الحكمة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة

الشيخ محمد أنور مرسال

2021-10-11 - 1443/03/05
التصنيفات: وعي الخطيب

اقتباس

هذا المشروع مشروع ناجح لا يعرف الفشل إذا تم تطبيقه وتخطيطه والتفكير فيه، وهو غاية في الأهمية حيث إن الفطرة تدعو إليه والحكمة من الخلق تصبو إليه، فتأمل معي أخي الكريم تلك الأسرة التي تحاول...

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ، وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أمَّا بعدُ:

 

- مِن المعلوم أنه مِن السُّنة الإكثار مِن الصلاة على النبى  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يومَ الجمعة وليلتَها -باتفاق الفقهاء-كما دلت على ذلك أحاديثُ كثيرةٌ، منها:

قال رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: "إنَّ من أفضلِ أيَّامِكُم يومَ الجمعةِ؛ فيهِ خُلِقَ آدمُ، وفيهِ قُبِضَ، وفيهِ النَّفخةُ، وفيهِ الصَّعقةُ؛ فأكْثِروا عليَّ مِنَ الصَّلاةِ فيهِ؛ فإنَّ صلاتَكُم معروضةٌ عليَّ...."(1).

 

"أكثروا مِن الصلاة عليَّ يوم الجمعة؛ فإنَّ صلاة أمتى تُعرض عليَّ كل يومِ جمعةٍ، فمَن كان أكثرهم عليَّ كان أقربهم منى منزلةً"(2). وغيرها مِن الأحاديث.

 

والسؤال: ولماذا يوم الجمعة؟

وكان هذا السؤال يأتي على خاطري أحيانًا، فتدبرتُ أمري وتـفـكـرتُ، وتبيَّن لي بعضُ الحِكَم، ومنها:

الأول: لأنه يدل على عِظَم أجر الصلاة على النبي صلى لله عليه وسلم يوم الجمعة "فاجتماع الفضل يدل على عِظَم الأجر".

 

الثاني: ولأن يوم الجمعة فيه ساعةُ إجابةٍ كما في الحديث أنَّ رَسولَ اللَّهِ  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- ذَكَرَ يَومَ الجُمُعَةِ، فَقالَ: "فيه سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وهو قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شيئًا، إلَّا أعْطَاهُ إيَّاهُ -وأَشَارَ بيَدِهِ يُقَلِّلُهَا-"(4).

 

- ومِن أهم أسباب إجابة الدعاء: الصلاة على النبي  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- (5).

كما في الحديث سمعَ  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- رجلًا يَدْعُو في صلاتِهِ، فلمْ يُصَلِّ على النبيِّ  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، فقال النبِيُّ  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: "عَجِلَ هذا، ثُمَّ دعاهُ، فقال لهُ أوْ لغيرِهِ: إذا صلَّى أحدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللهِ والثَّناءِ عليهِ، ثُمَّ لَيُصَلِّ على النبيِّ  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، ثُمَّ لَيَدْعُ بَعْدُ بِما شاءَ"(6).

 

وقال عمر -رضي الله عنه-: "إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-"(7).

 

وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: " كُلُّ دُعَاءٍ مَحْجُوبٌ عَنِ السَّمَاءِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-"(8).

 

فلعله شُرِعَ في يوم الجمعة الإكثارُ مِن الصلاة على النبي  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-؛ ليكون أَحْرَى في إجابة الدعاء في هذه الساعة -ساعة الإجابة-.

 

الثالث:

ولأنه اجتمعت في يوم الجمعة أفضلُ الصلوات المفروضة، وهي: فجر الجمعة وصلاة الجمعة كما ورد في الحديث: "أفضلُ الصلواتِ عندَ اللهِ صلاةُ الصبحِ يومَ الجمعةِ في جماعةٍ"(9).

 

وأما فضْل صلاة الجمعة فهو معلومٌ لا يحتاج إلى بيانٍ.

 

فلما اجتمعت في يوم الجمعة أفضلُ الصلوات -وهي ثناءٌ على الله- ناسب أنْ يجتمع فيه أفضلُ الثناء على أفضل البشر.

 

فاجتمع في هذا اليوم أفضل ثناءٍ على الله، وأفضل ثناءٍ على رسوله.

 

الرابع:

ولأنه في يوم الجمعة يجتمع الناس في عبادةٍ عظيمةٍ، وهي صلاة الجمعة بخلاف تفرُّقهم في سائر الأيام لانشغالهم، فناسب في يوم الاجتماع أنْ يكثروا مِن الصلاة على مَن جعله الله سببًا لاجتماعهم وتأليف قلوبهم، صلوات ربي وسلامه عليه.

 

"الخامس":

ولأن النبي  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- هو خاتم النبيين والمرسلين، ويوم الجمعة هو ختام أيام الأسبوع -على قول جماعةٍ مِن العلماء، والمسألة فيها خلافٌ معروفٌ-. فناسب في ختام أيام الأسبوع الصلاةُ على خاتم المرسلين  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-.  ولِنختم الأسبوع بعبادةٍ جليلةٍ عظيمةٍ (والأعمال بالخواتيم).

 

السادس: ولأن يوم الجمعة تقوم فيه القيامة كما في الحديث: "....ولا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا في يَومِ الجُمُعَةِ"(10).

 

 ولما كان نبيُّنا  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- صاحبَ الشفاعة العظمى يوم القيامة الذي هو يوم الجمعة، فناسبَ الإكثار مِن الصلاة والسلام عليه في هذا اليوم الذي يُذكِّرنا بشفاعته يوم القيامة.

 

"السابع":

 

أنَّ يوم الجمعة جعل الله فيه فضائلَ وخصائصَ كثيرةً لهذه الأُمَّة: كساعة الإجابة (11)

 

وصلاة الجمعة، وهو خير أيامهم (12)، وفيه أفضل صلواتهم (13)، وهو يوم عيدٍ لهم (14)، وكفارةٌ لهم (15)، وأعظمُ كرامةٍ تحصل لهم فإنما تحصل لهم يوم الجمعة؛ فإنَّ فيه بَعْثَهُم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة، وهذا كله عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يديه؛ فمِن شُكْرِه وأداء القليل مِن حَقِّه أنْ نكثر مِن الصلاة والسلام عليه في هذا اليوم (16).

 

هذا ما حضرني في الباب، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان، والحمد لله رب العالمين.

والله أعلم .. وبالله التوفيق ..

--------------------------

(1) صحيح: رواه أبو داود (1047).

(2) حسن لغيره: رواه البيهقي في الكبرى (5995).

(3) وهذه مُستقاةٌ مِن كلام ابن القيم _ رحمه الله _ في زاد المعاد (صـ 121) طـ (مؤسسة الرسالة) بيروت ـ لبنان.

(4) رواه البخاري (935)، ومسلم (852).

(5) وقد اتفق العلماء على استحباب افتتاح الدعاء بالثناء على الله، والصلاة على النبي  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، ويختم به.

(6) صحيح: رواه الترمذي (3477).

(7) حسن: رواه الترمذي (486).

(8) رواه البيهقي في الشعب (1474).

(9) رواه البيهقي في الشعب (2783).

(10) رواه مسلم (854).

(11) وقد جاء في الحديث: أنَّ رَسولَ اللَّهِ  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- ذَكَرَ يَومَ الجُمُعَةِ، فَقالَ:

"فيه سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وهو قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شيئًا، إلَّا أعْطَاهُ إيَّاهُ -وأَشَارَ بيَدِهِ يُقَلِّلُهَا-" رواه البخاري (935)، ومسلم (852).

(12) قال رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: "إنَّ مِن أفضلِ أيَّامِكُم يومَ الجمعةِ.." صحيح: رواه أبو داود (1047).

(13) قال رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: "أفضلُ الصلواتِ عندَ اللهِ صلاةُ الصبحِ يومَ الجمعةِ في جماعةٍ" رواه البيهقي في الشعب (3045).

(14) قال رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: "إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ، جَعَلَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ، وَإِنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ" صحيح: رواه ابن ماجه (1098).

(15) قال رسول الله  -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: "الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، كَفَّارَةٌ لِما بيْنَهُنَّ، ما لَمْ تُغْشَ الكَبَائِرُ" صحيح: رواه مسلم (233).

(16) زاد المعاد (صـ 121) طـ (مؤسسة الرسالة) بيروت ـ لبنان.

 

 

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات