الدين النصيحة: وقفات وتأملات

حمزة بن فايع آل فتحي

2020-11-25 - 1442/04/10
عناصر الخطبة
1/حديث عظيم الشأن عليه مدار الإسلام 2/معنى النصيحة لله ولكتابه ولرسوله 3/كيفية مناصحة ولاة الأمور 4/أهمية بذل النصيحة لعامة المسلمين.

اقتباس

وأما نصيحةُ عامة المسلمين: فإرشادُهم لمصالحهم في آخرتِهم ودنياهم، وكفُّ الأذى، عنهم فيُعلّمهم ما يجهلونه من دينِهم، ويُعينهم عليه بالقول والفعل، وسترُ عوراتِهم، وسدُّ خَلاتهم، ودفعُ المضار عنهم، وجلبُ المنافع لهم، وأمرُهم بالمعروف، ونهيهُم عن المنكر برفق...

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صلى اللهَ عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]

 

أما بعد: أيها الناس: إذا تأملتُم حياةَ الصحابةِ الأجلاء ألفيتموهم ممن نصَحوا لله ورسوله، فمثلاً العشرة المبشرون بالجنة، ومنهم: أبو بكرٍ -رضي الله عنه-، من الصدّيقين المؤمنين، وثبت في الإسلام، ونصر رسول الله ببدنهِ وماله، وكان عند كتاب الله تاليًا وخاضعًا، ورفَقَ بالناس ولم يشُقَّ عليهم، وفي الحديث الصحيح: "أرحمُ أمتي بأمتي أبو بكر".

 

ومن الأحاديثِ الجوامع، والنصوصِ اللوامع، ويختصرُ لك الإسلام، ويكشفُ لك الدين، ويجلّي واجبكَ في هذه الحياة، وكيف تعيشُ وتمضي، وماذا تفعل وتعتقد.. ولكل من سألَ عن حقيقةِ الإسلام، قضايا الدين، وأصول الشريعة، نقول له: هلمَّ إلى هذا العلمِ الجامع، والخلاصةِ الذهبية، التي وضّحها -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديثِ الشريف، المروي في صحيح مسلم -رحمه الله-.

 

عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ". قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: "لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ"؛ فانصحْ لله بالإيمان، ولكتابه بالعمل، ولرسولهِ بالاتباع، وللأئمةِ بالطاعة، وللعامة بالرفق والإحسان.

 

وقد شرحَ ذلك الإمامُ الخطابي -رحمه الله-، فيما نقله عنه الإمامُ النووي -رحمه الله-، فقال: "هذا حديثٌ عظيمُ الشأن، وعليه مدارُ الإسلام.. أما النصيحةُ لله -تعالى-: فمعناها منصرفٌ إلى الإيمان به، ونفيِ الشريك عنه، وتركِ الإلحاد في صفاته، ووصفُه بصفاتِ الكمال والجلال كلها، وتنزيهُه -سبحانه وتعالى- من جميع النقائص، والقيامُ بطاعته، واجتناب معصيته، والحب فيه، والبغض فيه، وموالاةُ من أطاعه، ومعاداة من عصاه، وجهادُ من كفر به، والاعترافُ بنعمته، وشكرُه عليها، والإخلاصُ في جميع الأمور".

 

قال الخطابي -رحمه الله-: "وحقيقةُ هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحهِ نفسَه، فالله -تعالى- غنيٌّ عن نصح الناصح. وأما النصيحةُ لكتابه -سبحانه وتعالى-: فالإيمانُ بأنه كلامُ الله -تعالى- وتنزيله، لا يشبههُ شيءٌ من كلام الخلق، ولا يقدرُ على مثله أحدٌ من الخلق، ثم تعظيمُه وتلاوته حق تلاوته، وتحسينُها والخشوع عندها، وإقامةُ حروفِه في التلاوة، والذبُّ عنه لتأويل المحرفين وتَعرّض الطاعنين، والتصديقُ بما فيه، والوقوفُ مع أحكامه، وتفهمُ علومه وأمثاله، والاعتبارُ بمواعظه، والتفكرُ في عجائبه، والعملُ بمحكمه، والتسليم لمتشابهه".

 

‏وأما النصيحةُ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فتصديقُه على الرسالة، والإيمانُ بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرتُه حيًّا وميتًا، ومعاداةُ مَن عاداه، وموالاة من والاه، وإعظامُ حقّه، وتوقيره، وإحياءُ طريقته وسنته، وبثُّ دعوته، ونشرُ شريعته، ونفيُ التهمة عنها، والتخلّق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبةُ أهل بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدعَ في سنته، أو تعرضَ لأحد من أصحابه، ونحو ذلك. ‏

 

‏وأما النصيحةُ لأئمة المسلمين: فمعاونتُهم على الحقّ، وطاعتُهم فيه، وأمرُهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفقٍ ولطف، وإعلامُهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم..

 

ومن النصيحةِ لهم: الصلاةُ خلفَهم، والجهادُ معهم، وأداءُ الصدقات إليهم، وتركُ الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيفٌ أو سوءُ عِشرة، وأن لا يُغَروا بالثناءِ الكاذب عليهم، وأن يُدعى لهم بالصلاح" انتهى كلامه -رحمه الله-.

 

فتأملوا يا مسلمون روعةَ هذا الحديث، وطالعوا عظمتَه، وتفقهوا في معناه وعاقبِته، وتذكروا كيف حققَ صحابةُ رسول الله والجيلُ الفريد معاني النصيحة لله بإيمانهم الصادق، ومتابعتِهم الحقيقية، وبحُسن العمل بالقرآن ومحبته، وبطاعة الأئمة وعدم منابذتهم.

 

قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)[سورة النساء: 59].

 

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليّها ومولاها.. أقولُ قولي هذا وأستغفر اللهَ لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ لله وحده، والصلاةُ والسلام على من لا نبيَ بعده؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبهِ ومن والاه.

 

أما بعد: فلا تزالُ ينابيعُ حديث النصيحة ريَّانة، ومعانيه فيَّاضةً، ومن الخطأ اختصاره في معنى النصيحة المعروفة فقط، ولذلك نردِّد: "الدين النصيحة"، ولا نعي غاياتِها وأسرارَها.

 

قال العلماءُ أيضًا: "وأما نصيحةُ عامة المسلمين وهم من عدا ولاة الأمر: فإرشادُهم لمصالحهم في آخرتِهم ودنياهم، وكفُّ الأذى، عنهم فيُعلّمهم ما يجهلونه من دينِهم، ويُعينهم عليه بالقول والفعل، وسترُ عوراتِهم، وسدُّ خَلاتهم، ودفعُ المضار عنهم، وجلبُ المنافع لهم، وأمرُهم بالمعروف، ونهيهُم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقةُ عليهم".

 

ولنتعلم من هدي رسول اللهِ وطريقته مع العوام، كيف علّمهم ورأفَ بهم حتى قال الأعرابي: "اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا. فردّ -عليه الصلاة والسلام-: "لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا"؛ يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ.

 

ولنجعل من هذا الحديث، حديثًا وموعظةً في بيوتنا، ونكشفه لأبنائنا وما فيه العبر والدروس.

 

فاللهم فقّهنا في دينك، وافتح لنا من أبواب فضلك، واجعلنا من عبادك الناصحين المخلصين.

 

اللهم صلِّ وسَلِّم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

المرفقات

الدين-النصيحة-وقفات-وتأملات.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات