الخطوات المثالية لزرع قيمة الأمانة

أ لاحق محمد أحمد لاحق

2021-09-12 - 1443/02/05
التصنيفات: مقالات في الوعي

اقتباس

الأمانة قيمة من قيم الإسلام العظيمة، وخلق عظيم يحتاج منا إلى أن نتعلم كيف نتخلق به وكيف نغرسه فيمن حولنا، والأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- إنما بُعثوا لغرس القيم في الناس، وقد اعتنى علماء...

قال ابن كثير في تفسير قول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)[الأحزاب:72]. قال: قال العوفي، عن ابن عباس: يعني بالأمانة: الطاعة، وعرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم، فلم يُطقنها، فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم فتحمَّلها، فذلك قوله: (وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا)؛ انتهى كلامه.

 

فمن الآية الكريمة إن للأمانة عاملين اساسين لا تقوم الا بهما وهما:

• العدل.

• العلم.

 

والعدل إنما هو إعطاء كل ذي حق حقَّه، ولله حقوق ولرسوله حقوق، وللنفس حق وللناس حقوق وللبيئة حقوق، وما كان حق للآخرين فهو واجب علينا، والعلم هو العلم بالدين والدنيا والآخرة.

 

إن لخلق الأمانة فضائل كثيرة؛ منها:

 

الأمانة خلق من أخلاق الله عز وجل؛ قال الله تعالى: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)[يوسف: 64].

 

الأمانة خلق الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان يلقب قبل البعثة بالصادق الأمين.

 

إن الأمانة من صفات المؤمنين، قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)[المؤمنون:8].

 

أن الأمانة دليل على إيمان العبد بالله تعالى، والخيانة دليل نفاقه، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائْتُمِنَ خان"؛ البخاري، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"؛ حديث صحيح رواه أحمد في مسنده.

 

إن الأمانة من الأرزاق فقد جاء في الحديث: "أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وحسن الخلق، وعفة مطعم"؛ صحيح الترغيب.

 

إن الأمانة سر السعادة في الدنيا والآخرة:

 

تأمل دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ قال: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة".

 

أن من عظمها أنها تؤدَّى للبر والفاجر:

 

قال ميمون بن مهران: "ثلاثة يؤدَين إلى البر والفاجر: الأمانة والعهد وصلة الرحم"، ولذلك ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- عليًّا في فراشه ليلة الهجرة المباركة لأداء الأمانات، ورد الودائع إلى أهلها، برغم ما فعلوه معه ومع أصحابه الكرام من اضطهاد وإيذاء.

 

ولكن أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعلِّمنا أن قيم الإسلام ثابتة لا تتجزأ ولا تتغير.

 

أن الأمانة لا يحملها إلا المؤمن القوي الذي يكون أشد من السماوات والأرض والجبال، تدبر قول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السموات وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان)[الأحزاب: 72].

 

أن الأمانة سبب من أسباب نيل محبة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، قال -صلى الله عليه وسلم-: "من سرَّه أن يحبه الله ورسوله فليصدُق حديثه إذا حدَّث، وليؤد أمانته إذا ائتمن"؛ رواه البيهقي وحسنه الألباني.

 

أن الأمانة يعلو بها شأن الإنسان، فقد رفع بها النبي -صلى الله عليه وسلم- شأنَ أبي عبيدة رضي الله عنه، فيقول: "إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ"؛ رواه البخاري.

 

إن المسلم مؤتمن على كل شيء ومن ذلك:

 

الأمانة على دين الله تعالى وهي أعلى مراتب الأمانة؛ لأن أعز ما يملكه الإنسان وأثمن شيء وأغلاه، دين الله وهو أتم النعم وأسبغها على المسلم: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)[المائدة: 3].

 

الأمانة في المسؤولية والقيادة:عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي -تحببًا وترفقًا وتلطفًا- ثم قال: "يا أبا ذر، إنك ضعيف -أي القيادة تحتاج إلى خصائص- وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها"(أخرجه مسلم في الصحيح، وأبو داود والنسائي في سننهما عن أبي ذر).

 

وهذا نبي الله يوسف (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)[يوسف: 55].

 

الأمانة في حفظ الجوارح:

 

فالجوارح والأعضاء كلها أمانات، يجب على المسلم أن يحافظ عليها، ولا يستعملها فيما يغضب الله، قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)[الأنفال: 27، 28].

 

• أمانة المجالس.

 

الأمانة على الكلمة:

 

يقول الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)[ق: 18]، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: "إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا من رضوان الله، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم"(رواه البخاري، ومسلم)، ويقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ * وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُوْلَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيْمًا)[الأحزاب: 70-71].

 

الأمانة في العلاقة الزوجية:

 

وللعلاقات الزوجية في نظر الإسلام قداسة، فما يضمه البيت من شؤون العشرة بين الرجل وامرأته يجب أن لا يطلع عليه أحد مهما قرب.

 

الأمانة في أداء الاعمال بإتقان، قالت أمُّنا عائشة رضي الله عنها: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه)؛ حديث حسن صححه الألباني رحمه الله. وقول الله تعالى: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)[القصص: 26].

 

أمانة الودائع:

 

قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)[النساء: 58]، والدين من الأمانات، قال النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ))؛ (البخاري، ابن ماجه، أحمد)، وقال تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [البقرة: 283].

 

الأمانة على النفس، وذلك من خلال إكرامها بطاعة الله ورسوله وحبهما، وقيادتها لدخول الجنة والنجاة من النار؛ قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التحريم:6].

 

إن الأمانة قيمة من قيم الإسلام العظيمة، وخلق عظيم يحتاج منا إلى أن نتعلم كيف نتخلق به وكيف نغرسه فيمن حولنا، والأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- إنما بُعثوا لغرس القيم في الناس، وقد اعتنى علماء الاجتماع عناية كبيرة بطرق زرع القيم، وأفضل من يزرع القيم من كان محبًّا محبوبًا رحيمًا كريمًا شجاعًا مقدامًا، صبورًا حليمًا شاكرًا شكورًا، مقتنعًا بما يعلم مطبقًا لما يعلم، وإليكم الخطوات العملية لزرع القيم:

 

مرحلة الفكرة:

 

هذه المرحلة هي مرحلة التعلم والتعليم، وكلما أشركت المتعلم في الخبرة، تعلَّم بطريقة أفضل ومن أقوى الطرق لميلاد الفكرة.

 

• القصص.

 

• القدوة.

 

• النصيحة القصيرة.

 

• استثمار المواقف.

 

• وعلينا أن نحفز المتعلم على التعلم والقراءة وحضور الدورات ومجالس العلم.

 

• مرحلة حديث النفس.

 

• لا يحدث الإنسان نفسه بخلق الأمانة إلا خالط ذلك رغبة في السلوك، وحبًّا له وتحديدًا للهدف، وحبًّا للنموذج القدوة، وإعجابًا به وانبهارًا بشخصيته.

 

مرحلة الكلام:

 

إذا بدأ المتعلم في الكلام عن الأمانة وقص القصص، ومدح سلوك الأمانة والأمناء، فقد تقدم تقدمًا كبيرًا ملموسًا، وعلينا في هذه المرحلة أن نحفز المتعلم تحفيزًا إيجابيًّا وسلبيًّا؛ ليكرر التحدث عن الأمانة.

 

مرحلة الفعل:

 

في هذه المرحلة يبدأ الإنسان بالفعل، إذا رصدت أول تنفيذ للأمانة في سلوك المتعلم، فاسجد لله سجدة شكر، واعلم أنه تقدم كثيرًا، وهنا على المعلم أن يكافئ المتعلم مكافآت مادية ومعنوية، والمعنوية أدوم، وخاصة بالتذكير بما عند الله من الثواب والأجر في الدنيا والآخرة، ويجب التحفيز المادي والمعنوي على تكرار السلوك.

 

مرحلة الممارسة:

 

يصل المتعلم هذه المرحلة عندما يكرر سلوك الأمانة، ويتعلق بها قلبه، والدليل على بلوغ هذه المرحلة عندما تصبح الأمانة سلوكًا طبيعيًّا، وعبادة يتعبد الله بها، لا يتنظر من أحد جزاءً ولا شكورًا إلا من الله.

 

مرحلة العادة:

 

في هذه المرحلة يصبح الإنسان يكرر السلوك في كل موقف برقابة داخلية وفوق ذلك يدعو إلى السلوك ويعلِّمهغيره، وبالتكرار يعرف عنه هذا السلوك ويأمنه غيره، ثم يرتقي إلى مرحلة الشخصية.

 

مرحلة الشخصية إذا وصل المتعلم لمرحلة الشخصية أصبح السلوك جزءًا من شخصيته وأوصافه التي تميِّزه، ويعرف بالأمين، ويصبح موثوقًا به، وتطمئن له البيئة ويكلف بالأعمال، ويخلد ذكره، ويُحبه الله ورسوله ويحبه الناس.

 

قبل كل مرحلة من مراحل غرس القيم وخلالها وبعدها، فإن المعلم والمتعلم يحتاج إلى طلب العون من الله وطلب التوفيق بالدعاء، وإخلاص العمل لوجه الله الكريم.

 

وخير الدعاء في مهارة غرس القيم هو:

 

إياك نعبد وإياك نستعين، وتكرار لا حول ولا قوة إلا بالله، والصلاة والسلام على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات