الروض الزاهر في دلالات اسم الله الظاهر

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2013-06-03 - 1434/07/24
التصنيفات: التوحيد
عناصر الخطبة
1/ عظمة قدرة الله وبطشه 2/ معاني ودلالات اسم الله الظاهر 3/ معانٍ ودلالات اسم الله الظاهر 4/ كيفية العبودية باسم الله الظاهر
اهداف الخطبة
1/ توضيح الدلالات الإيمانية لاسم الله الظاهر على سلوك العبد واعتقاده 2/بيان اسم الظاهر في اللغة والقرآن والسنة 3/تبيين دلالات اسم الله الظاهر وعلاقتها بأسماء وصفات الله الأخرى 4/بيان الآثار الإيمانية للحياة في ظلال اسم الله الظاهر.

اقتباس

الظاهر هو الغالبُ لخَلْقه، فالله جل جلاله هو الغالب القاهر الفعّال لما يُريد، فأمره هو النافذ، ومشيئته هي المتحكمة، المهيمن والمسيطر سبحانه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، "فهو الظاهر"، لأنه ظهر على خلقه فغلبهم وقهرهم وسمى نفسه بالظاهر لأنه ..

 

 

الخطبة الأولى :

 

الحمد لله رب العالمين، خالق الأكوان، وباعث المرسلين، دحا الأرض بقدرته، وطأطأت السماء لعظمته، وتصدعت الجبال من خشيته، وخضع الثقلان لمشيئته، ما عبد إلا بإذنه، وما عصي إلا بعلمه، أحمده حمد الشاكرين، وأتوب إليه توبة النادمين المقرين، وأصلي وأسلم على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، خير البشر، الذي انشق له القمر، وسلم على الحجر، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم المستقر.

 

أما بعد:

 

عباد الله: أوصيكم وأوصي نفسي قبلكم بتقوى الله كما أمر (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء:1]، وعد من اتقاه بالنجاة من كل شر: (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الزمر:61]، والفرج من كل ضيق: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) [الطلاق:2].

 

عباد الله: قد ينسي المخلوق قدره، ويغتر بقوته وتقدمه، ويظن أنه قادر على الدنيا، ويقول كما قال قوم هود عليه السلام من قبل: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) [فصلت:15]، وعندها يريهم الله -عز وجل- قوته وبطشه، وكيف صنيعه -جل وعلا- بالمتكبرين إذا نسوا أنه ظاهر عليهم مقتدر على ردعهم.

 

ولعلك -أخي الحبيب- تعرف من خلال هذه الحادثة هو أن الخلق على الله وأن الجبار إذا أراد بقوم سوء فلا مرد له ولا يقف أمامه شيء، في سنة 1913م. صنع البشر باخرة عملاقة مكونة من عدة أدوار، تفننوا في صنعها، وبالغوا في تحصينها بوسائل الأمان، وجعلوا لها طبقتين، ولها أبواب عريضة، فأي خلل أصاب جدارها الخارجي، فإقفال الأبواب الداخلية يمنع تسرب الماء إليها، ووضعوا في هذه الباخرة أجمل ما في العالم من أثاث ومن ثريات ومسابح ومطاعم وملاعب، وغرف من الدرجة الممتازة، ثم رَكِب على هذه الباخرة أغنياء أوروبا، واختاروا لها اسمَ "تيتانيك"، ولأن أصحابها قد أعجبتهم قوتهم وظنوا أنهم ضامنون حمايتها ظاهرين على أي سوء يعترض طريقها، كاتبين على الباخرة "القدر لا يستطيع إغراقها"؛ فما الذي حدث لهذه الباخرة في أول رحلة لها؟

 

انطلقت من لندن في رحلتها الأولى إلى بوسطن، فاعترضها جبل عملاق من الثلج في المحيط الأطلنطي فشطرها نصفين، وغرقت بمن فيها ولم ينج سوى عشرات، فاسألهم كيف أمنوا مكره، وكيف نسوا قدرته، لقد فنوا وسفينتهم، ولم ينجهم من بأس الله شيء، ولم يملكون لها حلا ولا دفاعا؛ إذ كيف يفرون من قبضة الجبار سبحانه.

 

وفي سنة 1986م. صنع الأمريكان مكوكا للفضاء على أقوى وأحدث ما يكون، وأسموه التحدي " تشالنجر" كأنهم يتحدّون به عظمة الله -عز وجل- أو الطبيعة كما زعموا، يريدون به اختراق السموات السبع وبلوغ أسباب السماء كما فكر في ذلك قدوتهم من قبل فرعون، وقال: (يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) [غافر:36-37]، فإذا بالمكوك الضخم الذي أنفق عليه مئات الملايين ينفجر بعد دقيقة واحدة من انطلاقه.

 

فمن الذي أغرق الأولى وأحرق الثانية؟ إنه الله -عز وجل-، بل سلهم من أعطاهم أسرار العلوم والفنون ليجعلوا الأولى تمخر عباب البحار، والثانية تطير عبر المجرات؟ إنه الله -عز وجل-.

 

فكيف يعلمهم ما لا يعلمون ويسخر لهم أسباب ما لم يوجدوا ثم بعدها يتحدون بصنعهم خالقهم ويتهكمون على قاهرهم وما علموا أن البحر من جنده والريح من جنده والله يسلط جنده على من يشاء ليمحق الكافرين، ويبهت الظالمين.

 

والبشر يوم أن يظنوا أنهم قادرون على الدنيا ظاهرين عليها، يريهم الله -عز وجل- من آيات قدرته وعجائب صنعته، ما يردهم إلى الصواب، ذلك لأن البشر مهما علا أمرهم وارتفع شأنهم، فإن الله ظاهر عليهم، قاهر غالب لهم لا راد لأمره، ولا مفر من قضائه.

 

أيها الأخوة في الله: اسم الله الظاهر فيه من دلالات وآثار لأولي النهى، وفقه وعلوم وأسرار لأولي الأبصار.

 

وهذا الاسم لم يرد في كتاب الله سوى مرة واحدة في سورة الحديد في قوله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد:3]، وأما وروده في سنة النبي عليه الصلاة والسلام ففي الدعاء المأثور عن أبي هريرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُنَا أَنْ يَنَامَ أن يقول: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنْ الْفَقْر" [مسلم:4888]

 

والمتتبع للفظ الظاهر يجد كثيرا ما يقترن في نصوص الوحي بالباطن، ومنها قوله -عز وجل-: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ...) [الأنعام:120] [الأنعام:120]، وقوله –سبحانه-: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً...) [لقمان:20]، وقوله -تبارك تعالى-: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) [الحديد:13]، وهذا ليس بغريب على لغة القرآن الكريم؛ إذ يعلم –بديهةً - أن كلّ شيء له ظاهر، فإن له باطنا في المقابل.

 

والظاهر في اللغة: يقال لمن اتصف بالظهور والبيان وهو خلاف الباطن، والظهور يرد على عدة معان في اللغة: منها العلو والارتفاع، ومنها بمعنى الغلبة ومنه يقال: أظهر الله المسلمين على الكافرين أي أعلاهم عليه، كما في قوله مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ) [غافر:29]، أَيْ غَالِبِينَ عَلَى أَرْضُ مِصْرَ. وقال تعالى عن حواري عيسى عليه السّلام: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) [الصف:14]، أيّ: غالبين لعدوّهم حتى صارت لهم القوة والغلبة.

 

والله الظاهر لكثرة البراهين الظاهرة على وجوده، والدلائل على إلهيته وثبوت ربوبيته وحدانيته، والباطن سبحانه بمعنى المحتجب عن عيون خلقه، وأن كنه حقيقته غير معلومة للخلق، وهو الظاهر بنعمته الباطن برحمته، الظاهر بالقدرة على كل شيء والباطن العالم بحقيقة كل شيء.

ولاسم الله الظاهر معان ودلالات كثيرة، كل واحدة منها تفتح لنا من خزائن الفقه وأسرار العلوم الشيء الكثير:

 

المعنى الأول: الظاهر هو الغالبُ لخَلْقه، فالله جل جلاله هو الغالب القاهر الفعّال لما يُريد، فأمره هو النافذ، ومشيئته هي المتحكمة، المهيمن والمسيطر سبحانه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، "فهو الظاهر"، لأنه ظهر على خلقه فغلبهم وقهرهم، وفي القرآن آيات تؤكد هذا المعنى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [العنكبوت:4]، ويعني: هل يظن العاصي أن يفعل شيئاً لم يُردْه الله؟ لا يستطيع لأن الله هو الظاهر الغالب، وهل يستطيع أن ينفلت من قبضة الله، أو ينجو من عقابه؟ لا يستطيع، لأن الله هو الظاهر القاهر، وسمى نفسه بالظاهر لأنه غالب مهيمن مسيطر، حكمه نافذ وبأسه شديد، وهو فعال لما يريد، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف:21].

 

المعنى الثاني للظاهر: هو العالم للخفايا المطلع على السرائر المحيط بالنوايا، ومنه يقال ظهرتُ على سره أي اطلعت على سره، والله -عز وجل- إضافة إلى قوته، وسيطرته وقدرته، وهيمنته، هو عليم بكل شيء، ظاهر على كل شيء.

 

المعنى الثالث للظاهر: هو أن الله ظاهر لكثرة البراهين النقلية الدالة عليه ولكثرة الدلائل العقلية والكونية التي تشير إليه، قيل لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه: متى كان الله؟ فقال رضي الله عنه: ومتى لم يكن؟

 

يعني الله -عز وجل- كل شيء يدل عليه، فأنتم - أيها المسلمون- تلاحظون أن الهواء الذي نتنفسه لو قطع عنا لفقدنا حياتنا، ومع ذلك لا نراه، وهو معنا نعيش بسببه، ومع ذلك لا نشعر بوجوده.

 

أحياناً الشيء قد تظهر عينه فتعرفه بحواسك الخمس، وقد تغيب عينه وتبقى آثاره فتعرفه بعقلك، فعقلك يدلك على الشيء الذي خفيت عينه وبقيت آثاره، وكأنه أمامك.

 

فالعقل الذي أودعه الله في الإنسان، مع الكون الذي هو مظهر لوجود الله ولوحدانيته ولكماله، هذا العقل إذا أُعمل في الكون ظهر الله جل جلاله وتجلى للعقول، غير أنه لا يبدو للأبصار لقوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخبير) [الأنعام 103].

 

ولكن الله جل جلاله بدا للعقول بشكل جلي، ففي كل حادثة عجيبة يراها الناس ومع كل نازلة يلمسونها، تجدهم جميعا على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وثقافاتهم، يردون الأمر إلى صنع الله وفعله وحكمته وقدرته، اعترافا منهم بقوته وقهره وظهوره جل وعلا على خلقه.

 

المعنى الرابع للظاهر: هو العلو بكل معانيه ومترادفاته التي تليق بالله جل وعلا، ويتضمن صفة العلو والظهور على خلقه، فليس فوق الله شيء بل هو العلي الأعلى على خلقه بذاته وقدرته وقهره، والله تبارك وتعالى ظاهر على كل شيء، العالي فوق كل شيء، الظاهر القادر الذي ظهر فوق كل شيء بالقَهْرِ والقُوَّةِ والغَلَبَةِ، قال الطبري عن اسم الله الظاهر: "وهو الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه".

 

والله -عز وجل- ظاهر على خلقه بائن عنهم مطلع عليهم خبير بهم، وهذا الظهور والعلو لا يتنافى مع ما ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر" [البخاري:1145].

 

ولا يكون -عز وجل- تحت المخلوقات أبداً أو داخلها، ولا تكون المخلوقات والسموات محيطة به أبداً، فهو العلي الأعلى، الظاهر البائن الذي ليس فوقه شيء، المحيط بكل شيء، العلي في دنوه، القريب في علوه، وهو سبحانه ينزل ويجيء ويأتي، ولكن ينزل نزولاً لا يماثل نزول المخلوقين، نزولاً يختص به وحده لا شريك له، فليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله كما قال سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11].

 

ولطبيب القلوب وخبير الطب النفسي العلامة ابن القيم -رحمه الله- كلاما نفيسا يدور حول تفسير اسم الله الظاهر مقترنا مع باقي الأسماء الأربعة التي وردت في سورة الحديد، وقد أودع هذا الكلام النفيس والدرر الغالية كتابه الرائع "طريق الهجرتين" وفيه يقول: "واعلم أن لك أنت أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، بل كل شيء له أول وآخر وظاهر وباطن، حتى الخطرة واللحظة والنفس، وأدنى من ذلك وأكثر. فظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه، وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء، بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه، فهذا لون وهذا لون.

 

فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده، فالأول قِدمُه، والآخر دوامه وبقاؤه، والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه، فسبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا تواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضاً، ولا يحجب عنه ظاهرٌ باطناً، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية..".

 

اللهم إنا نسألك السلامة من كل شر والفرج من كل كرب والهدى والتقى والعفاف والغنى، ونسألك الأمن يوم الفزع، والسلامة يوم الندامة، والفوز بالجنة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

 

أما بعد:

 

معاشر الأخوة الكرام: الحياة في ظلال فقه أسماء الله وصفاته، حياة لها طعم مختلف، وشعور آخر، حياة طيبة ثمرتها الإيمان والعمل الصالح والاستقامة على أمر الله، ففهم مراد الله ورسوله يورث المرء مقامات إيمانية رائعة وعالية، سواء كان هذا التأثر في الظاهر أم في الباطن، فصلاته تختلف عن صلاة غيره، وصيامه يختلف عن صيام غيره، وذكره ودعاؤه ومناجاته، وتوكله ورجاؤه وخشيته وإقباله وإخلاصه وتبتله، وسائر مقاماته الإيمانية نابعة عن فهم وفقه ويقين، لذلك تجد النازلة أو الحادثة تنزل بالرجلين أحدهما يفقه أسماء الله وصفاته، والآخر لا يفقهها، فترى الأول ثابتا راسخا مستسلما راضيا صابرا محتسبا، وترى الآخر جزعا عجولا منوعا ساخطا فرقا، وهذا الفارق بين من فقه أسماء الله وصفاته وبين من لا يفقهها.

 

عباد الله: الحياة في ظلال اسم الله الظاهر، هي أشبه ما تكون بالحياة في روض زاهر مليء بالرياحين والعبير الفواح من الظواهر الإيمانية والآثار السلوكية، والمؤمن إذا تحقق في قلبه علو ربه تعالى المطلق على كل شيء بذاته، وأنه ليس فوقه شيء البتة وأنه ظاهر فوق عباده يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم توجه إليه، وتبين له علمه المحيط بكل شيء، وقهره لكل شيء، فقد جمع قلبه على المعبود، وجعله ربه الظاهر صمداً يقصده في كل حوائجه، وملجأ يلجأ إليه، فإذا استقر ذلك في قلبه وعرف ربه باسم الظاهر استقامت له عبودية القلب وانقادت له عبودية الجوارح، وصار معقلا وموئلا يلجأ إليه، ويفر في كل وقت إليه، فيا سعادة من آثر رضاه وحده، وتوكل عليه وحده، واستغنى به عمن سواه، فأصلح له غيبك فإنه عنده شهادة، وطهر له سريرتك فإنه عنده علانية، وراقبه في كل خطواتك وخطراتك، فإنه مطلع عليك، وزكِّ له باطنك فإنه عنده ظاهر: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد:3].

 

قال الإمام ابن القيم:"وأما عبوديته باسمه الظاهر فكما فسره النبي صلى الله عليه وسلم: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" فإذا تحقق العبد علوه المطلق على كل شيء بذاته وأنه ليس فوقه شيء البتة، وأنه ظاهر فوق عباده يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم توجه إليه قال الله عن علوه: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر:10]، صار لقلبه قِبلة توجه نحوها ومعبوداً يتوجه إليه قصده، وصاحب هذه الحال إذا سلك وتأله وتعبد طلب قلبه إلهاً يسكن إليه ويتوجه إليه"

 

وللإيمان باسم الله الظاهر آثار إيمانية منها: تمام التوكل على الله الذي لا يقع في ملكه شيء إلا بإذنه وعلى علمه، فهو الظاهر القاهر الذي بيده ملكوت كل شيء وبيده المقادير، لا يغالب ولا يراجع في أمر قضاه، وعندها لا يحتاج العبد لئن يتجه لأحد من المخلوقين مهما علا قدره بين الناس، ذلك لأنه يعلم أن هناك العلي الأعلى الظاهر على كل ظاهر من أهل الدنيا.

 

ومن الآثار الإيمانية للعبودية باسمه الظاهر الخوف منه وحده جل وعلا، وترك الخوف من المخلوقين مهما علا قدرهم وارتفع شأنهم، فهم مهما كانت قوتهم خلق من خلق الله الظاهر عليهم، القاهر لهم، لا يخرجون عن قضائه، ولا يفرون من قدره (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) [البقرة:102].

 

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمةُ أمرِنا .. وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا .. وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا .. واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير .. واجعل الموتَ راحةً لنا من كلِ شر.

 

اللهم إنا نسألك فعلَ الخيرات .. وتركَ المنكرات .. وحبَ المساكين.. وأن تغفر لنا وترحمنا وتتوب علينا .. وإذا أردت بقومٍ فتنةً فتوَفنا غير مفتونين .. ونسألك حبَك.. وحبَ مَن يُحبك.. وحب عملٍ يقربنا إلى حبك .. يا رب العالمين .

 

اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين .. الذين شهدوا لك بالوحدانية ..ولنبيك بالرسالة .. وماتوا على ذلك .. اللهم اغفر لهُم وارحمهُم وعافهم وأعفو عنهم .. وأكرم نزلَهم .. ووسِع مدخلهم .. واغسلهم بالماء والثلج والبرَد.. ونقهم كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وارحمنا اللهم برحمتك إذا صرنا إلى ما صاروا إليه .. تحت الجنادل والتراب وحدنا.

 

اللهم اغفر لنا .. وارحمنا .. وأعتق رقابنا من النار .

 

اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها .. وأجرِنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة .. اللهم إنا نسألك إيمانا كاملاً .. ويقينا صادقا .. وقلبًا خاشعًا ..ولسانًا ذاكرًا ..وتوبة نصوحة .. وتوبة قبل الموت .. وراحة عند الموت .. والعفو عند الحساب .. ونسألك الجنةَ ونعيمَها .. ونعوذ بك من النار .. يارب العالمين.

 

اللهم إنا نسألك موجباتِ رحمتك .. وعزائمَ مغفرتك .. والغنيمةَ من كل بر .. والسلامة من كل إثم .. والفوزَ بالجنة.. والنجاة من النار .. يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلننا، وما أنت به أعلم منا، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

 

اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم .. وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم .. وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

المرفقات

الزاهر في دلالات اسم الله الظاهر

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات