الحلال بين والحرام بين

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2015-02-12 - 1436/04/23
عناصر الخطبة
1/ التحليل والتحريم لله رب العالمين 2/ تحكيم غير الله في الحلال والحرام شرك 3/ الإيمان يقتضي فعل جميع أوامر الدين 4/ أقسام المحرمات وأنواعها 5/ ما ينبغي على المفتي

اقتباس

فالله وحده هو الذي له الحكم، إذا حرم الشيء فهو حرام، وإذا أحله فهو حلال، وإذا أمر فيجب أن يطاع أمره، وإذا نهى فيجب الكف عما نهى عنه. وهو -سبحانه- وحده المشرع للناس، كما أنه وحده المشرع للكون...

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، وبحمده يستفتح الكلام، والحمد لله حمده من أفضل ما تحركت به الألسن وجرت به الأقلام، أحمده تعالى على الدوام، وأشكره على ما هدانا للإسلام، وأبان لنا الحلال والحرام، وشرع لنا الشرائع وأحكم الأحكام، وأمرنا بالبر والاجتماع على الحق والاعتصام، ونهانا عن الجفاء وسائر الآثام.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك القدوس السلام، ولي كل إنعام، ذو الآلاء الجسام، والمنن العظام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، هو للأمة بدر التمام، وللأنبياء مسك الختام، المصطفى من الرسل والمجتبى من الأنام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الكرام، وصحبه الأئمة الأعلام، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان.

 

أما بعد:

 

فيا أيها المسلمون: اتقوا الله -تبارك وتعالى- حق التقوى، فتقوى الله عروة ليس لها انفصام، وقدوة يأتم بها الكرام، وجذوة تضيء القلوب، من تمسك بها سلم من محذور العواقب ومن شرور النوائب.

 

عباد الله: تفرد ربنا –سبحانه- بالخلق والأمر والحكم في الكون كله، والناس كلهم ليس لهم أن يخرجوا عن منهج الله وشريعته؛ لأنهم وكلاء مستخلَفون في الأرض، ولهم حقوق وعليهم واجبات؛ فالله -عزَّ وجلَّ- هو مالك الملك، ومالك كل موجود؛ استخلف الإنسان في هذه الأرض، ومكّنه مما ادخره له فيها من أرزاق وأقوات، وقوى وطاقات.

 

ولم يترك له هذا الملك العريض فوضى يصنع فيه الإنسان ما يشاء، كيف شاء، إنما استخلفه على أن يقوم بالخلافة وفق منهج من استخلفه، وحسب شريعته قال تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة:38]، فما وقع منه من عقود وأعمال، وعبادات ومعاملات، ومعاشرات وأخلاق، وفق التعاقد فهو صحيح نافذ، وما وقع منه مخالفاً للعقد فهو باطل موقوف، فإن أنفذه قوة وقسراً فهو إذن ظلم واعتداء لا يقره الله، ولا يقره المؤمنون بالله.

 

فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، قال الله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) [يونس: 59].

 

وأمر الله -سبحانه- للعباد ونهيهم هو عين حظهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة إن سمعوا له وأطاعوا، ومصدر أمره -سبحانه- ونهيه رحمته الواسعة، وبره وجوده، وإحسانه وإنعامه، فله الحمد والشكر على ما شرعه وأمر به، وليس لأحد من الخلق أن يحل أو يحرم من عند نفسه، قال -سبحانه-: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل:116-117].

 

أيها الإخوة: ما من شك أن الله -تبارك وتعالى- هو الخالق لعباده، وهو الرازق لهم، والجهة التي تخلق وترزق هي التي تشرّع فتحل وتحرم، وتأمر وتنهى، وقد أباح الله للناس جميعاً أن يأكلوا مما رزقهم الله في الأرض حلالاً طيباً إلا ما شرع لهم حرمته لمضرته، وحذرهم من عدوهم الشيطان الذي غرَّ أباهم آدم فأوقعه فيما حرم الله فقال -سبحانه-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) [البقرة:168].

 

وينادي الله المؤمنين بالصفة التي تربطهم به -سبحانه-، وتوحي إليهم أن يتلقوا منه الشرائع، وأن يأخذوا عنه الحلال والحرام، ويذكرهم بما رزقهم، فهو وحده الرازق، الذي أحل لهم الطيبات التي تنفعهم وحرم عليهم الخبائث التي تضرهم فيقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [البقرة:172].

 

أيها الأحبة: إن الله -سبحانه- خلق الإنسان وأكرمه وهيأ له ما يحتاجه من الطعام والشراب وأحل له أشياء، وحرم عليه أشياء، وأمره بأشياء، ونهاه عن أشياء؛ رحمة به وإحساناً إليه وحماية له، فأمره الله بعبادته وطاعته وكل ما يصلحه وينفعه، وأحل للمؤمنين الأكل من الطيبات؛ ليستعينوا بها على طاعة الله، وحرم عليهم الخبائث؛ لئلا تضرهم، ونهاهم عن الشرك به ومعصيته وكل ما يضرهم ويفسدهم.

 

فالله -عزَّ وجلَّ- أباح للمؤمنين الطيبات؛ لأنهم ينتفعون بها، ويشكرون الله عليها كما أمرهم ربهم بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [البقرة:172].

 

عباد الله: إن سلطة التشريع والتحليل والتحريم إنما هي لله الواحد القهار، الذي ملك السموات والأرض، وله خزائن السموات والأرض، أحل للناس ما فيه مصلحة، وحرم عليهم ما فيه مضرة.

 

إن الذي يملك حق التحليل والتحريم في هذا الكون هو الذي خلقه، وهو الله وحده لا شريك له، وليس ذلك لأحد من البشر؛ لا فرد، ولا طبقة، ولا أمة ولا سلطة. وكل جهة أخرى تحلل أو تحرم شيئاً في حياة البشر فإنما تصدر أحكاماً باطلة بطلاناً أصلياً، فليس لأحد غير الله أن يحلل أو يحرم في طعام أو شراب أو نكاح، ولا في لباس، ولا في حركة، ولا في عمل، ولا في عقد، إلا أن يستمد سلطانه من الله حسب شريعة الله.

 

وكل ما يشرعه البشر للبشر بغير سلطان من الله فهو من حكم الجاهلية، وهو اعتداء على حق الله في خلقه، ومن ثم فهو باطل بطلاناً أصلياً، فما أعظم جرم هؤلاء الذين يشرعون للناس من دون الله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الشورى:21].

 

أيها الإخوة: إن الإسلام دين العدل والرحمة والعمل، لا يغفل حاجة من حاجات الفطرة البشرية، ولا يكبت كذلك طاقة بناءة من طاقات الإنسان تعمل عملاً نافعاً سوياً، ومن ثم حارب الرهبانية؛ لأنها كبْت للفطرة، وتعطيل للطاقة، وتعويق عن إنماء الحياة التي أراد الله لها النماء. كما نهى عن تحريم الطيبات كلها؛ لأنها من عوامل بناء الحياة ونموها، وتحقيق مراد الله في الحياة.

 

والحلال كله طيب، والحرام كله خبيث، فلا يستويان أبداً: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة:100]، وإذا كانت كثرة الخبيث تغر وتعجب ففي الطيب متاع بلا معقبات من ندم أو تلف، وبلا عواقب من ألم أو مرض، وما في الخبيث من لذة إلا وفي الطيب مثلها، بل أحسن منها على اعتدال وأمن من العاقبة في الدنيا والآخرة.

 

فكل ما أحله الله -عزَّ وجلَّ- فهو الطيب، وكل ما حرمه فهو الخبيث، وليس للإنسان أن يختار لنفسه غير ما اختاره الله له لأمرين:

 

أحدهما: أن التحليل والتحريم من خصائص الله الرازق، فمن اختار لنفسه غير ما اختار الله فهو الاعتداء الذي لا يحبه الله، ولا يستقيم معه إيمان.

 

الثاني: أن الله يحل الطيبات، فلا يحرم أحد على نفسه تلك الطيبات التي بها صلاحه وصلاح حياته، فإن بصره بنفسه، وبصره بالحياة لن يبلغ بصر الحكيم الخبير الذي أحل هذه الطيبات.

 

عباد الله: الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، تظهر آثار الإيمان بالله الواحد في العبادات التي بين العبد وربه، وفي المعاملات التي بين العبد وغيره. فكل ما جاء به الإسلام فنحن مأمورون باتباعه وعدم الخروج عنه كما قال -سبحانه-: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:153].

 

ولا شك أن الإيمان بالله يقتضي فعل جميع أوامر الدين، واجتناب نواهيه، ومن عمل ببعض أوامره، وترك البعض الآخر، فما أجدره بالخزي في الدنيا، والعذاب الشديد على جرمه في الآخرة كما قال -سبحانه-: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [البقرة:85].

 

ولا يفعل ذلك إلا من زهد في الدين فأخذ ما يروق له، وترك ما لا تحب نفسه، واشترى الحياة الدنيا بالآخرة كما قال -سبحانه-: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) [البقرة:86].

 

إنه لمن المؤسف حقاً أن كثيراً من المتحمسين لهذا الدين ضلوا الطريق، فجعلوا قضية الحكم بغير ما أنزل الله في شؤون الحياة قضية منفصلة عن قضية العقيدة، لا تجيش لها نفوسهم كما تجيش للعقيدة، ولا يعدون المروق منها مروقاً من الدين كالذي يمرق من عقيدة أو عبادة.

 

والعمل بشريعة الله يجب أن يقوم ابتداء على العبودية لله، على الطاعة لله، إظهاراً لكمال العبودية لله -سبحانه-، وبعد الطاعة يجوز للعقل البشري أن يلتمس حكمة الله بقدر ما يستطيع فيما أمر الله به أو نهى عنه. فإن عرف الحكمة فذلك من فضل الله، وإن لم يعرف فمقتضى العبودية الطاعة والانقياد والتسليم لله.

 

والعقل كلما تخلص من الهوى بمخالطة التقوى له، ومراقبة القلب له، يختار الطيب على الخبيث، فينتهي الأمر إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، والله -سبحانه- جعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وأكرمها بأفضل الكتب والرسل والشرائع، وأعدها لحمل منهج الله في الأرض، لتستقيم عليه، وتقيم الناس عليه، وحينئذ تكون ربانية حقاً، وترتفع بشريتها إلى أحسن تقويم.

 

عباد الله: هذا الدين هو مجموعة أوامر الله التي أنزلها في كتابه، وأمر بها جميع عباده، فلا يعرف الفصل بين العقيدة والعبادة والشريعة، إنما هي الزحزحة التي زاولتها أجهزة مدربة قروناً طويلة، حتى انتهت مسألة الحكم بغير ما أنزل الله إلى هذه الصورة الباهتة، وانفصلت أوامر الساحة والسوق عن أوامر المسجد، وظل الدين محبوساً في النفس وداخل المسجد، وحكم الطاغوت في بلاد المسلمين بغير ما أنزل الله، وتركهم يصلون صلاة لا روح فيها، لا تذكر بالله، ولا تزجر عن منكر، وهذا بلاء عظيم، وشر مستطير، ألا وهو قيام الحياة على غير التوحيد.

 

إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك، ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك، ويتحرجون من هذه، ولا يتحرجون من تلك، إن هؤلاء لا يقرؤون القرآن كما أنزل، ولا يفقهون نصوصه، ولا يدركون كلياته؛ فليقرؤوا القرآن فهو مملوء بتقرير ذلك كما قال سبحانه: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [الأنعام:121]. وقال سبحانه: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة:31].

 

أيها المسلمون: لا بد أن نكون على يقين تام أن التحليل والتحريم بغير شرع الله هو والشرك سواء، فهو شرك مثله كما قال -سبحانه-: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة:31]، ولما سمع عدي بن حاتم -رضي الله عنه- هذه الآية من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إنهم ما عبدوهم، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ" [الترمذي:2471، وحسنه الألباني]. وفي رواية قال عدي للنبي -صلى الله عليه وسلم-: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه" ؟ فقلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم".

 

فمن أطاع بشراً في شريعة من عند نفسه ولو في جزئية واحدة، فإنما هو مشرك، خرج من الإسلام لله إلى الشرك بالله، ما دام أنه يتلقى من غير الله، ويطيع غير الله كما قال -سبحانه-: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [الأنعام:121].

 

إن الله -تبارك وتعالى- يقرر في كتابه، أن الله وحده له الخلق والأمر، وله الحكم وحده لا شريك له، وأنه الذي يستحق الطاعة والعبادة وحده لا شريك له كما قال: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف:54].

 

وانظر لأحوال السابقين الأولين عندما رسخت هذه العقيدة في نفوس المسلمين في مكة، واطمأنت لها قلوبهم، يسر الله لهم مزاولتها الواقعية في المدينة بنزول أحكام العبادات والمعاملات، فهم داخل المسجد وخارج المسجد يمتثلون كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة، فيما بينهم وبين ربهم، وفيما بينهم وبين الناس، وقدموا أوامر الله على كل ما سواه فرضي الله عنهم ورضوا عنه، وفازوا بدار كرامته: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:100].

 

إن كل تصرف في الحياة بما لم يأذن به الله هو شرك، وفاعله مشرك أشرك مع الله غيره في طاعته، كما أشرك عابد الوثن مع الله غيره في عبادته، هذا شرك في الطاعة، وهذا شرك في العبادة، والشرك كله ألوانه وأشكاله وأهله في النار كما قال -سبحانه-: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) [المائدة:72].

 

إن الخالق المالك الرازق هو الله وحده لا شريك له، وهو الحقيق بأن تكون له الربوبية والألوهية والعبودية بلا جدال، وأن يفرد -سبحانه- بتحكيم شرعه فيما خلق، وفيما رزق، وفيما أعطى، وفي كل شؤون الحياة.

 

فالله وحده هو الذي له الحكم، إذا حرم الشيء فهو حرام، وإذا أحله فهو حلال، وإذا أمر فيجب أن يطاع أمره، وإذا نهى فيجب الكف عما نهى عنه. وهو -سبحانه- وحده المشرع للناس، كما أنه وحده المشرع للكون: (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [الحج:34-35].

 

عباد الله: إن كفر مزاولة التشريع بالتحليل والتحريم ككفر الاعتقاد وإشراك أحد مع الله في العبادة كلاهما شرك، هذا شرك في العبادة، وذاك شرك في التشريع، وكلاهما من وحي الشيطان لا من وحي الرحمن: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الشورى:21]، فكل من شرع للناس ما لم يأذن به الله من الشرك والبدع، وتحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله ونحو ذلك فهو مشرك، ومن أطاعه واتبعه فهو مشرك: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف:110].

 

وقد أقام الله -سبحانه- الخلق بين الأمر والنهي، والعطاء والمنع، فافترقوا فرقتين: فرقة قابلت أمره بالترك، ونهيه بالارتكاب، وعطاءه بالغفلة عن الشكر، ومنعه بالسخط، وهؤلاء أعداؤه. وفرقة قالوا: إنما نحن عبيدك إن أمرتنا سارعنا إلى الإجابة، وإن نهيتنا كففنا عما نهيتنا عنه، وإن أعطيتنا حمدناك وشكرناك، وإن منعتنا تضرعنا إليك وذكرناك. فليس بين هؤلاء وبين الجنة إلا ستر الحياة، فإذا ماتوا صاروا إلى النعيم المقيم. كما أنه ليس بين أولئك وبين النار إلا ستر الحياة، فإذا مزقه الموت صاروا إلى الحسرة والعذاب الأليم.

 

فلينظر الإنسان مع أي الفريقين هو؟ وإلى أي الدارين يسير؟ (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) [السجدة:18-20].

 

فسبحان العليم الذي أحاط علمه بكل شيء، ووسعت رحمته كل شيء: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) [الزخرف:84]، ومنه -تبارك وتعالى- تنزل الأوامر الشرعية على الناس بواسطة الرسل، فإذا تطابقت أفعال الناس مع أوامر الله الشرعية سعدوا في الدنيا والآخرة، وإذا عصى الناس أوامر الله الشرعية شقوا في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا) [طه:123-125].

 

نسأل الله أن يطهر قلوبنا ويفتح علينا بما ينفعنا، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم منه بالآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم فاستغفروه.

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي حرم على عباده الظلم والطغيان، وأوعد الظالمين بالعقوبة والخسران، وجعل دعوة المظلوم مستجابة لإقامة العدل والميزان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي حرم الظلم على نفسه فأفعاله وأحكامه دائرة بين العدل والإحسان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى من بني عدنان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا.

 

عباد الله: وقد بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته الحلال والحرام من الأقوال والأعمال والأشياء، فأحل لهم الطيبات وكل ما فيه منفعة، وحرم عليهم الخبائث وكل ما فيه مضرة، قال ربنا -سبحانه- في وصف النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف:157].

 

أيها الإخوة: إن الله -عزَّ وجلَّ- إذا حرم شيئاً حرم كل شيء يوصل إليه، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لعن الله اليهود حرم عليهم الشحوم فباعوها فأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم شيئًا حرم عليهم ثمنه" [مسند أحمد:4/347، وصححه الألباني] ويستحيل على الحكيم العليم أن يحرم الشيء ويتوعد على فعله بأعظم أنواع العقوبات، ثم يبيح التوصل إليه بنفسه بأنواع الحيل.

 

فقد حرم ربنا على اليهود الشحوم فجملوها وباعوها حيلة، وحرم عليهم صيد السمك يوم السبت فحبسوه يوم السبت، وأخذوه يوم الأحد حيلة؛ فعاقبهم الله وجعلهم قردة خاسئين كما قال -سبحانه-: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) [البقرة:65].

 

أيها الإخوة: أما ما حرمه الله على هذه الأمة من الأشياء فهو صيانة لهم وحماية، فهو -سبحانه- أمر عباده بما أمرهم به رحمة منه وإحساناً وإنعاماً عليهم؛ لأن صلاحهم في معاشهم وأبدانهم وأرواحهم بفعل ما أمروا به، فهو بمنزلة الغذاء الذي لا قوام للبدن إلا به بل أعظم، وليس مجرد تكليف وابتلاء كما يظنه كثير من الناس أو إلحاق الضرر بهم، ونهاهم عما نهاهم عنه صيانة لهم وحمية عما يضرهم، فلم يأمرهم حاجة منه إليهم وهو الغني الحميد، ولا حرم عليهم ما حرم بخلاً منه عليهم أو حرمانا لهم وهو الجواد الكريم.

 

عباد الله: والمحرمات لها أربع مراتب: فأدناها الفواحش، وأشد منها تحريماً الإثم والظلم، وأشد منهما تحريماً الشرك بالله -سبحانه-، وأشد تحريماً من كل ما سبق القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، وفي دينه وشرعه كما قال -سبحانه-: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف:33].

 

فالقول على الله بلا علم أشد هذه المحرمات تحريماً، وأعظمها إثماً عند الله، فهو يتضمن الكذب على الله، ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته، وإثبات ما نفاه، وإحقاق ما أبطله، وإبطال ما أحقه، وعداوة من والاه، وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه، وبغض ما أحبه.

 

ووصف الله بما لا يليق به في ذاته وأسمائه وصفاته، وأقواله وأفعاله، فليس في جنس المحرمات أعظم عند الله منه، ولا أشد إثماً، وهو أصل الشرك والكفر، وعليه أسست البدع والضلالات؛ فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم.

 

فلا يجوز لأحد أن يقول على الله بلا علم، ويكذب على الله ورسوله، قال الله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل:116-117]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" [البخاري:110، ومسلم:3].

 

عباد الله: إن الله -عزَّ وجلَّ -يغار على حدوده، ومن غيرة الله أن يأتي العبد ما حرم الله عليه، ولأجل غيرته -سبحانه- حرّم أشياء، وأباح أشياء؛ لأن الخلق عبيده وإماؤه، فهو يغار على إمائه كما يغار السيد على جواريه، ولله المثل الأعلى، ويغار على عبيده أن تكون محبتهم لغيره، بحيث تحملهم تلك المحبة على عشق الصور، وفعل الفاحشة، ويغار على خلقه جميعاً أن يتركوا ما ينفعهم، ويأكلوا ما يضرهم، أو يفعلوا السيئ والقبيح من الفواحش والآثام، ويتركوا الحسن والجميل من الأقوال والأعمال والأخلاق. أو يقعوا في ظلم العباد.

 

فالربا كله ظلم، والغش ظلم، والغصب ظلم، والاحتكار ظلم، وقد لعن الله كل ظالم، وتوعده بالعذاب الأليم قال -سبحانه-: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء:10]، وعن جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- قال: لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ" [أخرجه مسلم:1598].

 

أيها الإخوة: وعلى العبد أن يسأل عن الحلال والحرام فيما أشكل عليه ويسأل العلماء الربانين، ومما ينبغي الانتباه إليه أنه إذا نزلت النازلة بالمفتي أو الحاكم، فإما أن يكون عالماً بالحق فيها، أو غالباً على ظنه أو لا يعلم. فإن لم يكن عالماً بالحق فيها، ولا غلب على ظنه لم يحل له أن يفتي ولا يقضي بما لا يعلم، ومتى أقدم على ذلك فقد تعرض لعقوبة الله. وإن كان عالماً بالحق فيها أو غلب على ظنه لم يحل له أن يفتي ولا يقضي بغيره: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هود:18].

 

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، اللهم وفقنا لفعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم إنا نسألك حبك، وحب من أحبك وحب عمل يقربنا إلى حبك.

 

 

 

 

 

المرفقات

بين والحرام بين

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات