِيم؛ تَتَحدَّثُ الأَرض! وَتُخْبِرُ عَنْ كُلِّ ما عُمِلَ عَلَيْهَا مِنْ خَيرٍ وَشَرّ! (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا)[الزلزلة:4]؛ أَيْ تَشْهَدُ على العَامِلِيْنَ بِمَا عَمِلُوا على ظَهْرِهَا! قال -صلى الله عليه وسلم-: "أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟"، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: "فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ، بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا؛ أَنْ تَقُولَ: عَمِلَ كَذَا وَكَذَا، يَوْمَ كَذَا وَكَذَا!"(رواه الترمذي، وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ).

 

وَكُلُّ مَنْ كَانَ على ظَهْرِ الأرض مِنْ أَهْلِ الطَّاعَةِ وَالْمَعَاصِي، وَمَا عَمِلُوا عَلَيْهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، فَإِنَّ الأَرْضَ تُحَدِّثُ بِأَخْبَارِه؛ لِأَنَّ اللهَ أَعْلَمَهَا وَأَمَرَهَا بِذَلِك؛ كما قال تعالى: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا)[الزلزلة:5]؛ فَلَا تَعْصِى لِأَمْرِه.

 

وَبَعْدَ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ الرَّهِيْبَة! يَرْجِعُ النَّاسُ عَنْ مَوْقِفِ الْحِسَابِ أَشْتاتًا مُتَنَوّعِيْن، وَفِرَقًا مُتَفَرِّقِيْن! (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا)[الزلزلة:6]، مَا بَيْنَ شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ، كُلٌّ يُسَاقُ إلى مَثْوَاهُ الأَخِير! (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا)[مريم:85-86].

 

إِنَّهُ مَشْهَدٌ هَائِلٌ مُفْزِع؛ فَالْبَشَرُ كُلُّهُم مِنْ أَوَّلِهِمْ لِآخِرِهِمْ ذَاهِبُونَ لِاخْتِبَارٍ عَجِيْب، وَحِسَابٍ رَهِيب! إِنَّهُمْ ذَاهِبُوْنَ (لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ)[الزلزلة:6].

 

فَكُلُّ إِنْسَانٍ يُوَاجَهُ بِعَمَلِهِ على رُؤُوْسِ الأَشْهَاد فِي حَضْرَةِ الوَاحِدِ القَهَّار! قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ! فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ؛ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ؛ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ! فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"(رواه البخاري ومسلم).

 

وَحِسَابُ الآخِرَةِ في مُنْتَهَى الدِّقَّة، ومِيْزَانُ العَدْلِ الإِلَهِي لا يُحَابِى أَحَدًا؛ فَلَا يَدَعُ ذَرَّةً مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ إِلَّا وَيُجَازِي عَلَيْهَا! (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)[الزلزلة:7-8]. والمِثْقَال: هو الوَزْن. والذَّرَّة: هِيَ النَّمْلَةُ الصَّغِيرة!

 

عِنْدَئِذٍ لا يَحْقِرُ الإِنْسَانُ شَيْئًا مِنْ عَمَلِه! قال السِّعْدِي: "هَذِهِ الآيةُ: فِيْهَا غَايَةُ التَّرْغِيْبِ في فِعْلِ الخَيْرِ وَلَوْ قَلِيْلًا، والتَّرْهِيْبُ مِنْ فِعْلِ الشَّرِّ وَلَوْ حَقِيرًا"، قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ!".

 

وتَصَدَّقَ عُمَرُ وعَائِشَةُ -رَضِيْ اللهُ عَنْهُمَا- بـ"حَبَّةِ عِنَب"، وَقَالا: "فيها مَثَاقِيْلُ كَثِيْرَة!" (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)[النساء:40].

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

عِبَادَ الله: مِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ أَنَّ (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا)[الأنعام: 160]، قالَ ابْنُ مَسْعُود: "هَلَكَ مَنْ غَلَبَ آحَادُهُ أَعْشَارَهُ!".

 

إِنَّهُ العَدْلُ المُطْلَقُ الَّذِي لا يَمِيْلُ مِيْزَانُهُ حَجْمَ ذَرَّة؛ بَلْ وَمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهَا، ولَمْ تَكُنْ في حُسْبَانِ أَحَدٍ يَوْمَذَاك! قال تعالى: (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ)[يونس:61].

 

المرفقات

الزلزلة.doc

الزلزلة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات