عناصر الخطبة
1/من فضائل عبادة الدعاء وبركاتها 2/بعض آداب الدعاء وأحكامه 3/من موانع قبول الدعاء 4/بعض صور توفيق العبد في الدعاء 5/أفضل الدعوات وأجمعهااقتباس
لَمَّا كان ربُّ العالمينَ غنيًّا حميدًا، واسعًا عليمًا، كريمًا قريبًا مُجيبًا؛ أحبَّ أن يسألَه عبادُه بألسنتهم جميعَ مَصَالِحِهِمُ الدينيَّةِ والدنيويةِ؛ قلَّتْ أو كثُرَتْ، دقَّتْ أو جلَّتْ، وأَنْ يطلبوا منه ما ينفعُهم، ويكشِف الضرَّ عنهم؛ وذلك أن كلَّ ما يحتاجُ إليه العبدُ إذا سألَه من ربِّه فقد أظهرَ فاقتَه إلى مولاه وافتِقارَه إليه...
الخطبة الأولى:
الحمدُ للهِ؛ نحمدُه ونستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومِنْ سيئاتِ أعمالِنا. مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71].
أما بعدُ: فهذا حديثٌ عن عبادةٍ يحبُّها الله -عَزَّ وَجَلَّ- ويرضاها؛ أمرَ بها في كتابه العظيم، ورغَّب فيها رسولُه الكريم، مَنْ أرادَ اللهُ به خيرًا سلكَ به سبيلَها، وهدَاه إليها، وفتَحَ له أبوابَها؛ فوجَدَ الرَّوْحَ في أفيائِها، ونعيمَ الرُّوح في رِحابِها، والفرَجَ في أكنافِها.
عبادةٌ لزِمَها الرسلُ والأنبياءُ، وعوَّلَ عليها الصالحون والأولياء؛ فاطمأنُّوا بها، وذاقوا حلاوتَها، ورأَوا بركاتِها.
عبادَ اللهِ: الدعاءُ لُبُّ العبادةِ وجوهرُها، وأجلُّ مظاهرِها وأبيَنُها؛ بل هو العبادةُ بعينِها؛ فإن حقيقةَ الدعاءِ إظهارُ الافتِقارِ إلى الله، والتبرُّؤُ من الحَولِ والقوةِ إلا باللهِ؛ وتلك سِمَةُ العبوديَّةِ، وأيضًا فإنَّ في الدعاء معنى الثناء على الله -عز وجل-، وإضافةَ الجودِ والكرمِ إليه.
عن النُّعمان بن بشير بن سعد -رضي الله عنه- وعن أبيه قال: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- على المنبر يقول: "إن الدعاءَ هو العبادة"، ثم قرأَ قولَه -تعالى-: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)[غَافِرٍ: 60].
ودعاءُ العبدِ ربَّه وحدَه أصدقُ برهانٍ على صحةِ توحيدِه، وعلى حبِّه لربِّه، وعلى تعلُّقِه بخالقِه، وكلما عظُمَ توحيدُ العبد عظُمَ دعاؤُه، وكثُرَ واتسَع، وطابَ للعبد سؤالُ مولاه، وكان دَأْبَهُ وهجِّيراهُ.
لا يُحرَمُ لذَّةَ الدعاء إلا مُعَاقَبٌ، ولا يُخْدَعُ عنه إلا مخذولٌ مُستكبرٌ؛ فهو سلاحُ الأقوياء والضعفاء، وملاذُ الأنبياء والأصفياء؛ وبه يَستدفعون كلَّ بلاءٍ.
والسعيدُ من حبَّب اللهُ إليه دعاءَه؛ وعرَّفه أسبابَ إجابتِه، وعلَّمه آدابَه، ونأى به عن محذوراته وموانِع إجابته.
ومَنْ دعَا ربَّه كما يحبُّ ربُّه فقد كرَّمَه، فقد قرَّبَه إليه وأكرَمَه، وآواه وأعزَّه، ومن أُلهمَ الدعاءَ فقد أُرِيدَ به الإجابةُ؛ ومتى أُعطِيَ العبدُ هذا المفتاحَ فقد أرادَ اللهُ أن يفتحَ له؛ قال عمر الفاروق -رضي الله عنه-: "إني لا أحمِلُ همَّ الإجابة، وإنَّما أحمِلُ همَّ الدعاء؛ فإذا أُلهمتُ الدعاء فإنَّ الإجابةَ معه".
ولَمَّا كان ربُّ العالمينَ غنيًّا حميدًا، واسعًا عليمًا، كريمًا قريبًا مُجيبًا؛ أحبَّ أن يسألَه عبادُه بألسنتهم جميعَ مَصَالِحِهِمُ الدينيَّةِ والدنيويةِ؛ قلَّتْ أو كثُرَتْ، دقَّتْ أو جلَّتْ، وأَنْ يطلبوا منه ما ينفعُهم، ويكشِفُ الضرَّ عنهم؛ وذلك أن كلَّ ما يحتاجُ إليه العبدُ إذا سألَه من ربِّه فقد أظهرَ فاقتَه إلى مولاه وافتِقارَه إليه، وذلك يحبُّه الله.
وهو -سبحانه- يحبُّ أن يُكثِرَ عبدُه من الدعاء؛ فإن ثمرَةَ دعائه مضمونة، قال -عليه الصلاة والسلام-: "ما من مسلمٍ يدعو بدعوةٍ إلا أعطاه اللهُ بها إحدى ثلاثٍ: إمَّا أَنْ يُعطيَه إياها، أو يدَّخِرَها له في الآخرةِ، أو يكُفَّ عنه من السُّوء مثلَها". قالوا: إذن نُكثِرُ يا رسولَ الله. قال: "الله أكثر".
والله يحبُّ أن يُلِحَّ عبدُه عليه في الدعاء، قال الإمام الربَّاني سفيان بن سعيد الثوري: "الإلحاحُ لا يَصْلُحُ ولا يجمُلُ إلا على اللهِ -تعالى-".
وكلما أَلَحَّ العبدُ على ربِّه أحبَّه وقرَّبَه وأعطاه. فإنما يسألُ العبدُ ربَّه الذي ربَّاه، وأنعمَ عليه وأحسنَ إليه؛ فليُعظِم الرغبةَ وليُوسِّعِ المسألةَ، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا سألتُم اللهَ الجنةَ فاسألوه الفردوسَ؛ فإنَّها أعلى الجنةِ، وأوسطُ الجنةِ، وسقفُها عرشُ الرحمن".
عبادَ اللهِ: إن الله يحبُّ أن يكون العبدُ عزيزًا في نفسِه، ذليلًا لربِّه، عَفِيفًا عن الناس، سؤولًا لمولاه؛ غنيًّا عن الناس، فقيرًا لمولاه، وقبيحٌ بالعبد أن يتعرَّض لسؤالِ العبيدِ، وهو يجِدُ عندَ مولاه كلَّ ما يريدُ.
والعبدُ المحبُّ لربِّه، الذاكرُ لمولاهُ يدعوه في كلِّ حالٍ؛ في السرَّاء والضرَّاء، لا يؤجِّلُ دعاءَه إلى حال الشدَّة، قال أبو الدرداء -رضي الله تعالى عنه-: "ادعُ اللهَ في سرَّائكَ، لعلَّه أن يستجيبَ لكَ في يوم ضرَّائك"، وهذا مأخوذٌ من قوله -عليه الصلاة والسلام-: "تعرَّفْ إلى اللهِ في الرخاء يعرفك في الشدَّة". وكم من عبدٍ ابتلاه ربُّه بالشدَّة ليسوقَه إلى رحابه الواسعة، ويسمعَ دعوتَه الضارِعة، ويرى عينَه الدامعة.
إخوةَ الإيمانِ: لقد علَّم اللهُ عبادَه كيف يدعونَه فقال -جلَّ ثناؤُه-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[الْأَعْرَافِ: 180]، فكُلَّما استعملَ العبدُ في دعائه الضراعة إلى مولاه بأسمائه وصفاته في مواضعها، ودعَا بالاسم ومُقتضاه عالمًا بمعناه؛ كان ذلك إلى الله أحب وللإجابة أقرب، لا سيَّما إذا توجَّهَ العبدُ إلى ربِّه بصدقِ الافتقارِ؛ مضطرًّا إليه، مخلصًا له، مُستغيثًا به، متأدِّبًا معه، متطهرًا، مادًّا يديه مُستقبِلَ القِبْلَة، فإنَّه -سبحانه- يُجيبُ دعاءَه ويُزيلُ ضرَرَه، ويفتحُ له أبوابَ رحمته، كما قال -سبحانه-: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)[النَّمْلِ: 62].
أيها المسلمون: مَنْ أراد أن يكون مُجابَ الدعوة فمدارُ ذلك على سببَين:
أولُهما: الاستجابةُ لله بالانقياد لطاعتِه؛ وفي ذلك قال -عزَّ شأنُه-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)[الْبَقَرَةِ: 186].
وثانيهما: الأدبُ معَه حالَ سُؤالِه، وفيه قال -جلَّ جلالُه-: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً)[الْأَعْرَافِ: 55]؛ ففي التضرُّع معنى الذلِّ والفاقة، وفي الإخفاء علامةُ الإخلاص واستشعارُ قُربِ الرَّبِّ من داعيه بالإجابةِ والقَبول.
ولأجلِ ذلك كانت الضراعةُ مع الإخفاءِ سببًا لنجاةِ الداعي من الكُرُبات المهولة، كما قال -تعالى سلطانُه-: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ)[الْأَنْعَامِ: 63-64].
ألَا وإنَّ من أجلِّ آدابِ الدعاءِ: أَنْ يبدأَ الداعي بحمد الله -تعالى- والثناء عليه، ثم الصلاة والسلام على نبيِّه؛ ثم يسأل حاجتَه مُقبِلًا على سيِّده ومولاه، فكم من داعٍ يدعو وقلبُه غافلٌ لاهٍ! مختارًا لسؤال مالِكِ المُلْكِ ما يليقُ بجلاله وعظمته -سبحانه-، قال الإمام الخطَّابي -رحمه الله-: "وليتخيَّرْ لدعائه والثناء على ربه أحسنَ الألفاظِ وأنبَلَها، وأجمعَها للمعاني وأبيَنَها؛ لأنَّه مُناجَاةُ العبدِ سيِّدَ السادات الذي ليس له مثلٌ ولا نظير" انتهى كلامُه -رحمه الله-.
وجوامعُ الدعاء -يا عبادَ اللهِ- هي الدعواتُ الجامعة لخيرَي الدنيا والآخرة؛ قليلةُ الألفاظ كثيرةُ المعاني؛ فلقد أخبرَت أمُّنا عائشةُ -رضي الله عنها- أن رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كان يستحبُّ الجوامعَ من الدعاء ويدعُ ما سِوَى ذلك.
وقال أنسٌ -رضي الله تعالى عنه-: "كان أكثرُ دعاءِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: (رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)".
وقال التابعيُّ الجليلُ ثابت بن أسلم البُنانيُّ -وكان من خاصَّة أصحاب أنسٍ -رضي الله عنه-: قلتُ لأنس: إن إخوانك يحبُّون أن تدعوَ لهم. فقال: "اللهمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ". فأعادوا عليه؛ فقال: "أتريدون أن أُشَقِّقَ لكم الأمورَ؟! إذا آتَاكم اللهُ في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، ووقاكم عذابَ النارِ؛ فقد آتَاكم الخيرَ كلَّه".
ومِنْ آكَدِ آدابِ الدعاءِ: خُشوعُ الجوارِح، وإظهارُ الذلِّ والمسكَنَة والانكِسارِ بين يدي الله، مع إخفاء الدعاء؛ تحقيقًا لأمر الله -سبحانه- في قوله: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)[الْأَعْرَافِ: 55]، وقال عن عبده ورسوله زكريا -عليه السلام-: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا)[مَرْيَمَ: 3].
ومِنْ آكَدِ آدابِ الداعي المُوجِبةِ قبولَ دعوتِه: ألا يَعْجَل. والمرادُ بالعجَلَة: استِعجالُ الإجابة، واستِبطاءُ قَبول الدعاء، قال -عليه الصلاة والسلام-: "يُستجابُ لأحدِكم ما لم يَعْجَلْ؛ يقولُ: دعوتُ وقد دعوتُ فلم أَرَ يُستجابُ لي".
والداعي ربَّه الرَّاغِبُ في فضلِه على خيرٍ عظيمٍ ومنهجٍ مُستقيمٍ؛ فلا ينبغي أن يسأمَ من عبادةٍ كلَّما ازدادَ منها ازدادَ قُربًا من ربِّه، وتعلُّقًا بمولاه، وهو مع ذلك مُثابٌ على دعائِه، مصروفٌ عنه من الشرِّ بقَدْرِ ما يدعُو به.
ومن العجَلَة في الدعاء -يا عبادَ اللهِ-: دعاءُ الإنسانِ عندَ الضجرِ أو الغضبِ على أهلِه أو ولدِه أو مالِه. قال -جلَّ ثناؤه-: (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا)[الْإِسْرَاءِ: 11].
ومِنْ أدبِ الدعاءِ: ألَّا يستثنيَ فيه؛ كأَنْ يقولَ: "اللهمَّ اغفر لي إن شئتَ"، أو يقول للمخاطَب: "تقبَّلَ اللهُ منك إن شاء". قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا يَقُلْ أحدُكم: اللهمَّ اغفر لي إن شئتَ، اللهمَّ ارحمني إن شئتَ؛ لِيَعْزِمِ المسألةَ؛ فإنَّ اللهَ لا مُكْرِهَ له".
عبادَ اللهِ: إنَّ مِنَ الشقاءِ أن يجتهدَ العبدُ في الدعاء، ثم لا يُستجابَ له؛ لوقوع العبد في محاذِر الدعاء وموانِعه، أو بعضها أو أحدها، وقد استعاذَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- من دعاءٍ لا يُسمَع.
ألَا وإنَّ من أكبر موانِع إجابةِ الدعاءِ خطرًا وأشدِّها ضررًا: وقوعَ الداعي في الكسب الحرام، وأكله من الحرام. ولقد ذكَر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- رجلًا قد استجمَع من الأسباب ما ترتجى معه الإجابة؛ من طول السفر وبذاذة الحال، ومد اليدين إلى السماء والإلحاح على الله باسم الربوبية، غير أن مأكله حرام، وملبسه حرام، فأنى يستجاب لذلك؛ أي: فكيف يُستجابُ له وهذه حالُه، وما أبعدَ الإجابةَ عنه.
ومِنْ موانِعِ قَبولِ الدعاءِ: أن يتجاوزَ الداعي الحدَّ الذي حدَّه له ربُّه في دعائه ومسألته فيكون معتديًا فيه؛ واللهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
والاعتداءُ في الدعاءِ له صورٌ كثيرةٌ. أعظمُها إثمًا: الدعاءُ المُشتملُ على الشرك؛ كأن يستغيثَ بالأنبياء أو الأولياء؛ فإنَّ الدعاءَ عبادةٌ لا تُصرفُ لغيرِ اللهِ -تعالى-. فمَنْ دعا ربَّه ودعا معه غيرَه فقد أشركَ به -سبحانه وتعالى- عمَّا يُشركون-؛ كما قال -جل وعلا-: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)[الْجِنِّ: 18]، وقال مُهَدِّدًا ومُتَوَعِّدًا مَنْ أشركَ به في عبادته التي أخصُّ أفعالها الدعاءُ والمُناجاةُ: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)[الْمُؤْمِنُونَ: 117].
ومن الاعتداء في الدعاء: أن يدعو بإثمٍ أو قطيعةِ رحمٍ؛ كأَنْ يسألَ ربَّه تيسيرَ أمرٍ منكرٍ أو فعلٍ محرَّم، أو يدعو على بريءٍ بهلاكٍ أو خزيٍ أو لعنةٍ أو إتلاف مالٍ ونحوه، فإن كان الدعاء على ذي رحمٍ قريبٍ فالإثم أشد.
ومنه التفصيل في المسألة؛ فقد سَمِعَ عبدُ اللهِ بنُ مغفلٍ -رضي الله عنه- ابنًا له وهو يقول: "اللهمَّ إني أسألك القصرَ الأبيضَ عن يمين الجنةِ إذا دخلتُها". فقال: "أَيْ بُنَيَّ! سَلِ اللهَ الجنةَ وتعوَّذ به من النار؛ فإني سمعتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنه سيكونُ في هذه الأمة قومٌ يعتدون في الطهور والدعاء".
ومن الاعتداء في الدعاء: الجهرُ الكثيرُ والصياحُ، وكفى بهذا الفعل سُوءًا أن الله لا يحبُّ فاعلَه؛ وَأَنَّى لذلك الدعاء أن يَنَالَ الخيرَ من ورائِه، قال -تعالى-: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)[الْأَعْرَافِ: 55].
قال القرطبيُّ -رحمه الله-: "والاعتداءُ على وجوهٍ كثيرةٍ؛ منها الجهرُ الكثيرُ والصياحُ"، وقال ابنُ تيميةَ: "والنداءُ الخفيُّ أعظمُ في الأدبِ؛ لأنَّ الأصواتَ لا ترتفعُ عندَ الملوكِ".
ومن الاعتداء: أن يسألَ ربَّه المحالَ شرعًا أو كونًا، قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رحمه الله-: "ومِنَ الاعتداءِ في الدعاءِ أن يسألَ العبدُ ما لم يكن الربُّ ليفعلَه؛ مثلَ أن يسألَه منازلَ الأنبياءِ وليس منهم، أو المغفرةَ للمشركينَ ونحو ذلك؛ أو يسأله ما فيه معصيةٌ لله كإعانتِه على الكفر والفسوق والعصيان".
ومن الاعتداء في الدعاء: أن يتخذَ الداعي أماكنَ معينةً؛ كالقبور وآثار الأنبياء أو الصالحين، يتحرَّى الدعاءَ عندها؛ مُعْتَقِدًا أن الدعاءَ عندَها أفضلُ مِنَ الدعاءِ عند غيرها، من غير أن يَثْبُتَ بهذا التخصيص دليلٌ من القرآن أو السُّنَّة.
نفعَني اللهُ وإيَّاكم بهَدْي كتابِه العظيم، وبسُنَّة نبيه الكريم. أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، فَتحَ لهم بابًا، وأمرَهم بالدعاء ووعدَهم بالإجابة، أحمدُه وأشكره على ما أسدى من نعمِه، وأسألُه المزيدَ من فضله وكرمِه. وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه خاتمُ الأنبياء. صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه البررة الأتقياء؛ صلاةً دائمةً بدوام الأرضِ والسماءِ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعدُ: فإنَّ العبدَ الموفَّق -يا عبادَ اللهِ- مَنْ يختارُ لدعاء ربِّه أشرفَ الأوقات والحالات، ويتحرَّى أفضلَ الدعواتِ؛ فيقصِدُ لطلبِ المغفرةِ آخرَ الليلِ حينَ ينزِلُ اللهُ -سبحانه- إلى سماء الدنيا نزولًا يليقُ بجلالِه وعظمتِه، ويسألُ ربَّه من فضلِه بينَ الأذانِ والإقامةِ، وفي آخِر ساعةٍ من يوم الجمعة، وفي سجوده في صلاته.
وفي الأزمنة المُعظَّمة الفاضلة: كعشر رمضان الأخيرة، والعَشْر الأُوَل من ذي الحجَّة، وبعد تمام العبادات كالحجِّ، وفي آخر الصلاة لا سيَّما قبل السلام -كما كان نبيُّنا -صلى الله عليه وسلم- يفعلُ غالِبًا-.
وأمَّا الأحوالُ: ففي كلِّ حالٍ يجِدُ فيها العبدُ صفاءَ قلبِه، وإخلاصَ نيَّتِه، وصحَّةَ توجُّهِه، وصدقَ رغبتِه؛ متحرِّيًا من الدعاء أحسنَه وأجمعَه.
إخوةَ الإيمانِ: أحسنُ الدعواتِ وأجمعُها: الدعواتُ الوارِدةُ في القرآن الكريم؛ لأنَّ اللهَ -تعالى- تكلَّم بها، وأرشَد عبادَه إليها، وحكَاها مِنْ تضرُّعِ صفوةِ المرسلينَ، فدعا ببعضها إمامُ العارفين المتقين -صلى الله عليه وسلم-، وهو وأبوه إبراهيم -إمام الحُنفاء- وإخوانه الرسل العُظماء، أعلمُ العلماءِ بالله، وأعرفُ بصفاتِه من كل أحد.
وقد سُئِل الإمامُ التابعيُّ الجليلُ محمد بن سيرين عن الدعاء في الصلاة فقال: "كان أحبَّ دعائهم ما وافقَ القرآنَ".
ومن أفضل الأدعية وأحسنها توسُّلًا، وأعظمها بركةً، وأولاها بالتعاهُد والحفظ والعناية: دعواتُ إمام المتقين، وقُدوة السالكينَ، وخير خلقِ اللهِ أجمعينَ -صلى الله عليه وسلم-؛ وذلك أنَّ الداعيَ ينالُ بها بركةَ التأسي به -صلى الله عليه وسلم-؛ ولأنَّ الغلطَ يعرِضُ كثيرًا في الأدعية التي يختارُها الناس.
عبادَ اللهِ: ما أخسرَ صفقةَ مَنْ يدع الأدعيةَ الثابتةَ في كتابِ اللهِ، أو في سُنَّةِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فلا يكاد يدعو بها، ويعمَد إلى غيرها فيتحرَّاها ويواظِبُ عليها.
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "الأذكارُ والدعواتُ من أفضل العبادات؛ والعباداتُ مبناها على التوقيفِ والاتباعِ، لا الهوى والابتداعِ؛ فالأدعيةُ والأذكارُ النبويَّةُ هي أفضلُ ما يتحرَّاه المُتَحَرِّي من الذِّكْر والدعاء، وسالِكُها على سبيلِ أمانٍ وسلامةٍ. والفوائدُ والنتائجُ التي تحصل لا يُعبِّرُ عنها لسان، ولا يُحيطُ بها إنسان" انتهى كلامُه.
وقال القاضي عِيَاضٌ -رحمه الله-: "إنَّ اللهَ أَذِنَ في دعائِه، وعلَّمَ الدعاءَ في كتابِه لخليقتِه، وعلَّمَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الدعاءَ لأمَّته. واجتمَعَت فيه أشياء: العلمُ بالتوحيد، والعلمُ باللُّغة، والنصيحةُ للأمة؛ فلا ينبغي أن يعدلَ أحدٌ عن دعائِه -صلى الله عليه وسلم-" انتهى كلامُه -رحمه الله-.
وأعظمُ الدعاءِ وأنفعُه وأحكمُه: ما كان موصِلًا إلى الغايةِ التي من أجلها خُلِقَ الثقلانِ؛ وهي تحقيقُ العبوديَّة لله ربِّ العالمين، لذلك كانت فاتحةُ الكتاب دعاءً كلها؛ مفتَتَحًا بالثناء على الله، ومختَتَمًا بسؤالِه الهدايةَ، يُثَنِّي العبدُ تلاوتَها بالليل والنهار؛ لِتَمَحُّضِ الخيرِ فيما حوتُه من الدعاء.
ووصَّى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مُعاذًا -رضي الله تعالى عنه- أن لا يَدَعَنَّ أن يقولَ في دُبر كل صلاة: "اللهمَّ أعِنِّي على ذِكرِك وشُكرِك وحُسنِ عبادتِك".
وما سُئِلَ الربُّ شيئًا أحبَّ إليه من العافية؛ لأنَّها كلمةٌ جامعةٌ للتخلُّص من الشرِّ كلِّه وأسبابِه.
أيها المسلمون: أكثِرُوا في يومكم هذا من الصلاة والسلام على الرحمة المهداة، والنعمة المُسداة؛ نبينا وحبيبنا وسيدنا محمد بن عبد الله.
اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ عليه وعلى آلِه الأطهارِ. وارضَ اللهمَّ عن جميع أصحابه الكرام الأخيار، وعن تابعيهم وعنَّا معَهم بفضلِك يا عزيزُ يا غفَّارُ.
اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأذِلَّ الشركَ والمشركينَ، ودمِّرْ أعداءَكَ أعداءَ الدين، اللهمَّ كُنْ للمُستضعَفين من المسلمين مُعينًا وظهيرًا، ومُؤيِّدًا ونصيرًا، اللهمَّ انصُرهم في فلسطين يا قويُّ يا عزيزُ يا خيرَ الناصِرين.
اللهمَّ واحفَظ حدودَنا، وانصُر جنودَنا، وأمِّنَّا في أوطاننا ودورنا.
اللهمَّ وفِّق وليَّ أمرِنا خادمَ الحرمينِ الشريفينِ لِمَا تحبُّ وترضَى، وخُذْ بناصيتِه للبرِّ والتقوى، اللهمَّ أَعِنْهُ ووليَّ عهدِه على ما فيه صلاحُ أمرِ العبادِ والبلادِ يا ربَّ العالمينَ.
(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-182].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم