الدعوة إلى الله أحسن القول

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2015-05-02 - 1436/07/13
عناصر الخطبة
1/ البلاغ القاعدة الكبرى في نشر هذا الدين 2/ أصول الدعوة إلى الله تعالى 3/ أسس منهج الدعوة السليم 4/ عوائق في طريق الدعوة 5/ أقسام الدعاة 6/ متى تثمر الدعوة؟

اقتباس

كثير من الناس في العبادة كالصلاة يحرص على الصف الأول، وفي الدعوة لم يفكر أن يمشي خطوة فضلاً عن خطوات والتضحية بالأموال والأوقات، فمتى يظهر الحق ويزول الباطل، وتظهر الفضائل وتدبر الرذائل، وأحوال أكثر المسلمين هكذا؟، ومتى تفتح أبواب الهداية وأكثر المسلمين قعود عن الدعوة إلى الله، مشغولون ..

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله العليم القدير, خلق الخلق ودبّرهم بعلمه وقدرته، وقضى فيهم بأمره، وسلّط بعضهم على بعض بحكمته، وأمد للظالم يستدرجه، نحمده على قضائه، ونشكره على عافيته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ من تفكر في خلقه وأفعاله أقر بربوبيته، وأذعن لألوهيته، وعظّمه تعظيمًا، وكبّره تكبيرًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ اصطفاه الله تعالى واجتباه، وللهدى هداه، ومن الخير أعطاه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- وعظّموه حق تعظيمه، وأثنوا عليه بما هو أهله, وأعلموا أن سنة الله جارية أن يقوم الرسول أو الداعي بالدعوة إلى الله، فيستجيب للدعوة أناس يتعرضون للأذى والفتنة من الجاهلية الحاكمة في أرض الدعوة، فمنهم من يفتن ويرتد، ومنهم من يصدق ما عاهد الله عليه فيقضي نحبه شهيداً، ومنهم من ينتظر حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق، وهؤلاء يفتح الله عليهم، ويجعل منهم ستاراً لقدره، ويمكن لهم في الأرض تحقيقاً لوعده بنصر من ينصره والتمكين له في الأرض؛ ليقيم مملكة الله في الأرض، وينفذ حكم الله في عباده على هذه الأرض، ويحقق مراد الله في عباده.

 

وليس على الرسل إلا البلاغ المبين، وليس عليهم هداية الناس، فالله وحده هو الذي يملك الهداية، وسواء حقق الله وعده لرسله من مصير القوم، أو أدركهم الأجل قبل تحقيق وعد الله، فهذا أو ذاك لا يغير من طبيعة مهمته وهي البلاغ، وحسابهم بعد ذلك على الله كما قال -سبحانه-: (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) [الرعد:40].

 

وبذلك يتعلم الدعاة إلى الله أن يتأدبوا في حق الله, فليس لهم أن يستعجلوا النتائج والمصائر, وليس لهم أن يستعجلوا هداية الناس, ولا أن يستعجلوا وعيد الله للمكذبين, ولا أن يستعجلوا وعد الله للمهتدين, وليس لهم أن يقولوا دعَونا كثيراً فلم يُستجب لنا إلا القليل, ولقد صبرنا طويلاً فلم يأخذ الله الظالمين بظلمهم ونحن أحياء. إن عليهم إلا البلاغ، أما حساب الناس في الدنيا والآخرة فهذا ليس من شأن العبيد إنما هو من شأن الله وحده.

 

أيها الإخوة: والبلاغ هو القاعدة الكبرى في نشر هذا الدين، وهو عمل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعمل الدعاة من بعده، وعمل الأمة قاطبة، وهذا البلاغ أول مراتب الجهاد وأعلى ذروته.

 

إن القرآن الكريم يبين جميع أصول الدعوة، ويقرر أنها دعوة إلى سبيل الله، لا لشخص الداعي ولا لقومه، فليس للداعي من دعوته إلا أنه يؤدي واجبه لله وأجره على الله, فيدعو بالحكمة والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم، ولا يأمرهم بالتكاليف قبل استعداد النفوس لأدائها بالإيمان واليقين.

 

ويختار الطريقة التي يخاطبهم بها، وينوع في هذه الطريقة؛ تارة ببيان عظمة الله وجلاله, وتارة ببيان نعمه وآلائه, وتارة بالترغيب بالجنة, وتارة بالترهيب من النار, وتارة بدعوة العقول إلى النظر في الآيات الكونية, وتارة بالنظر في الآيات الشرعية, وتارة بإثارة العاطفة لتُعظِّم العظيم وتَحمد الكريم، وتستحي من العزيز الحكيم؛ فلا تعصي له أمراً, ولا تقترف جرماً, وهكذا.

 

والدعوة بالموعظة الحسنة التي تدخل القلوب برفق، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا بفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية، وتشحن النفوس بالغضب والعناد, فالرفق في الموعظة والتلطف بالناس كثيراً ما يهدي القلوب الشاردة، ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ.

 

كما تكون الدعوة بالجدل بالتي هي أحسن إذا لزم الأمر، بلا تحامل على المخالف، ولا تقبيح لعمله؛ حتى يطمئن المدعو إلى الداعي، ويشعر أنه ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق، فالنفوس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق؛ حتى لا تشعر بالهزيمة، فهي تعتبر التنازل عن الرأي تنازلاً عن هيبتها واحترامها وكيانها.

 

والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذا الكبرياء، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة، ورأيه محترم، وقيمته كريمة: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل:125]، ولكي يسكن الداعي من حماسته واندفاعه يشير القرآن إلى أن الله هو الأعلم بمن ضل عن سبيله، وهو الأعلم بالمهتدين، فلا ضرورة للجاجة في الجدل، والتكلف في القول، إنما هو البلاغ والبيان، والأمر بعد ذلك لله: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الأنعام:39].

 

هذا هو منهج الدعوة السليم ما دام الأمر في دائرة الدعوة باللسان والموعظة الحسنة، والجدل بالحجة والبرهان، فأما إذا وقع الاعتداء على أهل الدعوة وعلى دينهم فإن الأمر يتغير كما قال -سبحانه-: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) [النحل:126] ، فالداعي إلى الله إذا لم يتحمل الناس فإنه لا يكون سبباً لهدايتهم، فالصبر والعفو، والإحسان والتواضع، والرفق والحلم، والرحمة والشفقة، كل هذه أبواب عظيمة يدخل منها الناس إلى الإسلام.

 

والدعوة إلى الله هي استجابة الفطرة السليمة لدعوة الحق المستقيمة، فيها الصدق والبساطة، والاستقامة والحرارة لنشر الهداية، فمتى استشعر القلب حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في قلبه، فلم يطق عليها سكوتاً, وموكب المؤمنين مستمر في نشر الهداية بعد الرسل, كما قال -سبحانه-:  (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [يس:20-21].

 

فهذا الرجل سعى بالحق الذي استقر في قلبه، وتحرك في شعوره، وسعى به إلى قومه ناصحاً لهم، وهم يكذبون ويهددون، جاء من أقصى المدينة يسعى؛ ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشك أن يصبوه على المرسلين، والذي يظهر أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان، ولكنها العقيدة الحية تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة ناصحاً لقومه.

 

إن النهوض بواجب الدعوة إلى الله في مواجهة التواءات النفس البشرية وجهلها، واعتزازها بما ألفت، واستكبارها أن يقال إنها كانت على ضلالة، وحرصها على شهواتها وعلى مصالحها، وعلى مركزها الذي قد تهدده الدعوة إلى إله واحد، كل البشر أمامه سواء.

 

إن النهوض بواجب الدعوة في مواجهة هذه الظروف أمر شاق، ولكن شأنه عظيم: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت:33].

 

إن كلمة الدعوة هي أحسن كلمة تقال في الأرض، وتصعد في مقدمة الكلم الطيب إلى السماء، ولكن مع العمل الصالح الذي يصدق الكلمة ومع الاستسلام لله الذي تتوارى معه الذات، فتصبح الدعوة خالصة لله، ليس للداعية فيها شأن إلا التبليغ والبيان.

 

ولا على الداعية بعد ذلك أن تتلقى كلمته بالإعراض، أو بالإنكار أو بسوء الأدب، فهو إنما يتقدم بالحسنة، ويرجو من ربه الحسنى، فليس له أن يرد بالسيئة، فالصبر والتسامح وعدم مقابلة الشر بالشر يرد النفوس الجامحة إلى الهدوء والثقة، فتنقلب من الخصومة إلى الولاء، ومن الجماح إلى اللين، ومن العداوة إلى المحبة: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت:34-35]، وبذلك ينقلب الهياج إلى وداعة، والغضب إلى سكينة، والتبجح إلى حياء، والاستكبار إلى تواضع، والشدة إلى سماحة.

 

والداعي إلى الله لا يطلب من الناس أجراً على الهدى الذي ينتهي بهم إلى نعيم الجنة، وينأى بهم عن عذاب النار، إنما هي مودته وحبه لهم لقرابتهم منه، وحسبه ذلك أجراً: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) [الشورى:23].

 

عباد الله: الدعوة في طريقها مشقات كثيرة: مشقات التكذيب والتعذيب, ومشقات الالتواء والعناد, ومشقات انتفاش الباطل وانتفاخه, ومشقات افتتان الناس بالباطل المزهو المنتصر فيما تراه العيون, ثم مشقات إمساك النفس عن هذا كله.. ولزومها الحق راضية مستقرة مطمئنة إلى وعد الله الحق, لا ترتاب ولا تتردد في قطع الطريق مهما كانت مشقات الطريق.

 

وهو جهد ضخم مرهق يحتاج إلى عزم وصبر ومدد من الله وتوفيق، وبذلك أوصى الله محمداً -صلى الله عليه وسلم- أن يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل قبله بقوله: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) [الأحقاف:35]، وقال -سبحانه-: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [الأنعام:34-35].

 

إن من رحمة الله -تبارك وتعالى- أن جعل مواكب الإيمان، ومواكب الدعوة، مستمرة دائماً تذكّر الناس بربهم، وتعرفهم بمنهج الله، وتحثهم عليه، وترغبهم فيه، وتعلمهم إياه، فأساس المنهج الإيماني، أن يواجه الداعي الناس بالدعوة إلى الله، ويأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له كما في قصة أصحاب القرية: (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) [يس:14].

 

والله -عزَّ وجلَّ- لا يريد من الدعاة إلى الله أن يهربوا من المجتمع، أو أن يعتزلوا، بل لا بدَّ أن يبقوا وأن يقولوا كلمة الحق، وأن تظل الدعوة مستمرة.

 

نسأل الله أن يرزقنا الإيمان والإخلاص في الأقوال والأعمال وأن يجعلنا من الدعاة إلى دينه بالحكمة والموعظة الحسنة.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي خلق الخلق ليعبدوه فيجازيهم بعملهم والله بما يعملون بصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

عباد الله: والدعاة بين البشر صنفان: دعاة إلى الحق, ودعاة إلى الباطل؛ فدعاة الحق هم الأنبياء والرسل وأتباعهم من المؤمنين الذين يدعون إلى الله، ودعاة الباطل هم إبليس وذريته وأتباعه من شياطين الإنس والجن، وهؤلاء, وهؤلاء, كلهم قائمون بالدعوة إلى يوم القيامة، هؤلاء يدعون إلى الجنة, وهؤلاء يدعون إلى النار.

 

واصطفى الله -سبحانه- من الناس من يدعو إليه من الأنبياء والرسل وأتباعهم, كما قال -سبحانه-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة:23-24]، وجعل من أهل الشر من يدعو إلى النار كما قال -سبحانه- في آل فرعون: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ) [القصص:41]، وقال -سبحانه- عن الكفار: (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) [البقرة:221].

 

فإبليس وذريته باقون دعاة إلى الباطل، إلى النار إلى يوم القيامة، أما الرسل والأنبياء فماتوا، وختمهم الله بنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- فمات، ولكن الله جعل أمته خير أمة أخرجت للناس نائبة عنه، ومبلغة لدين الحق إلى يوم القيامة, كما قال -سبحانه-: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف:108].

 

أيها الإخوة: إن للحق دعاة, وللباطل دعاة, وللجنة دعاة, وللنار دعاة, وللدنيا دعاة, وللآخرة دعاة؛ فلينظر العبد من أي الدعاة هو؟ وعلى أي طريق يسير؟ وإلى أي دار يعمل ويدعو؟.

 

المطلوب من المسلم استعمال جميع الصلاحيات والطاقات لنشر الهداية والدعوة إلى الله، ولكن الأعداء جعلوا الرجل والمرأة ماكينات للاستمتاع والشهوات، والله يريد منهما أن يكونا محلاً للإيمان والأعمال الصالحة، ونشر الهداية.

 

كثير من الناس في العبادة كالصلاة يحرص على الصف الأول، وفي الدعوة لم يفكر أن يمشي خطوة فضلاً عن خطوات والتضحية بالأموال والأوقات؛ فمتى يظهر الحق ويزول الباطل، وتظهر الفضائل وتدبر الرذائل، وأحوال أكثر المسلمين هكذا؟، ومتى تفتح أبواب الهداية وأكثر المسلمين قعود عن الدعوة إلى الله، مشغولون بالدعوة إلى الأموال والأشياء؟.

 

لما كانت الأمة قائمة بالدعوة إلى الله كان كل يوم يظهر الحق، ويزهق الباطل، ويدخل الناس في الدين، وبسبب دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكة دخل الناس في دين الله أفراداً، وبعد كمال التضحية دخلوا في دين الله أفواجا, والصحابة -رضي الله عنهم- خرجوا من مكة إلى المدينة لنشر الهداية، وتعليم الدين، ونحن نخرج من بيوتنا وديارنا لطلب الدنيا وإكمال الشهوات، ولا نخرج لنشر الهداية، وإبلاغ الدين، وتعليم أحكامه.

 

فعلى المسلم أن يقوم بالدعوة بكل قوة, وبكل طاقة, وفي كل وقت, لكن مع هذا يدعو الله, ويستغفر الله, ويتوكل على الله. وإذا قامت الدعوة على الأصول الشرعية جاء الإيمان والتقوى، وحسن الخلق، ونزلت الهداية والرحمة على الأمة.

 

إن الله -عزَّ وجلَّ- أعطانا الاستعداد الكامل للقيام بالدعوة والعبادة كما جاءت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن أكثر المسلمين ترك الدعوة إلى الله؛ لأنه صار قانعاً بالعمل الصالح، فالعابد فقط ميدانه نفسه, والداعي ميدانه كل الناس, والبحر لا يقارن بالقطرة، والجبل لا يقارن بالذرة، والشمس لا تقارن بالشمعة.

 

وإن الداعي إلى الله إذا قام بالدعوة حصل له الأجر والهداية وإن لم يستجب الناس، فإن استجابوا له فله مثل أجرهم: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:69].

 

أيها الإخوة: إن وظيفة الدعوة إلى الله كوظيفة الملك، وبقية الوظائف كوظيفة الخدم، والمصيبة أن أكثر الناس اشتغل بوظيفة الخدم عن وظيفة الأنبياء والمرسلين، ويطمع مع ذلك بمنازل الأنبياء والصديقين.

 

وكثير من المسلمين اليوم تركوا الدعوة إلى الله؛ لأنهم صاروا قانعين بالعمل الصالح، فنشأ من ذلك أن ضعف إيمانهم، ثم قلَّت طاعاتهم، وكثرت معاصيهم، حتى خرج بعضهم من الدين بالكلية، وتمرغ في الشهوات، وأعرض عن أوامر الله وشرعه؛ كما قال -سبحانه-: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم:59]، وبسبب ترك الدعوة إلى الله ضعف الإيمان، ثم ضعف العمل بأوامر الدين.

 

عباد الله: وجهد الدعوة ينجح ويعطي ثماره بستة أمور: باليقين والتوكل, والهدوء والتدرج, والتيسير والتبشير, والرفق واللين, والألفة والمحبة, والتوقير والإكرام. ولا بدَّ من الحكمة في دعوة البشر، كما أنه لا بدَّ من استعمال كل الأوقات للدعوة إلى الله، فكل شيء له وقت محدد إلا الدعوة فهي كل وقت؛ فالصلاة لها وقت، والصوم له وقت، والحج له وقت، والجهاد له وقت، أما الدعوة والذكر فلهما كل وقت.

 

أيها الإخوة: للداعي حالتان:

 

الأولى: حالة إدبار الناس عنه وإيذائهم له وسخريتهم منه, كما حصل للنبي -صلى الله عليه وسلم- من كفار قريش وأهل الطائف، وفي هذه الحالة يزداد توجهه إلى ربه فيدعوه فيستجيب له كما نزل ملك الجبال لنصرة الرسول ممن آذاه.

 

والثانية: حالة إقبال الناس عليه واستجابتهم له وفرحهم بقدومه, كما حصل من أهل المدينة في استقبال الرسول والمهاجرين, وفي هذه الحالة يجب عليه أمران: شكر الله الذي هيأ له ذلك، وجمع الناس، وجعله سبباً لهدايتهم، واستغفاره من التقصير، وتفقد نيته؛ لئلا يغرَّه الشيطان ويحوله من الدعوة إلى الله إلى الدعوة إلى نفسه، ويعجبه بحسن أسلوبه وغزارة علمه، وينسى الذي علمه وأرسله وأعانه.

 

والدعوة إلى الله وظيفة الأمة، ولذلك كانت من أول يوم، فلم يكن هناك فاصل زمني بين الإيمان والدعوة، بينما كان هناك فاصل زمني طويل بين الإيمان ونزول الأحكام والفرائض, فأبو بكر دعا إلى الله من أول يوم فجاء بستة من العشرة المبشرين بالجنة مع أن أحكام الدين لم تنزل إلا بعد ثلاثة عشر عاماً في المدينة.

 

وخديجة زوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اجتهدت على النساء من أول يوم قبل نزول الأحكام، فقد اجتهدت على فاطمة بنت الخطاب فأسلمت، وكان في صحيفتها عمر، واجتهدت على سعدى بنت كريز خالة عثمان فأسلمت، وكان في صحيفتها عثمان، وكلاهما من الخلفاء الراشدين، واجتهدت على سمية أول شهيدة في الإسلام فأسلمت، واجتهدت على أم الفضل فأسلمت، وغيرهن.

 

عباد الله: والدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم ومسلمة، وقد أمر الله -عزَّ وجلَّ- كل مسلم ومسلمة بإبلاغ الدين كما أمرهم بالعمل بالدين بقوله: (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [إبراهيم: 52]، فمن اجتهد لإعلاء كلمة الله هداه الله، وهدى به الناس، وبقدر الجهد في الدعوة إلى الله تنزل الهداية، وإذا قل الجهد أو عدم خرجت الهداية أو ضعفت وقلَّت.

 

اللهم اجعلنا دعاة مصلحين وهداة مهديين, اهد بنا واجعلنا سببا لمن اهتدى , وأصلحنا وأصلح بنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

 

 

 

 

المرفقات

الدعوة إلى الله أحسن القول.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات