الحوادث المرورية العرض والعلاج - 2

خالد بن سعود الحليبي

2017-09-02 - 1438/12/11
عناصر الخطبة
1/ أهمية الاعتدال في المشي بالسيارة وغيرها 2/ عناية الشارع الحكيم بالطرق وسلامتها 3/ ضرورة التزام آداب الطريق 4/ نعمة السيارة وأهمية الاستفادة منها 5/ صور من الإهمال والمخاطر في قيادة السيارات 6/ أسباب كثرة الحوادث وطرق تفاديها.

اقتباس

صدرت إحصائية عن حوادث السير في بلادنا -حرسها الله-، فجاءت مذهلة مخيفة، ترتعد لها القلوب الحية، وتوقظ الغافلين الذين لا يزالون يغالطون أنفسهم، ويفترضون أن ما حدث لغيرهم بعيد أشد البعد عنهم، أعداد رهيبة وقعت ضحايا هذه الحوادث أكثر من أربعة آلاف قتيل، هذا غير المعاقين والمصابين. يستنزفون عواطف ذويهم، وميزانية وطنهم. سبحان الله !! أهذه نتائج حرب إبادة؟ أم تعداد خسائر زلزال مدمر؟ أم نتيجة عبثية وتهور من قادة السيارات أنفسهم...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي سخّر لنا ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه؛ نعمة وتفضلاً. أحمده تعالى على آلائه الجسيمة، وأشكره على مننه الجزيلة، حمدًا يملأ السماوات والأرض، وما بينهما، سبحانه أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لله عبد.

 

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، لا خير إلا دل أمته عليه، ولا شر إلا حذرها منه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله وطاعته، كما أمرنا بذلك الله جل وعلا فقال في محكم كتابه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر: 18]، وقال –سبحانه-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 1.2].

 

عباد الله: لقد منَّ الله تعالى علينا -نحن المسلمين- بمنن عظيمة لا نحصيها عدًّا، وأجلّها نعمة الإسلام، هذا الدين الشامل العظيم، الذي نظّم جميع شؤون حياتنا دون استثناء، فمنه نستمد منهج علاقتنا بخالقنا تعالى وبرسولنا -صلى الله عليه وسلم- وبالناس أجمعين، وفيه نجد حلول جميع مشكلات حياتنا، وإجابة جميع أسئلتنا.

 

ومن ذلك سعينا في الأرض، ومشينا عليها بأقدامنا، أو على وسائل النقل المختلفة، فهناك دستور كامل لمن أراد أن يعبد الله حتى في مشيه، ولا عجب أن نرى من يتأسى طبيعة أو قصدًا بمشية النبي -صلى الله عليه وسلم-، حتى قالت عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-" (رواه مسلم).

 

وما مشية النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا ما وصفه الله -تعالى- في كتابه الكريم في قوله –تعالى-: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) [الفرقان: 63].

 

إنه مديح إلهي لفئة من الناس تمشي بسكينة ووقار وتواضع، بلا كبر ولا خيلاء في مشيتهم، ولا تعالٍ ولا افتخار بملبس أو مركب؛ ممتثلين قوله –تعالى-: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) [الإسراء: 37]، كما أنهم يتحملون أذى غيرهم، ويتساهلون في معاملتهم مع الناس، وإذا خاطبهم الحمقى بما يسوؤهم ردوا عليهم بسلام بعيد عن الجهل.

 

وهو هدي قرآني كم نحتاج إليه ونحن نواجه هذه العنتريات الشبابية من جملة من شباب اليوم، وهو يخطر بسيارته كالطاووس، يستعرض مهاتراته وبطولاته الزائفة التي ربما أودت بحياته وحياة الآخرين، تفحيطًا وترفيعًا واختيالاً، فإذا التفت إليه عاقل بنصح وإرشاد لم يسلم منه من أذى.

 

لقد عُنِي الشارع الحكيم بالطرق وسلامتها من أذى الناس وما يعكّر عليهم صفو حياتهم، حتى كاد أن يمنع الجلوس في الطرقات؛ لما يسببه من عوائق وإحراجات لمن يسير فيه لولا إلحاح الواقع الاجتماعي، فجعل لذلك ضوابط محددة، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ"، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: "فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا"، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: "غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ" (رواه البخاري) ومسلم).

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ، يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ" (رواه البخاري).

 

هذه آداب الطريق، فمنا من يلتزم بها، ولكن من الناس -هداهم الله- من إذا التزم الطريق ماشيًا أو راكبًا فيا لمحارم المسلمين من نظراته المريضة، وألفاظه البذيئة، ومغازلاته السمجة، ولن ينسى أبدًا أن يزعج الأسماع المؤمنة بالغناء المحرم، ويؤذي المارة بإثارة الغبار عليهم، متناسيًا قول الملك الجليل: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان: 19]، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) [الأحزاب: 58].

 

وحث ديننا على بقاء الطريق نظيفًا ميسرًا خاليًا من كل العوائق والقاذورات، وجعل تنظيفه من شُعَب الإيمان، ومن الصدقات التي يؤجر عليها، وأجزل لمن فعل ذلك الأجر والثواب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ" (رواه البخاري).

 

وإذا كان هذا غصن شوك، فكيف بمن يتساهل بنفوس الناس، ويحمل في يده بندقية أو سلاحًا، موجهًا فوهتها إلى الناس تهاونًا أو تخويفًا، أو حتى ابتهاجًا بزواج ونحوه، متجاهلاً أنه يصبح هدفًا للشيطان، ليسدد بيده طلقة طائشة يزهق بها روح بريء يسير في أمان الله وأمنه، ولقد تعددت حوادث إطلاق النار في بعض مناطق بلادنا -حرسها الله-، تروّع الآمنين، وتزعزع الأمن، وكم في السجون من ضحايا لهذه الطلقات الطائشة، وصدق رسولنا -صلى الله عليه وسلم- حينما قال: "إذا مر أحدكم في مجلس أو سوق وبيده نبل –أي: سلاح الرمي- فليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها" (رواه مسلم).

 

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار" (رواه مسلم).

 

ولا شك أن السيارة هي من أجلّ النعم المعاصرة علينا، تختصر الزمان، وتقرِّب المكان، وتحمل المتاع، وتضيف إلى رصيد الرفاهية في حياتنا قدرًا كبيرًا، حتى أصبحت لدى كل فرد منا تقريبًا، مما يوجب شكر الله عليها، ومن شكرها العملي تسخيرها فيما ينفعنا وينفع أرحامنا وإخواننا المسلمين فيما يرضي الله تعالى.

 

وقد أصبحنا نقطع فيها وقتًا ليس قليلاً من حياتنا، كان لا بد من استغلاله فيها في سماع القرآن الكريم والدروس النافعة، وهو ما تيسر اليوم من خلال برامج إذاعة القرآن الكريم، والأشرطة الإسلامية العظيمة النفع. بل وبات من الممكن لمن يركبها غير قائد لها تطبيق السنة الصحيحة في صلاة النافلة عليها، كما كان رسولنا -صلى الله عليه وسلم- يفعل على بعيره.

 

ولا ننسى أبدًا أن نذكر الله -تعالى- فيها بدعاء الركوب وأدعية السفر المختلفة. ولا نركبها إلا لحاجة، ولا نسافر إلا لطاعة، وأن نقودها بحذر، فإن القائد المحنك لا يضمن أن يواجهه قائد متهور وهو في طريقه، وكم وقعت من الكوارث بسبب ذلك، ومهما وثق أحدنا في جودة سيارته، وجدة إطاراتها، فإنه لا يثق في مفاجآت الطريق، والعاقل من اعتبر بغيره، ففي التأني السلامة -بإذن الله-، وفي العجلة الندامة -لا قدر الله-، وكم إنسان أراد أن يصل قبل نصف ساعة من موعده، فبات بسبب ذلك سنوات على السرير الأبيض حسيرًا حزينًا، وربما نام في قبره إلى قيام الساعة.

 

وقد تضاعفت أعداد السيارات بين أيدينا، حتى امتلأت بها الشوارع، وبات الناس يأنسونها حتى تناسوا خطرها، فلا عجب أن نرى حتى الأطفال يقودونها تحت دعوى الحاجة أو الرضوخ للإلحاح من قبل الأم أو الولد، أو تقليدًا لآخرين، حتى باتت تشكل معضلة كبيرة في مجتمعنا الآمن.

 

وزاد من حجم المشكلة الزيادة المطردة في عدد السكان، وازدياد أسباب الاستهتار لدى الشباب؛ بسبب متابعتهم لفوضوية الفضائيات العالمية والعربية، وزيادة نسبة السفر بين المدن، واستمرار إهمال تجول الحيوانات في الطرقات السريعة من قبل أصحابها، رغم كل التحذيرات الصادرة تجاه ذلك.

 

ويتبع كل ذلك خسائر هائلة تنعكس على الإنسان في بلادنا واقتصادنا وعلى الحياة الاجتماعية، فإن معظم المتضررين من حوادث المرور من الفئة العمرية المنتجة، ومن المتزوجين، ومن المتعلمين. كل ذلك بسبب غياب الوعي عن فئة من المجتمع، نسأل الله -تعالى- لهم الهداية.

 

عباد الله.. توبوا إلى الله واستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله جل في الثناء، وتفرد بالبقاء، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له آمنا بقضائه، واستسلمنا لقدره، فلا راد لما أراد، ولا مغيّر لما قضى، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد: فإن لكل نعمة في الدنيا ما ينغّصها، وإذا كانت وسائل النقل من النعم الكبيرة التي امتن الله بها على عباده في مثل قوله: (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: 7- 8].

 

فإن هذه النعمة ربما يبتلى من يركبها بجموحها، فيصاب بضرر بسببها، وإذا كان ذلك دون سبب من صاحبها فإن ذلك يعد من الابتلاء وحده، والصبر عليه محمود.

 

وقد وقع مثل ذلك لنبينا -صلى الله عليه وسلم-، فقد روى البخاري رحمه الله عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَمَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- صَفِيَّةُ مُرْدِفَهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتِ النَّاقَةُ، فَصُرِعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَالْمَرْأَةُ وَإِنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ أَحْسِبُ قَالَ اقْتَحَمَ عَنْ بَعِيرِهِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ هَلْ أَصَابَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْمَرْأَةِ فَأَلْقَى أَبُو طَلْحَةَ ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَصَدَ قَصْدَهَا فَأَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَيْهَا فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ فَشَدَّ لَهُمَا عَلَى رَاحِلَتِهِمَا فَرَكِبَا فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ أَوْ قَالَ أَشْرَفُوا عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ" (رواه البخاري).

 

وقع الحادث قدرًا، فصبر الرسول على آثاره حامدًا ممتثلاً، وجاءت المساعدة الإنسانية سريعة ملتزمة بشرع الله، فإن أبا طلحة حين قصد أم المؤمنين لإنقاذها جاءها مخفيًا عينيه، حتى سترها بثوبه وأسعفها.

 

ولكن المؤلم حقًّا أن يحول بعض الناس هذه النعمة إلى نقمة حقيقية، وغول مروع، حين يسيئون استخدامها، أو يهملون متابعة صلاحيتها للعمل.

 

صدرت إحصائية عن حوادث السير في بلادنا -حرسها الله-، فجاءت مذهلة مخيفة، ترتعد لها القلوب الحية، وتوقظ الغافلين الذين لا يزالون يغالطون أنفسهم، ويفترضون أن ما حدث لغيرهم بعيد أشد البعد عنهم، أعداد رهيبة وقعت ضحايا هذه الحوادث أكثر من أربعة آلاف قتيل، هذا غير المعاقين والمصابين. يستنزفون عواطف ذويهم، وميزانية وطنهم.

سبحان الله !!

 

أهذه نتائج حرب إبادة؟ أم تعداد خسائر زلزال مدمر؟ أم نتيجة عبثية وتهور من قادة السيارات أنفسهم.

 

إن خمسة وثلاثين في المائة من هذه الحوادث جاءت بسبب السرعة الجنونية، وكان من بين السائقين أربعة عشر في المائة دون السن المسموح لها بالقيادة ثمانية عشر عامًا، فإلى المحتجّين بقدر الله: أوليس هذا دليلاً على استهانة هؤلاء بأرواح الناس وممتلكاتهم؟!

 

هل نظل -كما قال أحدهم - نلقي بالتهم اعتباطًا على وحوش النار والحديد؟ أم نفتش عن الوحوش الحقيقيين في أجوافها، المنفلت كل منهم في تعسف من نشوة السباق واغتصاب الوقت والمسافة؟

 

ففي كل لحظة تخر ضحية، وفي كل لحظة يضرب الموت أسرة، ويضيع أطفال، ويموت أطفال فرادى ومجموعات، وتخسر الأمة شبابا وشابات.

 

لقد امتلأت المقابر، وغصت المستشفيات بالإصابات الحرجة، وازدهرت تجارة الكسور والشلل والإعاقة".

 

أيها الأحبة في الله: إن الله -تعالى- ينادينا فيقول: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: 195] فلماذا نتناسى نداء الله حينما نمتطي هذه النعمة التي حولها بعضنا إلى نقمة؟

إذا هانت علينا أرواحنا فإن الناس لا تهون عليهم أرواحهم !

 

ألم يفكر ذلك المتهور أنه ربما تسبب في تيتيم أطفال ربما ليس لهم - بعد الله راعيًا - إلا هو وترميل نساء كن لتوهن يبنين عش الزوجية الذي كن يحلمن به سنوات وسنوات، وإثكال أم ربما كان ذلك القتيل هو وحيدها !

 

ماذا يسمى مثل ذلك العمل في عرف الناس؟ قتل غير متعمد؟ مجرد حادث سير ! ويعلق أحدهم محوقلاً مسترجعًا: إيه قضاء وقدر … !

 

نعم كل شيء بقضاء وقدر، ولكن الأمور بأسبابها، فالذي يتعدى السرعة القانونية المحددة من الجهات المختصة يكون كالقاتل المتعمد لنفسه أو لغيره، والذي يهمل أسباب النجاة في سيارته كتغيير العجلات المستهلكة أو الفرامل الهزيلة أو نحو ذلك يكون مجرمًا في حق نفسه وفي حق البشرية من حوله.

 

والذي يقطع إشارة المرور دون سبب شرعي كافٍ لذلك هو عاصٍ لله -تعالى- قبل أن يكون مخالفًا لأنظمة المرور، وهو مستحق لعقوبة الله إن لم يعف عنه -تعالى- قبل العقوبة المادية والبدنية التي ربما يفلت منها في الدنيا بأي طريقة كانت.

 

ومن يراقب الله -تعالى- في سائر حياته العبادية كالصلاة والصيام، عليه أيضًا أن يراقبه -تعالى- في أنظمة المرور التي أمر بالالتزام بها ولي الأمر أو من وكلهم بذلك، فتلك عبادة خفية، وأجرها مذخور عند الله، كما أن المتهاون بها عمدا آثم ولا شك قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: 59].

 

نفعنا الله بما سمعنا إنه سميع مجيب.

 

ثم صلوا وسلموا على معلم الناس الخير سيدنا ونبينا محمد كما أمركم الله جل وعلا بذلك فقال سبحانه: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [الأحزاب: 56]؛ اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، وعنا معهم برحمتك وفضلك ومنك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم يا عزيز يا حكيم أعز الإسلام والمسلمين وانصر إخواننا المجاهدين وارفع البأس والظلم والجوع عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لإصلاح رعاياهم، اللهم أيدهم بالحق وأيد الحق بهم، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك حربًا على أعدائك.

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأغننا برحمتك يا حي يا قيوم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين واجعلنا من أهل جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المرفقات

الحوادث المرورية العرض والعلاج - 2

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات