الدين وعاقبة الاستدانة

محمد بن عبدالرحمن العريفي

2017-08-09 - 1438/11/17
عناصر الخطبة
1/ خطورة التساهل في الديون بلا سبب 2/ مضار الديون ومفاسدها 3/ أسباب الاستدانة 4/ أقسام المستدينين وأحوالهم 5/ الوسائل المعينة على الابتعاد عن الديون.

اقتباس

فالناسُ اليومَ يتساهلونَ بالاستِدانةِ تَساهُلاً كبيراً، وكثيرٌ منهم لا يَدرونَ عن أحكامِها شيئاً، ولَعلَّنا نتكلمُ بشكلٍ سريعٍ عن ذَمِّ الدَّين، وعاقبةِ الاستِدانة.. والدَّينُ مَذَلَّةٌ من عِدَّةِ جهاتٍ؛ فإنَّه يضْطَرُّ المُستدينَ كثيراً إلى الوقوعِ في الكذبِ وإخلافِ الوَعدِ والحَنِثِ إذا أقْسَمَ للدَّائنِ أنْ يَرُدَّ إليهِ الدَّينَ في أجلٍ مُعَيَّنٍ.. وقد يضطَرُّهُ إلى دُخولِ السجْنِ فتَسوءُ سُمعتُه وسُمعةُ أهلهِ بين الناس. وربَّما علّم أولادَه الكذبَ، فإذا جاءَهُ صاحبُ المال أو اتصل بالهاتف قال المُستدينُ لأحد أولادِه: قُلْ لهُ غيرُ موجودٍ، ويضطر للتخَفِّي ويتَوارى عن الأنظارِ والمجالسِ ويُحرَمُ من مُعاشرَة بعضِ الخلق..

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ باسِطِ العَطاءِ، مُجيبِ الدُّعاءِ، أَحْمَدُه سُبحانَه على السرَّاءِ والضرَّاء، حَمداً يَملَأُ الأرضَ والسماء، وما بينهما مما يَشاء، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَه، الملِكُ الديَّانُ، ذو الجودِ والإحسان، (يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن) [الرحمن: 29].

 

وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، البشيرُ النذير، والسراجُ المنير، خيرُ من تضرَّعَ إلى الله في الشِّدَّةِ، وأرشَدَ إلى صالحِ الدعوات، صلى اللهُ عليه وعلى آلهِ وأصحابه الذين كانوا يتَضرَّعون إلى ربهم في سائر الأوقات ويسارعون في الخيرات.

 

أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: يقول الله –تعالى-: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) [النساء: 58]، والدَّواوينُ يومَ القيامةِ ثلاثةٌ، ومنها ديوانٌ لا يَتَجاوزُ اللهُ عنهُ وهو ديوانُ حُقوقِ العباد، وهاهُنا مسألةٌ حصلَ فيها تقصيرٌ وتساهلٌ بشأنها لمن ذاقَ طَعمَها، ألَا وهيَ مَسألةُ الدَّين.

 

فالناسُ اليومَ يتساهلونَ بالاستِدانةِ تَساهُلاً كبيراً، وكثيرٌ منهم لا يَدرونَ عن أحكامِها شيئاً، ولَعلَّنا نتكلمُ بشكلٍ سريعٍ عن ذَمِّ الدَّين، وعاقبةِ الاستِدانة..

 

قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لَوْ كانَ لي مِثلُ أُحُدٍ ذَهَباً ما يَسُرُّني ألّا يمُرَّ عَلَيَّ ثلاثٌ وعِندي منهُ شيءٌ إلّا شيءٌ أرْصُدُهُ لِدَينٍ" (رواه البخاري ومسلم)، فكان -صلى الله عليه وسلم- حريصاً على قضاءِ دَينهِ.

 

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إنْ قُتِلْتَ في سبيلِ اللهِ صابراً مُحْتَسِباً مُقبلاً غيرَ مُدبِرٍ كَفَّرَ اللهُ عنكَ خطاياك إلاّ الدَّين" (رواه مسلم).

 

وقال -عليهِ الصلاةُ والسلام-: "سُبحانَ الله ماذا أُنزِلَ من التشديدِ في الدَّين! والذي نفسي بيدهِ لو أنَّ رجلاً قُتلَ في سبيلِ اللهِ ثُمَّ أُحيِيَ، ثم قُتل ثم أُحييَ، ثم قُتل، وعليه دَينٌ ما دخلَ الجنةَ حتّى يُقضى عنهُ دَينُه" (رواه أحمد والنسائي وهو صحيح).

 

وقال -عليهِ الصلاةُ والسلام-: "نفسُ المؤمنِ مُعلَّقةٌ بدَينهِ حتَّى يُقضَى عنهُ" (رواه أبو داود والترمذي).

 

وروى الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجه عن سعدِ بنِ الأطْوَلِ -رضي الله عنه- أنَّ أخاهُ ماتَ وتركَ ثلاثَمائةِ دِرهمٍ وتركَ عِيالاً، قال: "فأردتُ أنْ أُنْفِقَها على عِيالهِ، فقال لي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ أخاكَ محبوسٌ بدَينهِ فاقْضِ عنهُ دَينَهُ".

 

وفي الحديث الصحيح أنه -صلى الله عليه وسلم- صلَّى على جنازة فلما انصرف قال: "أهاهُنا من آلِ فُلانٍ أحَدٌ؟ -يعني أهلَ الميِّت- فسكتَ القومُ، فقال ذلكَ مِراراً، وهم يَسكتون، حتى أشارَ رجلٌ من الصحابةِ إلى رجلٍ في آخرِ القومِ، قال: هذا من أقربائِهِ، فجاءَ الرجلُ يجُرُّ إزارَهُ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "إنَّ صاحِبَكُم مأسورٌ بدَينِه عن الجنةِ، فإنْ شِئْتُم فخُذوهُ وإنْ شِئْتُم فأسْلِموه إلى عذابِ الله" (حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي).

 

ويُسْتَثْنى من هذا: الديونُ التي لم يحلَّ أجلُها أو الديونُ التي على أقساط، وقد سُئِلَ أحد العلماء عن رجلٍ ماتَ وعليه دَينٌ على أقساط، فهل يلزمُ ورَثَتُهُ تسديدَ المبلغِ الذي عليهِ كاملاً، أم يَستَمِرُّونَ في أقساطِهم؟ فأجابَ: بأنَّه لا يلزمُ تعجيلَ المبلغِ؛ لأنَّ الدَّينَ لا يلزمُ قضاؤُهُ إلّا في وقتهِ، وعلى الورثَةِ أنْ يقوموا بسَدادِهِ كلَّما حلَّ أجلُه.

 

وعَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ، فَغَسَّلْنَاهُ، وَكَفَّنَّاهُ، وَحَنَّطْنَاهُ، وَوَضَعْنَاهُ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَيْثُ تُوضَعُ الْجَنَائِزُ عِنْدَ مَقَامِ جِبْرِيلَ، ثُمَّ آذَنَّا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَجَاءَ مَعَنَا خُطًى، ثُمَّ قَالَ: "لَعَلَّ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنًا؟" قَالُوا: نَعَمْ، دِينَارَانِ فَتَخَلَّفَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ أَبُو قَتَادَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُمَا عَلَيَّ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "هُمَا عَلَيْكَ وَفِي مَالِكَ وَالْمَيِّتُ مِنْهُمَا بَرِيءٌ"، فَقَالَ: نَعَمْ. فَصَلَّى عَلَيْهِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا لَقِيَ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: "مَا صَنَعَتِ الدِّينَارَانِ؟" حَتَّى كَانَ آخِرَ ذَلِكَ قَالَ: قَدْ قَضَيْتُهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "الْآنَ حِينَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ" (رواه أحمد والدارقطني).

 

وقد استدل بعض أهلِ العلم بهذا الحديث على عَدَمِ جَوازِ قَضاءِ دَينِ الميِّتِ من الزكاةِ، بَلْ إمَّا أنْ يَجِدوا لهُ مالاً، أو يتبرَّع وَلَدُهُ أو أحَدٌ من المسلمين بقضائِهِ، أما أنْ يُقضَى من الزكاةِ فلا؛ لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يَقضِ دَينَ هذا الميِّتِ من الزكاةِ، معَ أنَّها كانت قد فُرضتْ في السنةِ الثانيةِ الهجريةِ، والزكاةُ حقٌ للأحياءِ لا للأموات.

 

أيها المؤمنون: والدَّينُ مَذَلَّةٌ من عِدَّةِ جهاتٍ؛ فإنَّه يضْطَرُّ المُستدينَ كثيراً إلى الوقوعِ في الكذبِ وإخلافِ الوَعدِ والحَنِثِ إذا أقْسَمَ للدَّائنِ أنْ يَرُدَّ إليهِ الدَّينَ في أجلٍ مُعَيَّنٍ.. وقد يضطَرُّهُ إلى دُخولِ السجْنِ فتَسوءُ سُمعتُه وسُمعةُ أهلهِ بين الناس.

 

وربَّما علّم أولادَه الكذبَ، فإذا جاءَهُ صاحبُ المال أو اتصل بالهاتف قال المُستدينُ لأحد أولادِه: قُلْ لهُ غيرُ موجودٍ، ويضطر للتخَفِّي ويتَوارى عن الأنظارِ والمجالسِ ويُحرَمُ من مُعاشرَة بعضِ الخلق؛ لذا يقولُ -عليهِ الصلاةُ و السلام- في الحديث الصحيح: "لا تخيفوا أنفُسَكم بالدَّيْن" (رواه الإمام أحمد).

 

وقد يضطرُّ الدَّينُ المستدينَ إلى الوقوعِ في الرِّبا، فيَقْتَرِضُ من مُرابٍ ليُسدِّد لمن يُطالبُه وربما استدانَ من مرابٍ ليُوفِّي مرابياً آخرَ، والدَّينُ يَزدادُ والحرامُ يعظُم حتى يُهلِكَهُ في الدنيا والآخرة.

 

لذا يقول بعض السلف: "لأن تلقى الله وعليك دَيْنٌ ولك دِينٌ، خيرٌ من أنْ تلقاهُ وقد قضيتَ دَينكَ وذهبَ دِينُك".

 

وقد يتسلَّطُ الدائنُ على هذا المدينِ فيبدأُ بالتَّدَخُّلِ في شُؤونِ المدينِ الخاصةِ ويتكلَّمُ من مُنطلقِ أنه صاحبُ فضلٍ وإحسان عليه ويقول له: بِعْ كذا.. ولا تشترِ كذا.. ولا تُزوَّجْ ابنتكَ فلاناً، والمدينُ يُحرَجُ ولا يستطيعُ أن يُخالِفَ حتى وِجهَةَ نَظرِ الدَّائِن.

 

والدَّينُ مَذلَّة؛ لأنَّ فيه انكِساراً للغريمِ وتحمُّلاً لمِنَّته في تأخير المطالبة بالمال، ولأنَّ المدينَ قد يسمعُ من الدائنِ كلاماً بَشِعاً ويَسكُتُ على مَضَض.

 

روى عبدُ الرزاق عن ابن جريج قال: "رآني عمرُ وأنا أُخفي وجهي بقناعٍ، فقال: يا أبا خالد إنَّ لُقمانَ كان يقول: القناعُ بالليلِ ريبةٌ وفي النهارِ مذلَّةٌ، فقلتُ: إنَّ لُقمانَ لم يكن عليهِ دَينٌ".

 

وقال عِياضُ بن عبدالله:" الدَينُ رايةُ اللهِ في أرضهِ، فإذا أرادَ أنْ يُذِلَّ عبداً؛ جعلهَا طَوقاً في عُنُقِه".

 

ومِنْ أمثالِ العرب: لا هَمَّ إلّا هَمُّ الدَّين، ولا وَجَعَ إلَّا وجَعُ العَين، وقالوا: الدَّينُ رِقٌّ (أي: استعبادٌ) فلينظُر أحدُكم أينَ يضعُ رِقَّهُ ولمن يُسلمُ نفسَه.

 

ألَا لَيْتَ النَّهارَ يَعودُ لَيلاً *** فإنَّ الصُّبحَ يَأتي بالهُمومِ

دُيونٌ مَا نُطيقُ لها قَضاءً *** ولا دَفْعاً ورَوعَاتِ الغَريمِ

 

أيها الإخوة المؤمنون: وعندَ بعضِ الناسِ اليومَ عادةٌ ذميمةٌ وهي التساهُلُ بالدَّين لِشِراءِ الكمالياتِ كبعضِ أنواعِ الأثاثِ أو الزينةِ وهي غيرُ ضَروريةٍ لبيتهِ.

 

ومن أسبابِ الدَّين ما يقعُ من بعضِ الناس من التبذيرِ، ولا يَمُدُّ أحدُهم رِجلَهُ على قَدرِ لحافه، لا بل يصلُ لحَافَه بلحافِ غيرِهِ حتى يَمُدَّ رجليه أقصى ما يستطيع، خاصةً إذا كان الرجلُ لَيِّنُ العزمِ ضعيفَ الشخصيةِ وابتلاهُ اللهُ بزوجةٍ قليلةِ القناعة، مُحبَّةٍ للتصنُّعِ، كثيرةِ التطلُّعِ، فتجدُه يسكنُ بيتاً ضخماً ويركبُ سيارةً فارهةً، وكلُّ ذلك بالدَّين، ولعلَّ بعضَ من استدانَ منهم بُيوتُهم وسيارتُهم أقلَّ من هذا المستدين لتعَقُّلِهم.

 

وكان -عليهِ الصلاةُ والسلام- يُكثرُ من أن يقولَ: "اللّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ منَ المَأْثَمِ والمَغْرَمِ"  والمغرمُ: الدَّينُ، فقال له قائلٌ: ما أكثرَ ما تستعيذُ يا رسولَ اللهِ من المأثَمِ والمغرمِ! فقال: "إنَّ الرجُلَ إذا غَرِمَ حدَّثَ فكَذَبَ وَوَعَدَ فأخْلَفَ" (رواه البخاري ومسلم).

 

وليسَ المُستَدينونَ سَواسِيةً، فمنهم من يستدينُ وهو يعلمُ من حالهِ ودَخْلهِ أنَّه سوفَ يُسدِّدُ، ومنهم من يستدينُ وهو يعلم من حاله ودخله أنه من المستحيلِ أن يسدِّدَ، ومنهم من يستدينُ وهو لا يدري هل يستطيعُ إيفاءَهُ أم لا؟ وهؤلاءِ على مراتِبَ، وأشدُّهُم هذا الذي يستدينُ وهو يعلمُ أنه لن يُوفيَ.

 

بل إنَّ بعض الناس قد يجدُ وفاءً لكنه يبخَلُ عن الوفاء، ذُكِرَ أنَّ رجُلاً من بني الدِّيل كانَ عَسِرَ القَضاءِ فإذا تعَلَّقَ بهِ غُرَماؤهُ فَرَّ منهم وهو يقول:

فلَو كُنتُ الحديدَ لَكَسَّروني*** ولكنِّي أَشَدُّ من الحديدِ

ولو عَلَّقْتُموني كُلَّ يَومٍ *** برجلي أو يَدي في المَنْجَنيقِ

لمَا أعْطَيتُكُم إلَّا تُراباً *** يُذَرَّرُ في الخَياشِمِ والحُلوقِ

 

وكذلكَ يتَفاوتُ الناسُ بحسَبِ سببِ الدَّين فمنهم من يستدينُ للكماليات ومنهم من يستدين للضروريات، ولذلكَ يتَفاوتون في الذَّمِّ في الشَّرع، فإذا اضْطُرَّ أحدٌ إلى الاستدانةِ فليسْألْ نفسَه سؤالين: هل هو محتاجٌ فعلاً إلى هذا الدَّين؟ والسؤالُ الثاني: هل يستطيع الإيفاءَ أم لا؟ ثم بعد ذلك هل يستدين أم لا؟

 

أقولُ قَولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم....

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ على إحسانهِ والشُّكرُ لهُ على توفيقه وامتنانِهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، تعظيماً لشأنه، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه الداعي إلى رضوانه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آلهِ وإخوانهِ وخِلَّانه، ومن سارَ على نهجهِ واقْتَفى أثَره واستَنَّ بسُنتهِ إلى يوم الدين.

 

ما بعد: فيقولُ -عليهِ الصلاةُ والسلام- في الحديثِ الصحيح: "الدَّيْنُ دَيْنَانِ: فمَنْ مَاتَ وهُوَ يَنْوِي قَضَاءَهُ فَأَنَا وَلِيُّهُ، ومَنْ مَاتَ ولاَ يَنْوِي قَضَاءَهُ فَذَلِكَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ؛ لَيْسَ يَوْمَئِذٍ دِينَارٌ ولاَ دِرْهَمٌ"رواه الطبراني، وقال -عليهِ الصلاةُ و السلام-: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَدَّانُ دَيْنًا لَهُ نِيَّةٌ فِي أَدَائِهِ إِلَّا كَانَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَوْنٌ" (رواه الحاكم في المستدرك).

 

وقال عليه الصلاة والسلام: "أَيُّمَا رَجُلٍ تَدَيَّنَ دَيْنًا، وَهُوَ مُجْمِعٌ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ إِيَّاهُ، لَقِيَ اللَّهَ سَارِقًا" (رواه ابن ماجه).

 

وأعظمُ حديث في الباب ما رواه البخاري عنه -عليه السلام- أنه قال: "مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ".

قال ابنُ حجرٍ -رحمه الله- معلقاً على هذا الحديث: "إنَّ المدينَ إذا ماتَ قبل الوفاءِ من غيرِ تقصيرٍ منهُ كَأَنْ يَفْجَأَهُ الموتُ، وله مالٌ مخبُوءٌ وكانت نِيَّتُه أنْ يُؤَدِّيَ الدَّينَ من هذا المال، فإنَّ هذا مَغفورٌ لَه ويُؤَدِّي اللهُ عنهُ يومَ القيامة، أمَّا إنْ كانَ مُفَرِّطاً فإنَّه يُؤاخَذُ يومَ القيامة.

 

ومن الأسباب التي تصْرِفُ الإنسانَ عن الدَّين:

1- القَنَاعَةُ، فيَقْنَعَ الإنسانُ بما آتاهُ اللهُ تعالى ولا يتَكلَّفُ مُجَاراةَ من وَسَّعَ اللهُ عليهِ في المأكَلِ والمشْرَبِ أو الملْبَسِ والمسكنِ (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) [الزخرف: 32].

 

2 - ومن العلاجِ أنْ يُعَوِّدَ الإنسانُ نفسَه وأهلَ بيتهِ على الاقتصادِ، ولا أعْني يُقَتِّرُ ويَبْخَلُ، ولكن يَتَجَنَّبُ ما يُمكُنُ تَجَنُّبَه والاستغناءَ عنه من كمالياتٍ أو شِراءِ سيارةٍ جديدةٍ أو نحو ذلك، والاقتصادُ نصفُ المعيشةِ، والتُّؤَدَةُ من أخلاقِ النُّبُوَّةِ.

 

3 - ومن عِلاجِ الدَّيْن أنْ يُطَيِّبَ المَرْءُ كَسْبَهُ فلا يَتَكَسَّبُ من الحرامِ؛ فإنَّ المالَ الحرامَ قليلُ البرَكَةِ سريعُ الفَناءِ، فيَحتاجُ المرءُ بسببِ ذلكَ إلى الاستدَانَةِ.

 

اللهُمَّ إنَّا نَعوذُ بكَ من المَأثَمِ والمَغْرَمِ، ونعوذُ بك من غَلَبَةِ الدَّينِ وقَهْرِ الرِّجالِ.

 

اللهُمَّ أغْنِنَا بِحَلالِكَ عن حَرَامِكَ، وبفَضْلِكَ عمَّنْ سِواك، اللهُمَّ أعْطِنَا ولَا تحْرِمْنَا، و زِدْنَا ولَا تُنْقِصْنَا، وكُنْ لنا ولا تَكُنْ علينا، واهدِنا ويَسِّرِ الهدى لنَا.

 

اللهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ المَهْمومين، ونَفِّسْ كَرْبَ المَكْروبين واقْضِ الدَّينَ عنِ المَدينين، واشْفِ مَرْضَى المسلِمين.

 

اللهمّ لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا همّاً إلا فرّجْته، ولا دَيناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحةً رزقته، ولا ولداً عاقّاً إلا هديته وأصلحته يا ربَّ العالمين.

 

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

 

اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت إلى إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

 

عباد الله (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) فاذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

 

سبحان ربك رب العزة عمّا يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

المرفقات

الدين وعاقبة الاستدانة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
محمود
15-07-2019

اسمى محمود عندى من المصائب ما يكفى الامة كلهاهى مصائب جلبتها لنفسي بيدى طمعت ان اكون افضل مما انا فية وهمت الناس بمكاسب رهيبة ف التجارة ولم استطع ان اوفى تعطينى مبلغا واعطيك كل شهر 30%ولك راس المال وقعت التجارة وضاع المكسب وراس المال واصبحت مدينا وتشوهت سمعتى وصرت مههددا بالسجن وجلست مع ناحاسبها فوجدت انى فعلت مالم يفعلة حتى الكفار من اخذ مال العباد والشغل بالربا وليس الله من اوقعنى فى ذلك انما طمعى وقلة دينى ثم تبت الى الله وعزمت ع عدم الرجوع الى ذلك مرة اخرى فهل تنفع توبتى والله انى افكر ف الانتحار خاصة وان هذة ليست المرة الاولى لى فانا انسان افاق مخادع مرابى حقير

عليكم السلام ورحمة الله تب إلى الله تعالى واقترب منه وجميع مشاكلك يسير حلها عليه وفقنا الله لمرضاته