الرضا في حياة المسلم

محمود بن أحمد الدوسري

2019-10-20 - 1441/02/21
عناصر الخطبة
1/تقلبات أحوال الناس في هذه الحياة 2/ماهية الرضا وحكمه 3/وصية السلف بالرضا 4/أحوال الإنسان عند حلول المصيبة 5/فضائل الرضا 6/أثر عدم الرضا على حياة الإنسان وصحته 7/نماذج رائعة في الرضا بالقضاء 8/ثمرات ومنافع الرضا في الدنيا والآخرة

اقتباس

وأمَّا مَنْ رضي بالله -تعالى- رباً وَجَدَ حلاوةً في الرضا بالقضاء والقدر. ومَنْ رضي بالإسلام ديناً وَجَدَ حلاوةً في اتباع الشريعة، والعملِ بها، والتحاكمِ إليها. ومَنْ رضي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- رسولاً وَجَدَ حلاوةً في اتباع سنته، والتزام...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَنْ لا نبيَّ بعده.

 

يعيش الناس في هذه الحياة الدنيا في أحوال مختلفة بين سعادة وشقاء، ويُسْر وعُسْر، وفرح وحُزن، وصفاء وكدر.

هكذا هي الحياة وهكذا أرادها الله -عز وجل- مد وجزر، حل وترحال، لقاء وفراق، بداية ونهاية، قال تعالى: (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)[آل عمران: 140].

 

ثمانيةٌ لابدَّ منها على الفتى *** ولابد أنْ تجري عليه الثمانية

سرورٌ وهـمٌّ واجـتماعٌ وفُـرقـة *** ويُسرٌ وعُسرٌ ثم سُقْمٌ وعافية

 

يُعَرَّف الرضا بأنه سرور القلب بمُرِّ القضاء، أو سكونه تحت مجاري الأحكام.

 

وبمعنى آخر: أنْ ترضى بما أنتَ فيه من السراء والضراء، ولا تتمنى خِلافَ حالك، قال ابن المبارك -رحمه الله-: "الرضا: لا يتمنى خلاف حاله".

 

وقد أجمع العلماء على أنَّ الرضا مستحبٌ مُؤكَّد استحبابه، وليس بواجب كالصبر؛ لأنَّ كثيراً من الناس قد لا يُطيق الرضا أو لا يصل إلى درجته؛ لصعوبته عليهم.

 

والرضا هو أعلى منازل التوكل على الله -تعالى-.

 

ولم يوجبه الله -تعالى- على خلقه؛ رحمةً بهم، وتخفيفاً عنهم، لكنه تبارك وتعالى نَدَبَنا إلى الرضا، وأثنى على أهله، وأخبر أنَّ ثوابه رضاه تعالى عنهم؛ كما قال سبحانه: (وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ)[التوبة: 72]، فَرِضَا اللهِ عن أهل الجنة أكبرُ وأجلُّ من الجنة وما فيها.

 

وقد كان السلف الصالح يوصي بعضهم بعضاً في الرضا، وها هو عمر الفاروق يوصي أبا موسى الأشعري -رضي الله عنهما- قائلاً له: "إنَّ الخير كلَّه في الرضا، فإن استطعت أنْ ترضى وإلاَّ فاصبر"؛ لأنه إنْ لم يصبر فسيقع في التسخط والجزع.

 

والفرق بين الرضا والصبر: أنَّ الصبر هو حبس النفس عن التَّسخُّط، وأمَّا الرضا هو انشراح الصدر بالقضاء.

 

والإنسان عند حلول المصيبة له أربعُ حالات: إما التسخط، أو الصبر، أو الرضا، أو الشكر -وهو أعلى مقامات الإيمان، وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: "وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ"(صحيح، رواه النسائي).

 

وما أحسن ما قاله ميمون بن مهران -رحمه الله-: "مَنْ لم يرضَ بالقضاء؛ فليس لِحُمقِه دواء".

 

عباد الله: إنَّ الرضا له فضائل عظيمة، فمن أهمها: أولا: الرضا سببٌ لمغفرة الذنوب؛ كما جاء في الحديث: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا؛ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ"(رواه مسلم).

 

ثانيا: الرضا سببٌ لوجوب الجنة لصاحبه؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "يَا أَبَا سَعِيدٍ! مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا؛ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ"(رواه مسلم).

 

ثالثا: الرضا سببٌ لنيل رِضوان الله الأبدي؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَبِّ! وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا"(رواه البخاري ومسلم).

 

رابعا: الراضي بقضاء اللهِ أغنَى الناس؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم--: "اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ"(حسن، رواه الترمذي).

 

خامسا: الرَّاضي يتذوَّق طعمَ الإيمان؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً"(رواه مسلم).

 

أيها الإخوة الكرام: إنَّ كثيراً من الهموم والضغوط النفسية التي تنعكس سلباً على صحة الإنسان وحياته سببها عدم الرضا، فمَنْ حُرِمَ لذَّةَ الإيمان ونعيمَ الرضا؛ فهو في قلقٍ واضطراب، وشقاءٍ وعذاب، وخصوصاً حينما يَحِلُّ به بلاء، أو تنزل به مصيبة فتسْوَدُّ الحياة في عينيه، وتُظلِم الدنيا في وجهه، وتَضيقُ عليه الأرض بما رَحُبَت، ويأتيه الشيطان ليوسوس له، ألاَّ خلاص من همومه وأحزانه إلاَّ بالانتحار.

 

وها هي حوادث الانتحار تزداد نسبتُها، ويتفاقم خطرُها؛ وخصوصاً في البلاد التي انحسر عنها ظلُّ الإِسلام، وخبا فيها نورُ الإِيمان، وهم الذين عَنَاهم الله -تعالى- بقوله: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)[طه: 124].

 

وأمَّا مَنْ رضي بالله -تعالى- رباً وَجَدَ حلاوةً في الرضا بالقضاء والقدر.

ومَنْ رضي بالإسلام ديناً وَجَدَ حلاوةً في اتباع الشريعة، والعملِ بها، والتحاكمِ إليها.

ومَنْ رضي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- رسولاً وَجَدَ حلاوةً في اتباع سنته، والتزام هديه.

 

فَلَيْتَكَ تَحْلُـو وَالحَيَاةُ مَرِيرَةٌ *** وَلَيْتَكَ تَرْضَى، وَالأَنَامُ غِضَابُ

وَلَيْتَ الذي بَيْني وَبَيْنَكَ عَامِرٌ *** وبيني وبينَ العـالمينَ خـرابُ

إذا صَح مِنْكَ الوِدُّ فالكلُّ هَيِّنٌ *** وكُـلُّ الذي فَوقَ التُّرابِ تُراب

 

ومن أعظم نماذج الرضا بالقضاء: لَمَّا رَحَل إبراهيم -عليه السلام- بزوجه هاجر وولده إسماعيل إلى مكة المُقفرةِ من الماء والزرع، الخاليةِ من الأحياء، ثم تَرَكَهما، وتوجَّه نحو الشام تعلَّقت به، ونادته من ورائه: "يَا إِبْرَاهِيمُ! إلى مَنْ تَتْرُكُنَا؟ قال: إلى اللَّهِ، قالت: رَضِيتُ بِاللَّهِ"(رواه البخاري)، وفي رواية: "قَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذًا لاَ يُضَيِّعُنَا"(رواه البخاري).

 

فأكرمها الله -تعالى- على رضاها به أنْ جعل ابنَها إسماعيل -عليه السلام- رسولاً نبياً، وأعظمُ كرامة نالتها في الدنيا أنْ جعل من نسلها إمامَ المرسلين، وخاتَمَ النبيين؛ محمداً -صلى الله عليه وسلم-.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله...

 

عباد الله: الرضا له ثمار طيبة ونافعة في الدنيا والآخرة، فمن أهمها: أولا: الرضا فيه السلامة من الاعتراض على أحكام الله الشرعية وأقداره الكونية؛ فإنَّ أول معصية عُصِيَ اللهُ بها في هذا العالم؛ إنما نشأت من عدم الرضا.

فإبليس فلم يرض بِحُكم الله الكوني؛ من تفضيل آدم وتكريمه، ولا بِحُكمه الشرعي؛ من أمره بالسجود لآدم، فكان جزاؤه أنْ طُرِدَ من الجنة.

 

ثانيا: الرضا يورث حُسنَ ظنِّ العبد بربِّه؛ لعِلْمِه أنَّ الله -تعالى- لا يقضي قضاءً إلاَّ وفيه تمام العدل والرحمة والحكمة.

 

ثالثا: الرضا يغرس الحقائقَ الإيمانيةَ في القلوب؛ كالاستعانة بالله -تعالى-، والتوكل عليه، والاستغاثة، والخشية، والإنابة، ونحوها.

 

رابعا: الرضا يُحقِّق الأمن النفسي لصاحبه؛ فهو يُزِيل الهمومَ، ويُخَفِّف المآسي.

 

خامسا: الرضا سببٌ لسلامة صدورنا، ونقاءِ قلوبنا، فيجعل القلبَ سليماً، نقيًّا من الغش والحقد، والحسد والشحناء؛ لأنه يوقن بحكمة الله ورحمته في كُلِّ أقضيته الكونيةِ والشرعية، يعلم أنَّ لله -تعالى- الحِكمةَ البالغة في إعطاء مَنْ يشاء، ومنعِ مَنْ يشاء، وإعزازِ مَنْ يشاء، وإذلال مَنْ يشاء.

 

سادسا: الرضا يُخلِّصُنا من الأزمات النفسية؛ لأنه طاردٌ للقلق والضجر؛ عند فوات مُرادٍ، أو حصول مكروه.

 

سابعا: الرضا يُورِثنا الاتزان في السراء والضراء، فيجعل المسلم يمضي في حياته على منهج سواء، لا تُبطره نعمة، ولا تُيَئِّسُه مصيبة.

 

ثامنا: الرضا يُحوِّل المِحَنَ إلى مِنَح، والمصائبَ إلى أجور؛ قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[التغابن:11]، ومعنى الآية: "أنَّ من أصابته مصيبة، فعَلِمَ أنها بقدر الله، فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله، ورضي به؛ هدى اللهُ قلبَه، وعوَّضه عمَّا فاته خيراً في الدنيا والآخرة".

 

تاسعا: الرضا يُثمر القناعةَ وعِزَّةَ النفس: فالمؤمن يعلم أنَّ رزقه مكتوب، وأنه لن يموت حتى يستوفيَ رِزقَه، وأنَّ العباد مهما حاولوا إيصال الرزق له، أو منعه عنه فلن يستطيعوا إلاَّ بشيء قد كتبه الله، فينبعث بذلك إلى القناعة وعِزَّةِ النفس، وتركِ التكالب على الدنيا، وقطعِ الطمع مما في أيدي الناس.

 

عاشرا: الرضا يُوجب التواضع: فإذا رَزَقَ اللهُ المؤمنَ مالاً أو جاهاً أو علماً، أو غيرَ ذلك تواضَعَ لله؛ لأنَّ ما به من نعمة فمن الله، ولو شاء لانتزعها منه.

 

الحادي عشر: الرضا يُثمر الشكر: وهو أعلى مقامات الإيمان، بل هو حقيقة الإيمان، فإنَّ غاية العبادة هي شُكْر المولى، ولا يشكر اللهَ مَنْ لا يرضى بمواهبه وأحكامِه، وصُنعِه وتدبيره، وأخْذِه وعَطائِه، فالشاكر أنعَمُ الناس بالاً، وأحسنهم حالاً.

 

الثاني عشر: الرضا فيه مُحاربةٌ لليأس؛ فالذي لا يرضى بما قدَّره الله عليه؛ رُبَّما يصيبه اليأس والقنوط، فإذا أُصيب بِبَليَّة ظنَّ أنها قاصمةٌ لظهره، فاليأس سُمٌّ قاتل، وسِجن مُظلم، يصد النفس عن الخير، ولا يزال بالإنسان حتى يُهْلِكَه أو يُنَغِّصَ عليه حياته.

 

أمَّا الراضي بقضاء الله -تعالى- فاليأس ليس في قاموسه، ولا تراه إلاَّ متفائلاً في جميع أحواله، منتظراً الفرج من ربه.

 

المرفقات

الرضا في حياة المسلم

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات