الرزق ثمرة التوكل

محمد حسان

2014-03-25 - 1435/05/24
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/حقيقة التوكل 2/فضل التوكل وأهميته 3/الرزق ثمرة التوكل 4/أنواع الرزق 5/أسباب الرزق 6/ قصص رائعة في التوكل على الله

اقتباس

إن لله سنناً ربانية في الكون لا تتبدل ولا تتغير، ولا تحابي تلك السنن أحداً من الخلق بحال، مهما ادعى لنفسه من مقومات المحاباة، فالتوكل على الله أن نأخذ بالأسباب: أن نأخذ بأسباب القوة، وأن نأخذ بأسباب النصر، وأن نأخذ بأسباب العزة والاستخلاف والتمكين، وأن نعلق قلوبنا بمسبب الأسباب لا بالأسباب، وهذا هو الفارق بين المؤمن الذي وحد الله -جل جلاله-، وبين الكافر الذي يأخذ بالأسباب، ولا يعلق قلبه إلا بالأسباب فقط. فحقيقة التوكل: صدق اعتماد القلب على الله مع ...

 

الخطبة الأولى:

 

بسم الله الرحمن الرحيم.

 

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله -تعالى- من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة؛ فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

 

فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته.

 

وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء الأعزاء، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم -جل وعلا- الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

"الرزق ثمرة التوكل" هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم المبارك، وسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في هذا الموضوع المهم في العناصر المحددة التالية:

 

أولاً: حقيقة التوكل.

 

ثانياً: الرزق ثمرة التوكل.

 

ثالثاً: ثلة من بستان المتوكلين.

 

فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يرزقنا جميعاً صدق التوكل عليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

أولاً: حقيقة التوكل:

 

روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة وغيرهم بسند صحيح من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لو أنكم توكلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً".

 

تدبر معي كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- مرة أخرى: "تغدوا خماصاً" أي: تخرج في الصباح الباكر وبطونها فارغة، لا تملك إدارة، ولا تملك كمبيوتر، ولا تملك إنترنت.

 

"وتروح بطاناً" أي: ترجع في وقت الروحة وقد رزقها الرزاق ذو القوة المتين.

 

فحقيقة التوكل -أيها الأخيار الكرام-: أن نأخذ بالأسباب، وأن تكون قلوبنا في الوقت ذاته معلقة بمسبب الأسباب، إذ إن الأسباب وحدها لا تضر ولا تنفع ولا ترزق ولا تمنع إلا بأمر مسبب الأسباب، فالمؤمن يأخذ بالسبب، ويعلق قلبه بمسبب السبب، فإن تيسر أمر فبتيسيره، وإن تعسر أمر فبتقديره، وأنا لا أعلم الآن أمة قد ضيعت قانون السببية كأمة سيد البشرية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

فالأمة الآن متواكلة إلا من رحم ربك -جل وعلا-، إذ أن الأمة قد ضيعت الأسباب، وظنت أنها لعلاقتها بالله -تبارك وتعالى-، وبنسبتها للنبي -صلى الله عليه وسلم- دون أن تأخذ بالأسباب؛ ظنت أن الله سينصرها، ولله سنن ربانية في الكون لا تتبدل ولا تتغير، ولا تحابي هذه السنن أحداً من الخلق بحال، مهما ادعى لنفسه من مقومات المحاباة، فالمصطفى كان قائد المعركة في أحد، فلما تخلى بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أسباب النصر كانت الهزيمة.

 

إن لله سنناً ربانية في الكون لا تتبدل ولا تتغير، ولا تحابي تلك السنن أحداً من الخلق بحال، مهما ادعى لنفسه من مقومات المحاباة، فالتوكل على الله أن نأخذ بالأسباب: أن نأخذ بأسباب القوة، وأن نأخذ بأسباب النصر، وأن نأخذ بأسباب العزة والاستخلاف والتمكين، وأن نعلق قلوبنا بمسبب الأسباب لا بالأسباب، وهذا هو الفارق بين المؤمن الذي وحد الله -جل جلاله-، وبين الكافر الذي يأخذ بالأسباب، ولا يعلق قلبه إلا بالأسباب فقط.

 

فحقيقة التوكل: صدق اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب، فالتوكل هو جماع الإيمان، وهو نهاية تحقيق التوحيد، قال سهل بن عبد الله التستري: "من طعن في الأسباب فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان، فالدخول في الأسباب سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، والتوكل حال النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمن عمل على سنته فلا يتركن حاله".

 

فسيد المتوكلين هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك ظهر يوم أحد بين درعين، واستأجر يوم الهجرة دليلاً مشركاً؛ ليدله على طريق الهجرة، وهو الصادق الذي هدى الله به العالمين، وكان يدخر القوت لأهل بيته، وكان إذا سافر للجهاد والحج والعمرة حمل الزاد والمزاد، وهو صاحب القلب الذي لم يتعلق قط إلا بالله رب العالمين.

 

فهذه هي حقيقة التوكل، ومن ثم أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بتحقيق التوكل، فقال: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) [الفرقان: 58].

 

وقال تعالى: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ) [النمل: 79].

 

وقال تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) [الأحزاب: 3].

 

وقال تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: 159].

 

وأثنى على أنبيائه ورسله الذين حققوا التوكل، فقالوا: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا)[إبراهيم: 12].

 

وأثنى على أوليائه الذين قالوا: (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [الممتحنة: 4].

 

وأثنى على أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام-: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) [آل عمران: 173-174].

 

وأمر المؤمنين بتحقيق التوكل، فقال سبحانه: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [آل عمران: 122].

 

وجعل التوكل ثمرة حتمية للإيمان به سبحانه، فقال جل وعلا: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)[المائدة: 23].

 

هذا هو التوكل، وهذه حقيقته، هذا هو التوكل الذي جعله المصطفى ثمرة كريمة من ثمار الإيمان، وجعله المصطفى سبباً رئيسياً من أسباب الرزق.

 

وهذا هو عنصرنا الثاني: الرزق ثمرة التوكل.

 

قال ابن منظور في لسان العرب: "الرزق هو ما تقوم به حياة كل كائن حي، مادياً كان أو معنوياً".

 

وكثير من الناس يظن أن الرزق هو المال فقط، وهذا فهم قاصر وخاطئ، فالرزق أوسع مدلولاً من المال، فالإيمان رزق، وحب النبي -صلى الله عليه وسلم- رزق، وحب الصحابة رزق، وحب آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- رزق، واليقين رزق، والتوكل على الله رزق، والخوف من الله رزق، والإنابة رزق، والتوبة رزق، والحلم رزق، والحكمة رزق، والعلم رزق، ومحبة الناس لك رزق، والزوجة الصالحة رزق، والذرية الطيبة رزق، والمال رزق، والذي يرزق كل هذه الأرزاق هو الرزاق؛ قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود: 6].

 

لا على أوروبا، ولا على أمريكا، لا على شرق ملحد، ولا على غرب كافر: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [هود: 6].

 

جلس إبراهيم بن أدهم ليأكل بعض قطع اللحم المشوي، فجاءت قطة فخطفت قطعة لحم وجرت، فقام وراءها ليراقب هذا الموقف، فوجد القطة قد وضعت قطعة اللحم أمام جحر في باطن الأرض، في مكان مهجور، ثم انصرفت، فازداد عجبه! وفجأة خرج ثعبان أعمى يخرج من هذا الجحر ليجر قطعة اللحم إلى جحره، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء، وقال: "سبحانك يا من سخرت الأعداء يرزق بعضهم بعضاً".

 

(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [هود: 6].

 

وقال تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ) [الذاريات: 22].

 

كيف ذلك والزرع في الأرض، والضرع في الأرض، والإدارة في الأرض، والشركات في الأرض، والوظيفة في الأرض، والله -جل وعلا- يقول: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ) [الذاريات: 22]؟!

 

لتعلم يقيناً أن كل ما تملكه في الأرض إنما هو الأسباب، والأسباب وحدها لا تضر ولا تنفع، ولا ترزق ولا تمنع، إلا بأمر من استوى على العرش: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) [الذاريات: 22-23].

 

سمع الآية الكريمة أعرابي، فقال: من ذا الذي أغضب الكريم حتى يقسم؟

 

سئل حاتم الأصم، فقيل له: يا حاتم، كيف حققت التوكل؟

 

سؤال جميل يحتاجه كل واحد منا!.

 

فقال حاتم الأصم -وهو من سادة المتوكلين من التابعين-: حققت التوكل على الله بأربع خصال، قيل له: ما هي؟ قال: علمت بأن رزقي لا يأخذه غيري فاطمأن قلبي، وعلمت بأن عملي لا يعمله غيري فانشغلت به، وعلمت بأن الله مطلع علي فاستحييت أن يراني على معصية، وعلمت بأن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء الله.

 

هؤلاء هم المتوكلون: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) [الذاريات: 22-23].

 

ولكن الله -جل جلاله-: لحكمته وكمال مشيئته قدر الرزق، وقدر للزرق أسباباً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -طيب الله ثراه-: "ما من شيء في الدنيا ولا في الآخرة إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات".

 

وأسباب الرزق نوعان:

 

أسباب مادية دنيوية، وأسباب إيمانية دينية.

 

أما الأسباب الدنيوية المادية: فيستوي فيها الكافرون والموحدون، ولقد تعمدت أن أقدم المشركين والكفار؛ لأن بعض الناس يظن أن الأرض لا تعطي زرعها إلا لمن وحد الله -جل جلاله-، فالرزق عطاء ربوبية للكافر والمؤمن على السواء، فالله يرزق الكفار، ويرزق المؤمنين.

 

والسؤال المرير: أفيرزق ربنا الكفار، وينسى أن يرزق من وحدوا العزيز الغفار؟!

 

والجواب: أن الرزق عطاء ربوبية، فالأرض إن زرعها الكافر، وبذرها وحرثها ورعاها أعطته الثمار، فهي لا تمنع رزقها وعطاءها عن الكافر، وتمنح رزقها وعطاءها للمؤمن.

 

كلا، لقد وعد الله أن يرزق كل دواب الأرض، فالرزق مكفول للكافرين والمؤمنين، فإن أخذ الكافر بأسباب الرزق الدنيوية المادية رزق.

 

أما الأسباب الأخرى، فهي الأسباب الإيمانية الدينية، وهذه لا يذوق طعمها ولا يعرف حلاوتها إلا من وحد الله، فما هي هذه الأسباب؟

 

أما الأسباب المادية، فإنها معلومة للجميع، ولكن الذي أود أن أؤكد عليه: أن الأسباب الإيمانية الدينية غفل عنها كثير من المسلمين.

 

ومن أعظم وأهم هذه الأسباب: التوكل على الله، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)[الطلاق: 3].

 

أي: فهو كافيه، تدبروا هذا، فوالله لو تدبر الناس هذا ما أكل الحرام من أكل، وما ارتشى من ارتشى، وما قتل من قتل، وما سرق من سرق إلا وهو جاهل بحقيقة التوكل على الله، جاهل بالمفهوم الحقيقي لقضية الرزق مع التوكل على الله -جل جلاله-، وإلا فإننا نسمع بأذاننا في كل يوم تقريباً من يقول: انظر حولك، انظر خلفك، انظر بين يديك، الناس يتكاثرون، الأمطار تقل، الرزق يقل، من أين نأتي لهذه الأفواه الكثيرة بالطعام والشراب؟

 

ونسي هؤلاء أن الذي يرزق الكفار هو الله، أفيرزق الكفار وينسى من وحدوا العزيز الغفار؟!

 

(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق: 3] أي: كافيه.

 

وقال في الحديث الذي صدرت به الموضوع: "لو أنكم توكلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً، وتروح بطاناً".

 

ومن أرق وألطف ما قرأت في هذا الباب: أن حاتم الأصم -ذلكم الرجل الذي ذكرت أنه من سادة المتوكلين على الله- سأله رجل يوماً وقال له: يا حاتم، من أين تأكل؟ فقال له حاتم: (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ) [المنافقون: 7].

 

أنت ترزق حتى إذا ما وجدت أخاً من إخوانك قد لبس ثوباً جميلاً؟! قلت له: من أين أتيت بهذا الثوب؟ لو كنت رزاقاً ترزق العباد ونسيت أن ترزق هذا فسل: (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ) [المنافقون: 7].

 

هذا الرجل -حاتم الأصم- كان فقيراً لا يملك إلا اليسير، وكان قد سمع الناس يتكلمون في حج بيت الله ويستعدون لذلك، فاشتاق لحج بيت الله، فجمع أولاده وقال: يا أولادي، لقد عزمت الآن على حج بيت الله، فقالوا: ومن يطعمنا؟ ومن يرعانا؟ ومن يأتي بحوائجنا؟ ومن يقضي لنا حوائجنا؟

 

فردت بنت صغيرة من بناته، وقالت: يا أبتي، اذهب إلى حج بيت الله فإنك لست برازق.

 

وانطلق الرجل، ونفذ الطعام في البيت، وشعرت الأسرة بالجوع ودخلوا على هذه البنت التقية المتوكلة بالتوبيخ والتعنيف والتأنيب، فخلت هذه البنت بربها، وقالت: إلهي وسيدي ومولاي، لقد عودت القوم فضلك فلا تحرمنا من فضلك، ولا تخزني بين أهلي.!

 

وفي هذا التوقيت يقدر الرزاق ذو القوة المتين أن يكون أمير البلدة في الشوارع والطرقات يتفقد أحوال الناس، وبينما هو أمام باب حاتم الأصم شعر بظمأ شديد كاد أن يقتله.

 

فقال لجندي من الشرطة معه: أدركني بكوب من الماء، فلما علم أهل البيت أن الأمير على بابهم تعجبوا، وهم الفقراء الذين لا يملكون شيئاً، يقف الأمير على بابهم سائلاً يطلب الماء، فأحضروا ماء بارداً وكوباً نظيفاً، فلما شرب الأمير الماء سأل: بيت من هذا؟

 

قالوا: بيت حاتم الأصم، قال الأمير: العبد الصالح؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله الذي سقانا من بيوت الصالحين، أين هو لنسلم عليه؟

 

قالوا: ذهب لحج بيت الله، فقال الأمير: إذاً وجب علينا أن نكافئ أهل بيته في غيبته، وكانت العملة من الذهب، فأخرج صرة مملوءة ذهباً وألقاها في بيت حاتم الأصم، ولكن الرزاق أراد المزيد، فالتفت الأمير إلى الشرطة والجند من حوله، وقال: من أحبني فليصنع صنيعي؟ فألقى كل شرطي ما معه من المال مجاملة لأميره، وامتلأ البيت بالذهب، ودخلت البنت التقية النقية المتوكلة تبكي، فدخلت عليها أمها مع أولادها، وقالت: لم البكاء، وقد أصبحنا من أغنى الناس؟

 

فقالت هذه الفتاة الطيبة: لقد نظر إلينا مخلوق نظرة فاغتنينا، فكيف لو نظر الخالق إلينا؟

 

(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق: 3].

 

أما حاتم، فلقد أصيب أمير الحج بلدغة عقرب فسأل: هل في القوم من راق؟

 

قالوا: بيننا حاتم الأصم الرجل الصالح، قال: ائتوني به، فرقاه حاتم فشفاه الله -جل وعلا-، فجعل له الأمير جعلاً كبيراً، فكان حاتم من أغنى الناس نفقة في الحج، إن الذي يرزق هو الله.

 

السبب الثاني من أسباب الرزق: الاستغفار، والمداومة، والاستقامة على منهج العزيز الغفار، قال -تعالى-: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) [نوح: 10-13].

 

أي: مالكم لا توحدون الله حق توحيده، ولا تعبدون الله حق عبادته، ولا تقدرون الله حق قدره، ولا تتوكلون على الله حق توكله؟!

 

يا من حرمت من نعمة الأولاد داوم على الاستغفار: (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) [نوح: 12-13].

 

وفي الحديث الذي رواه أحمد في مسنده، وصححه العلامة أحمد شاكر، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب".

 

وقال تعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) [الجن: 16].

 

أي: لو استقاموا على منهج الله -تعالى- وعلى أوامره وحدوده؛ لرزقهم الله -تبارك وتعالى- رزقاً واسعاً طيباً.

 

روى الإمام أبو داود والترمذي وغيرهما بسند صححه الألباني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من نزلت به فاقة -أي فقر وحاجة- فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله يوشك الله له برزق عاجل أو آجل".

 

وفي الحديث الذي رواه أبو داود بسند صحيح من حديث ابن مسعود: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "تابعوا بين الحج والعمرة".

 

سبحان الله! ما علاقة الحج والعمرة بالرزق؟

 

اسمع للمصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة".

 

السبب الثالث من أسباب الرزق: الانشغال بالطاعة والعبادة لله -جل جلاله-، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 56-58].

 

وفي الحديث القدسي الجليل الجميل الذي رواه الترمذي وابن ماجة بسند صححه الألباني في السلسلة الصحيحة من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "قال الله -تعالى-: يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم، لا تباعد مني -أي: لا تبتعد عني ولا عن طاعتي- أملأ قلبك فقراً وأملأ يديك شغلا".

 

ولا تعارض ألبتة بين ما أصلت له في أول اللقاء من الأخذ بالأسباب، والتفرغ للعبادة، لا تعارض ألبتة بين هذا وذاك، فنحن لا نقول قولاً في أول اللقاء لننقضه في وسط اللقاء كلا، وإنما: "تفرغ لعبادتي" أي: فرغ قلبك من كل ما سوى الله، وأنت في عبادة الله، فرغ القلب للعبادة، فرغ القلب لله حال العبادة، إن وقفت بين يدي الله في الصلاة ففرغ القلب كله لله، إن قرأت كتاب الله ففرغ القلب كله لله.

 

ثم العبادة تعني الحياة كلها، فالصلاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، والصدقة عبادة، والعمرة عبادة، ووقوفك في متجرك للبيع والشراء وللكسب الحلال مع تأديتك لحق الكبير المتعال عبادة.

 

فسعيك على رزقك لأولادك عبادة بشرط أن لا يشغلك رزقك عن حق الله، فلا تقف بالمحل وأنت تسمع الأذان، ويأتيك رجل بعد الآخر فلا تخرج للصلاة، ثم تقول: يا شيخ العمل عبادة، نعم، عملك عبادة، وأنت تسعى على الرزق الحلال، لكن إن حال هذا العمل بينك وبين أداء حق الكبير المتعال فبئس العمل عملك، وابتسامتك لي عبادة، وابتسامتي في وجهك عبادة، والتفويض عبادة، والإنابة عبادة، والخوف عبادة، والاستعانة عبادة، والبكاء من خشية الله عبادة، وبر الوالدين عبادة، وإحسانك للجيران عبادة، وصدقك في القول والوعد والعهد عبادة، وإتقانك لعملك عبادة، وإحسانك لزملائك ومرءوسيك في العمل عبادة.

 

فالعبادة تسع الحياة كلها، قال المصطفى -صلى الله عليه وسلم-؛ كما في صحيح مسلم من حديث أبي ذر -رضي الله عنه-: جاء أناس للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور -أهل الدثور: أصحاب الأموال والغنى- يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "أو ليس الله قد جعل لكم ما تصدقون به، إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة" -أي: في جماع الرجل امرأته صدقة- قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته فيكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في الحرام أيكون عليه وزر؟" قالوا: بلى، قال: "ولو وضعها في الحلال فله بها أجر".

 

فالعبادة تسع الحياة كلها بشرطين:

 

الأول: أن تصح النية.

 

والثاني: أن يكون العمل على هدي ومنهج سيد البشرية.

 

حينئذ كل عمل من الأعمال الظاهرة والباطنة يندرج تحت العبادة، فلا تعارض البتة بين قولنا في أول اللقاء: تحقيق التوكل أن نأخذ بالأسباب، وأن نعلق قلوبنا بمسبب الأسباب، وبين قول الله في الحديث القدسي: "يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم، لا تباعد مني أملأ قلبك فقراً، وأملأ يديك شغلاً".

 

وقال المصطفى -صلى الله عليه وسلم-؛ كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة وأبو داود بسند حسنه الألباني في صحيح الجامع من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من جعل الهموم هماً واحداً: هم المعاد -أي: هم الآخرة- كفاه الله سائر همومه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله به في أي أوديتها هلك".

 

وفي رواية الترمذي بسند صحيح من حديث أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من كانت الآخرة همه: جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه: جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له".

 

السبب الرابع من أسباب الرزق: التقوى، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) [الطلاق: 2-3].

 

كثير من الناس لا يصدق قوله: (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ).

 

وانظر إلى ثمار الإيمان والتقوى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [الأعراف: 96].

 

لم يقل: بركة، وإنما قال: (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ).

 

قال تعالى: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [آل عمران: 36-37].

 

فما هي التقوى؟

 

قال طلق بن حبيب: "التقوى: هي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله".

 

قال علي -رضي الله عنه-: "التقوى: هي العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل".

 

قال أبو هريرة حينما سأله سائل، فقال: "ما هي التقوى؟ فقال أبو هريرة: هل مشيت على طريق فيه شوك؟ قال السائل: نعم، قال أبو هريرة: ماذا صنعت؟ قال السائل: كنت إذا رأيت الشوك اتقيته -ابتعدت عنه-، فقال أبو هريرة: ذاك التقوى".

 

فأخذ ابن المعتز هذا الجواب البليغ البديع، وصاغه هذه الصياغة الجميلة، فقال:

 

خلِّ الذنوب صغيرها *** وكبيرها ذاك التقى

واصنع كماشٍ فوق أر *** ض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة *** إن الجبال من الحصى

 

خامساً: من أسباب الرزق: صلة الرحم، وأعظم الصلة بر الوالدين، قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ) [النساء: 1].

 

وفي الصحيحين: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه".

 

سادساً: من أعظم أسباب الرزق: الإنفاق في سبيل الله، قال تعالى: (وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: 39].

 

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "قال الله -تعالى-: يا ابن آدم، أنفق أُنفق عليك".

 

يا لها من عظمة أن ينفق عليك صاحب الخزائن التي لا تنفذ!.

 

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان إلى السماء، فيقول الأول: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً".

 

سابعاً: من أعظم أسباب الرزق: الدعاء، تضرع إلى الله -سبحانه وتعالى-، فالله -جل وعلا- يقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة: 186].

 

وفي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي بسند صحيح: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله -تعالى- حيي كريم، يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين".

 

فارفع إلى الله أكف الضراعة.

 

وفي صحيح سنن الترمذي وصحح الحديث شيخنا الألباني -رحمه الله-: أن رجلاً جاء لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقال له: يا علي، عليّ ديون عجزت عن سدادها فأعني، فقال له علي -رضوان الله عليه-: أفلا أعلمك كلمات علمنيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إن قلتها أدى الله عنك دينك ولو كان مثل جبل ثبير؟

 

قال: بلى علمني، فقال علي: قل: "اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك".

 

ثامناً: من أعظم أسباب الرزق: الشكر، قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم: 7].

 

قال ابن القيم: "الشكر: هو الحافظ والجالب، هو الحافظ للنعم الحالية، والجالب للنعم المستقبلية".

 

والشكر يدور على اللسان والجنان والجوارح والأركان، قال تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا) [سبأ: 13].

 

فالشكر يدور على اللسان بأن تشكر الله بلسانك، وعلى الجنان بأن تشكر الله بقلبك، وعلى الجوارح والأركان بأن تشكر الله بجوارحك، أي: بامتثالك للأوامر والنواهي، ووقوفك عند حدود الله -جل وعلا-.

 

هذه حقيقة الشكر -أيها الأحبة الكرام-: فمن أنعم الله عليه بالمال أنفق، ومن أنعم الله عليه بالعلم علم، ومن أنعم الله عليه بالقرآن علم، ومن أنعم الله عليه بالصحة استثمر هذه العافية في طاعة الله، وأشفق على المرضى، وهكذا.

 

أيها الأحبة الكرام: هذه بعض أسباب الرزق الإيمانية الدينية التي لا يذوق طعمها، ولا يعرف حلاوتها، إلا من وحد الله -جل جلاله-.

 

أسأل الله أن يرزقنا وإياكم من فضله، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

وأكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.

 

وأخيراً -أيها الأحبة الكرام-: ثلة من بستان المتوكلين.

 

تعالوا بنا لندخل هذا البستان الواسع الفسيح، لنقف أمام بعض زهراته؛ فنستنشق عبيرها، ونستمتع بأريجها، لعل الله -عز وجل- أن يرزقنا صدق التوكل عليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

وليس من الأدب أن أتحدث عن المتوكلين في بستانهم دون أن أبدأ بسيدهم المصطفى -صلى الله عليه وسلم-؛ روى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة ذات الرقاع، فكنا إذا وجدنا شجرة ظليلة تركناها للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فنام النبي -صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة وعلق سيفه بغصن من أغصانها، فجاء رجل مشرك فوجد النبي -صلى الله عليه وسلم- نائماً، ووجد سيفه معلقاً، فأخذ المشرك السيف ورفعه على وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو نائم، وقال: من يمنعك مني الآن يا محمد؟!

 

فنظر إليه سيد المتوكلين، وقال: "الله!" فسقط السيف من يد المشرك، فأخذ المصطفى السيف ورفعه على المشرك، وقال: "فمن يمنعك مني الآن؟" فقال المشرك: كن خير آخذ يا محمد -يعني: يمنعني خلقك وحلمك- فقال المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "لا، حتى تؤمن بالله ورسوله".

 

فقال المشرك: لا، إلا أني أعاهدك ألا أقاتلك، أو أكون مع قوم يقاتلونك، فعفا عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلى سبيله، فانطلق المشرك إلى قومه ليقول: "يا قوم، والله لقد جئتكم من عند خير الناس".

 

وروى البخاري من حديث ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: (حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران: 173] قالها إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- حين ألقي في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه - حين قال له الناس: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [آل عمران: 173-174].

 

ودعونا قليلاً في بيت إبراهيم، إنه علم الدنيا التوكل، فها هو إبراهيم يأخذ زوجته هاجر وولده الرضيع إسماعيل، والحديث بطوله في صحيح البخاري من حديث ابن عباس، وينطلق إبراهيم بهما من بلاد الشام -من أرض كنعان- إلى أرض مكة زادها الله تشريفاً، وعند دوحة فوق زمزم -ولم تكن عين زمزم قد تفجرت بعد، ولا بني البيت الحرام- وضع إبراهيم هاجر والرضيع إسماعيل، ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاءً فيه ماء، وأراد أن ينصرف. أسألك بالله أن تتدبر، وأنا أعلم أنك سمعت هذا مراراً وتكراراً، لكن تدبره الآن في موضوع التوكل؛ لتتعرف على عظمه توكل هذه الأسرة التي علمت الدنيا حلاوة التوكل على الله.

 

إبراهيم يترك زوجته، ويترك رضيعها، يترك ثمرة فؤاده وفلذة كبده، فهو الذي حرم من الولد ما يزيد على الثمانين عاماً، ثم يتركه في صحراء لا إنس فيها ولا ماء، ولا ظلال ولا بيوت ولا أشجار، ولا أنهار، ومن سافر منكم للحج والعمرة، ورأى جبال مكة وصحراء مكة عرف هول المصيبة.

 

فهاجر تتعلق بإبراهيم، وتقول: إلى من تتركنا في هذا الوادي الذي لا شيء فيه؟

 

فيرفع إبراهيم رأسه إلى السماء، وكأنه يريد أن يسلم قلبه وبصره وعقله لله -جل جلاله- الذي أمره بذلك، فقالت هاجر المتوكلة: آلله أمرك بهذا؟

 

فأشار برأسه: أن نعم.

 

فقالت أستاذة التوكل: إذاً لا يضيعنا الله أبداً.

 

أعلم أنني قلتها سهلة، وكذلك سمعها حضراتكم سهلة، لكن لو تدبرها بعضنا –والله- لطاش عقلك.

 

هاجر لا ترى شيئاً، بل لا ترى إلا جبال سودتها حرارة الشمس، ولا ترى إلا رمالاً انعكست عليها أشعة الشمس المحرقة، فكادت الأشعة أن تذهب بالأبصار، لا ترى طعاماً، لا ترى شراباً، لا ترى شجرة تستظل بها، لا ترى بيتاً، لا ترى إنساً، وإبراهيم تركهم! وهي تقول: "إذاً لا يضيعنا".

 

وبعد قليل نفد التمر ونفد الماء! بل وجف الماء في ثديها، ورأت الأم المسكينة رضيعها يتلمظ ويتلوى، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت حرارة شمس تصهر الحديد وتذيب الحجارة، فجرت وصعدت على أقرب جبل؛ على الصفا لعلها تجد شيئاً وراء هذا الوادي، فلم تر شيئاً، فنزلت تجري إلى بطن الوادي حتى وصلت إلى المروة، ثم نظرت مرة أخرى ناحية الصفا وجرت وهكذا، تجري المرأة سبعة أشواط تحت حرارة هذه الشمس، على جبال لا يقدر الأقوياء على المشي على حجارتها، وفي المرة الأخيرة سمعت صوتاً، فقالت: صه صه، كأنها تريد أن تقول: كأني أسمع صوتاً غريباً، فالتفتت ناحية الرضيع إسماعيل، فوجدت الملك -أي: جبريل- يلامس الأرض.

 

وفي رواية الطبري بسند حسنه الحافظ ابن حجر من حديث علي في كتاب الحج من فتح الباري: نادى جبريل على هاجر وهي على المروة، وقال: من أنت؟ فقالت هاجر: أنا أم ولد إبراهيم، ولم تقل: أنا هاجر، وإنما نسبت نفسها إلى إبراهيم؛ لأن إبراهيم يعرفه أهل السماء، فقال جبريل: وإلى من وكلكما إبراهيم؟ يعني إلى من ترككم في هذا المكان؟ فقالت هاجر: وكلنا إلى الله، فقال جبريل: وكلكما إلى كاف: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) [الزمر: 36].

 

وفي قراءة: (أليس الله بكاف عباده).

 

ثم فجر جبريل عين زمزم، تلك العين المباركة التي هي ثمرة حلوة من ثمار التوكل على الله، التي شرب منها ملايين البشر، وما زالوا يشربون، لم يجف ماؤها، ولم تنضب عينها، ليعلم ضعاف اليقين والتوكل على رب العالمين، أن الرزق بيد الرزاق ذي القوة المتين.

 

وهذه أم موسى، هل سمعتم في الدنيا كلها أنه يقال لأم: إن خفت على ولدك فارميه في البحر؟! ما هذا؟!

 

قال الله -تعالى-: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) [القصص: 7].

 

أي: فإذا خفت عليه فارميه في البحر: (وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ) [القصص: 7].

 

تدبر لفظة: (إنا) (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: 7].

 

وذلك أن فرعون كان يبحث عن الأولاد ويقتلهم؛ لأنه كان يعلم أن ملكه سيزول على يد أحدهم، فألقت الأم المتوكلة رضيعها في اليم وكان في تابوت، ويتهادى التابوت حتى يصل إلى قصر فرعون، ويقف التابوت، ويستخرج جند فرعون التابوت من أمام القصر الفرعوني.

 

يا إلهي! إنه طفل، إنه هو الذي يبحث عنه فرعون بعينه، ولكن الله نجاه لا بالطائرات ولا بالدبابات، وإنما بستر رقيق لا يخطر لأحد على بال، ألا وهو ستر المحبة، فقذف الله حب موسى في قلب امرأة فرعون بمجرد أن نظرت إليه، فقالت: (قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ) [القصص: 9].

 

والأوامر في القصور في الغالب للنساء، إذاً: لا يقتل.

 

وأتوا بالمراضع لموسى، كلما قدموا إليه مرضعة أبى هذا الطفل المبارك أن يلتقم ثديها؛ لأن الله قد وعد أم موسى أن يرد موسى إليها، فجيء بأم موسى لتدخل قصر فرعون لتحتضن موسى ولتضم رضيعها إلى صدرها، وفرعون يجلس إلى جوارها ويأمرها أن ترضعه.

 

أخي الكريم: أم موسى كانت بالأمس القريب تخشى على موسى من فرعون وملئه، وهي الآن ترضع موسى في قصر فرعون بأمره؛ إنه التوكل.

 

ومن الجفاء أن أتحدث عن التوكل وعن المتوكلين ولا أتحدث عن سيد المتوكلين في الأمة كلها بعد نبيها؛ إنه الصديق أبو بكر -رضي الله عنه-، رحم الله ابن القيم إذ يقول: "هذا هو أبو بكر الصديق الذي عاين طائر الفاقة يحوم حول حب الإيثار، فألقى له الصديق حب الحب على روض الرضا، واستلقى الصديق على فراش الفقر آمناً مطمئناً، فرفع الطائر الحب إلى حوصلة مضاعفة وتركه هناك، ثم علا على أفنان شجرة الصدق؛ ليغرد للصديق بأغلى وأعلى فنون المدح، وهو يتلو في حقه قول ربه: (وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى) [الليل: 17]".

 

الصديق الذي حقق التوكل في أعلى مقاماته؛ روى الترمذي بسند صحيح من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالصدقة يوماً، فوافق ذلك مالاً كان عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً".

 

يقول عمر: "فأتيت للنبي -صلى الله عليه وسلم- بنصف مالي، فقال المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "ما أبقيت لأهلك يا عمر؟!".

 

قال: أبقيت لهم مثله يا رسول الله!.

 

قال: فجاء أبو بكر بكل ماله، فقال المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟!".

 

فقال: "أبقيت لهم الله ورسوله".

 

وقد يئن الحضور جميعاً من آبائنا وشبابنا ويقول الجميع: سامحك الله أيها الشيخ، تتكلم عن سادة التوكل من السلف، وأنت تعلم أننا نعيش الآن زماناً يختلف عن الزمان، ومكاناً يختلف عن المكان؟

 

وأنا أقول: والله لن تخلو أمة الحبيب من المتوكلين أبداً: "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك".

 

من أجل ذلك تعمدت أن أختم هذا اللقاء مع حضراتكم بهذه الكلمات الرقيقة، لأخت فاضلة متوكلة من أخواتنا، سجن زوجها لسبب ما -وهم من الفضلاء- ورزق الله هذه الأخت الفاضلة ببنت صغيرة وزوجها في السجن، ومرضت البنت في ليلة من الليالي، ارتفعت حرارتها ارتفاعاً كبيراً، حتى انتظرت الأم موت ابنتها.

 

تقول: والله وأنا لا أملك إلا أن أبكي، وأرفع أكف الضراعة إلى الله، فأنا لا أملك لابنتي ثمن الدواء، فأنا أشهد الله لقد كنا نبيت بغير عشاء!.

 

تقول: جلست إلى جوارها لأضع لها الماء البارد على جبينها، وأنا أبكي وأتضرع إلى الله!.

 

وفي الساعة الثانية ليلاً سمعت الباب يدق، تقول: ففتحت الباب، فرأيت طبيباً يحمل حقيبته، ويقول: السلام عليكم، قلت: وعليكم السلام، فقال: أين البنت المريضة؟ تقول: فارتجف جفني، وقلت: تفضل، موجودة يا دكتور، فدخل الطبيب وكشف على البنت وكتب الدواء وخرج، فوقف خارج الباب، ثم قال: أسرعي يا أخت، قالت: ماذا تريد يا دكتور؟ قال: قيمة الكشف، قالت: والله لا أملك، قال: عيب عليك، تتصلي علي الساعة الثانية ليلاً وأجيء وأكشف على البنت.

 

ثم تقولين: لا أملك شيئاً، قالت: والله ما اتصلت، وليس عندي تلفون، قال: أليس هذا بيت فلان؟ قالت: لا، بل هو البيت الذي بجوارنا، فبكى الطبيب، وقال: ما حكايتك؟ وما قصتك؟ فوالله ما أخرجني الله إلا لك، فبكت المرأة وقصت عليه القصة، فبكى الطبيب، وعاد مسرعاً، فأحضر الدواء وأحضر العشاء، وجعل لهذه المرأة الفاضلة راتباً شهرياً حتى خرج زوجها، تقسم بالله، وتقول: لما خرج الزوج كان يضيق بنا الحال، فكنت أبتسم وأقول لزوجي: اذهب وسافر فإن ربنا يرزقنا: "لو أنكم توكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً".

 

اللهم ارزقنا صدق التوكل عليك، اللهم ارزقنا صدق التوكل عليك، اللهم ارزقنا صدق التوكل عليك، اللهم ارزقنا صدق التوكل عليك، اللهم ارزقنا من واسع فضلك، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.

 

اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين.

 

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً.

 

اللهم إنا نسألك أن تذيقنا حلاوة التوكل عليك، اللهم إنا نسألك أن تذيقنا حلاوة التوكل عليك، وبرد اليقين فيك، ولذة الثقة بك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم اهدِ نساءنا وبناتنا، واهدِ أولادنا، وأصلح شبابنا.

 

(رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان: 74].

 

اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، ومكن للمجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، واجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين.

 

اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً أمناً وأماناً وجميع بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

 

 

المرفقات

الرزق ثمرة التوكل.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات