الزكاة وأحكامها (1)

أحمد بن ناصر الطيار

2013-05-12 - 1434/07/02
التصنيفات: الزكاة
عناصر الخطبة
1/ منزلة الزكاة في الإسلام 2/ مصارفها 3/ حكمة مشروعيتها 4/ أصنافها 5/ شروطها 6/ زكاة الدَّيْن 7/ زكاة الأنعام 8/ مسائل تتعلق بالزكاة

اقتباس

واعلموا أن الزكاةَ من أعظم فروض الإسلام, ومبانيه العظام, قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "بُنِىَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ". فلا يستقيمُ البنيان إلا بهذه الأركان, ومن بينها زكاة الأموال والسائمة والأثمان, فحريٌّ بمن أراد السعادةَ والفوز والجِنان, وأن يستقر في قلبه الإسلام والإيمان, أن يخرج زكاة أمواله تقرُّباً إلى...

 

 

 

 

الحمد لله الذي جعل في أموال الناس حقا للفقراء, وسدًّا لحاجات المحتاجين والضعفاء.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وضع في قلوب المزكِّين سكينةً ورحمةً وهناء, وأنزل على وجوهِهم جمالاً وبهاءً وضِياء.

 

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, فرض للفقراء من العطاء, فتآلفت قلوبُ الفقراء والأغنياء, وامْتلأت محبةً ورأفةً ووفاء, صلى الله عليه, وعلى آله وأصحابه النجباء, وسلم تسليمًا كثيراً إلى يوم الدين. 

 

أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون, واعلموا أن الزكاةَ من أعظم فروض الإسلام, ومبانيه العظام, قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "بُنِىَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ".

 

فلا يستقيمُ البنيان إلا بهذه الأركان, ومن بينها زكاة الأموال والسائمة والأثمان, فحريٌّ بمن أراد السعادةَ والفوز والجِنان, وأن يستقر في قلبه الإسلام والإيمان, أن يخرج زكاة أمواله تقرُّباً إلى الكريمِ المنان.

 

وتُخرج الزكاة إلى أحد الأصناف التي ذُكرت في القرآن, قال تعالى: (إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة:60].

 

وللزكاة فوائدُ وحِكَمٌ عظيمةٌ جليلة, منها ما يلي:

 

الأولى: إتمام إسلام العبد وإكماله؛ لأنها أحدُ أركان الإسلام، ودعائمهُ العظام.

 

الثانية: أنها دليل على صدق إيمان المزكي، ولهذا سميت صدقة؛ لأنها تدل على صدق طلب صاحبها لرضا الله -عز وجل-.

 

الثالثة: أنها تزكي أخلاق المزكي، فتُخرجه من زمرة البخلاء، وتدخله في زمرة الكرماء, فيعتاد على البذل والعطاء, والرحمة والسخاء.

 

الرابعة: أنها من أعظم أسباب انشراح الصدر، فالإنسان إذا بذل المال، وجد في نفسه انشراحا وراحة بال.

 

قال ابن عثيمين رحمه الله:" لكن لا يستفيد منه إلا الذي يعطي بسخاء وطيب نفس، ويخرج المال من قلبه قبل أن يخرجه من يده، أما من أخرج المال من يده، لكنه في قرارة قلبه [يكره ذلك]، فلن ينتفع بهذا البذل". اهـ.

 

الخامسة: أنها من أسباب دخول الجنة، فإن الجنة "لمن أطاب الكلام، وأفشى السلام، وأطعم الطعام، وصلى بالليل والناس نيام".

 

السادسة: أنها تجعل المجتمع الإسلاميَّ كأنه أسرةٌ واحدة، يحِنُّ فيه القادر على العاجز، والغني على المعسر، فيشعر الإنسان بأن له إخوانا يجب عليه أن يحسن إليهم, كما أحسن الله إليه، قال تعالى: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ) [القصص:77]، فتُصبح الأمة الإسلامية وكأنها عائلة واحدة، وهذا ما يعبَّر عنه بالتكافل الاجتماعي.

 

السابعة: أنها تدفع شرور الفقراء؛ لأنهم إذا رأوا الأغنياء في عيشٍ رغيد, وهم في نكدٍ شديد؛ فسيحملون عليهمُ الحقدَ والغضب.

 

فإذا جاد الأغنياء على الفقراء, كسروا ثورتهم, وهدّؤوا غضبهم، وقالوا: لنا إخوانٌ يعرفوننا في الشدة، فيألفون الأغنياء، ويحبونهم.

 

الثامنة: أنها تمنع الجرائم المالية, والسرقات الإجرامية، لأن الفقراء يأتيهم ما يسدُّ شيئا من حاجتهم، ويعذِرون الأغنياء بكونهم يعطونهم من مالهم، فيرون أنهم محسنون إليهم فلا يعتدون عليهم.

 

واعلموا -أيها المسلمون- أن الأموال التي تجب فيها الزكاة أربعةُ أصناف: الذهب والفضة وما يقوم مقامهما من العُمُلات, وعروض التجارة, وبهيمة الأنعام, والخارج من الأرض.

 

والزكاة عباد الله لها شروط.

 

ومن شروطها: ملك النصاب، والنصاب: القَدْر الذي رتب الشارع وجوب الزكاة على بلوغه، وهو يختلف باختلاف الأصناف.

 

ومن شروطها: مضي الحول: أي: تمامُ سنةٍ كاملةٍ من حين ملك النصاب. لحديث: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول".

 

ويُستثنى من هذا الشرط ثلاثةُ أشياء:

الأول: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار, قال -تعالى-: (وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام:141].

 

والثاني: نتاجُ السائمة، أي: أولادها.

 

فإذا تم الحول, فلْينظر ما عنده من السائمة, فيُخرج زكاتها, ولو وُلد بعضها قبل تمام الحول بيومٍ واحد.

 

الثالث: ربح التجارة. مثاله: لوِ اشترى رجلٌ أرضاً بمائة, وقبل تمام السنة صارت تساوي مائتين, فيزكي عن مائتين، مع أن الربح لم يحل عليه الحول؛ ولكنه يتبع الأصل.

 

والمستفاد بغير الربح, كالرجل يرث مالا، أو يُوهبُ له، أوِ المرأة تملك الصداق، وما أشبه ذلك، فهذا لا يُضم إلى ما عنده من المال في الحول؛ لأنه مستقل وليس فرعا له.

 

مثال ذلك: رجل عنده مائةُ ألف، وفي أثناء الحول, ورث من قريبٍ له خمسين ألفا, فيُزكي الخمسين إذا تم حولها، ولا يضمها إلى المائة ألفٍ في الحول؛ لأن الربح فرع عن رأس المال فتبعه في الحول، كما في المثال الأول، وأما الإرث فهو ابتداء ملك، فاعتُبر حوله بنفسه، كما في المثال الثاني.

 

 

وليس من شرط الزكاة البلوغُ ولا العقل, فتجب الزكاة في مال الصبي، وفي مال المجنون.

 

أيها المسلم: وإذا كان لك أموالٌ عند الناس, وبلغت النصاب, ومضى عليها حولٌ فأكثر, فيجب أن تزكيها كل سنة، إذا كانت عند غنيٍّ باذل؛ لأن هذا المال في حكم الموجود عندك.

 

أما إذا كانت عند مماطلٍ أو معسر, فلا زكاة عليك, ولو بقيت عشرات السنين؛ لأنك عاجز عنه، ولكن إذا قبضته فزكها مرةً واحدةً في سنة القبض فقط، ولا يلزمك زكاةُ ما مضى.

 

ومن المسائل المهمة -عباد الله-: إذا كان عند الإنسان نصابٌ من المال, ولكن عليه دينٌ كثير, فهل عليه زكاة؟.

 

قال العلامة ابن عثيمين -رحمه الله-: الذي أرجحه أن الزكاة واجبة مطلقا، ولو كان عليه دين يُنقص النصاب، إلا دينا وجب قبل حلول الزكاة, فيجب أداؤه ثم يزكي ما بقي بعده، وبذلك تبرأ الذمة، ونحن إذا قلنا بهذا القول نحث المدينين على الوفاء.

 

فإذا قلنا لمن عليه مائة ألف دَينا، ولديه مائةٌ وخمسون ألفا، والدَّين حالّ: أدِّ الدين، وإلا أوجبنا عليك الزكاة بمائة الألف، فهنا سيقول: أؤدّي الدين؛ لأن الدين لن أؤديه مرتين. اهـ. 

 

فإذا قال المدين: إذا دفعت الزكاة والدين, سأكون محتاجا ومُعْدِما! فنقول له: إذن أنت أحدُ الأصناف الذين تُدفع إليهم الزكاة؛ لقضاء حاجتهم، فأنت من الغارمين، أي المدينين, فنحن نقضي دَينك من الزكاة، وأنت تتعبد لله بأداء الزكاة.

 

ومن المسائل -عباد الله-: لو تلف المال بعد تمام الحول ووجوب الزكاة فيه: فإن كان بسبب تعديه أو تفريطه ضمن، وإن لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان؛ لأن الزكاة بعد وجوبها أمانة عنده، والأمين إذا لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه.

 

فلو أن صاحب الزكاة عنده عروض تجارة, وتم الحول عليها، ثم احترق الدكان، ولم يبق منه شيء، فلا ضمان عليه لعدم تفريطه.

 

فإن تعدى, بأن وضع المال في مكانٍ يغلب عليه الهلاك، ضمن ما تلف من المال بعد وجوب الزكاة.

 

وكذلك لو فرط فأخر إخراجها بلا مسوغ شرعي، وتلف المال, فإنه يضمن الزكاة.

 

ولو مات شخصٌ وعليه دين وزكاة, كما لو مات رجلٌ وترك مائة ألف ريال، وعليه زكاةٌ مائةُ ألف، ودَينٌ مئةُ ألف, فأيهما يقدم؟ قال العلماء: إنهما يتناصفان المال؛ لأن كلّا منهما واجبٌ في ذمة الميت، فيتساويان, فنصيب الزكاة خمسون ألفا, ونصيب الدين خمسون ألفا.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهُ الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, صلى الله عليه, وعلى آله وأصحابه والتابعين, وسلم تسليمًا كثيراً إلى يوم الدين. 

 

 أما بعد: أيها المسلمون: والزكاة تجب في بهيمة الأنعام, وهي الإبل، والبقر، والغنم, ولا تجب الزكاة في غيرها.

 

وبهيمةُ الأنعام تُتخذ على أقسامٍ ثلاثة:

 

القسم الأول: أن تكون عروضَ تجارة، أي يربيها صاحبها للبيع والشراء والتكسب, فهذه تُزكى زكاةَ عُروض, فيخرج ربع العُشْر.

 

فقد تجب الزكاة في شاة واحدة، أو في بعير واحد، أو في بقرة واحدة.

 

القسم الثاني: السائمة، وهي التي ترعى, المُعدَّة للدَّر والنسل، اتخذها صاحبها لدرها، أي: لحليبها، وسمنها، ونسلها، ولا يمنع كونُها مُعدَّةً لذلك, أن يبيع ما زاد على حاجته من أولادها.

 

القسم الثالث: المعلوفة المتخذة للدر والنسل، وهي التي يشتري لها صاحبها العلف أو يَحْصُده، في السنةِ كلِّها أو أكثرِها, فهذه ليس فيها زكاة أبدا، ولو بلغت ما بلغت؛ لأنها ليست من عروض التجارة، ولا من السوائم.

 

هذا؛ وللزكاة مسائلُ وأحكامٌ, تشتد الحاجةُ إلى معرفتها وفهمها, فلعلَّها أن تُفرَد لها خُطَبٌ إن شاء الله تعالى.

 

 

الزكاة وأحكامها (2)

 

 

 

 

المرفقات

وأحكامها 1

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات