الحج وفضله

صلاح بن محمد البدير

2011-09-06 - 1432/10/08
عناصر الخطبة
1/ فضل الحج 2/ فضل عشر ذي الحجة

اقتباس

قوافل الحجيج تؤم البيت الحرام، وتقصد جزيرة الإسلام ودار السلام، حشودًا ووفودًا في رحاب الحرمين الشريفين، والمسجدين العظيمين، والبلدتين المقدستين، خرجوا من ديارهم يرجون ثواب الله وفضله ومغفرته ورحمته، وهو الكريم الوهاب الرحيم الوهاب، لا يرد من دعاه، ولا يخيب من رجاه. الحجاج والعمار وفد الله؛ دعاهم فأجابوا، وسألوه فأعطاهم، والحج يهدم ما قبله ..

 

 

 

 

 

الحمد لله الذي لا خير إلا منه، ولا فضل إلا من لدنه، أحمده حمدًا لا انقطاع لراتبه، ولا إقلاع لسحائبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سميع لراجيه، قريب ممن يناجيه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، أتم البرية خيرًا وفضلاً، وأطيبهم فرعًا وأصلاً، وأكرمهم عودًا ونجرًا، وأعلاهم منزلة وأجرًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه -حبل الهدى وينبوع التقى- صلاة تبقى وسلامًا يترى.

أما بعد:

فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضل مكتسب وطاعته أعلى نسب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

أيها المسلمون: قوافل الحجيج تؤم البيت الحرام، وتقصد جزيرة الإسلام ودار السلام، حشودًا ووفودًا في رحاب الحرمين الشريفين، والمسجدين العظيمين، والبلدتين المقدستين، خرجوا من ديارهم يرجون ثواب الله وفضله ومغفرته ورحمته، وهو الكريم الوهاب الرحيم الوهاب، لا يرد من دعاه، ولا يخيب من رجاه.

الحجاج والعمار وفد الله؛ دعاهم فأجابوا، وسألوه فأعطاهم، والحج يهدم ما قبله، و"من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كما ولدته أمه"، والحجة المبرورة ليس لها ثواب إلا الجنة، وما من ملبّ يلبي إلا لبى ما على يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا.

ومن طاف بالبيت وصلى ركعتين كان كعتق رقبة، ومن طاف بالبيت أسبوعًا -أي سبعة أشواط- لا يضع قدمًا ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه خطيئة، وكتب بها له حسنة، ومسح الحجر الأسود والركن اليماني يحط الخطايا حطًّا؛ أخرج ابن حبان والبيهقي والطبراني وحسنه في صحيح الجامع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رجلاً من الأنصار سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عما له من في الحج من الثواب؟! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أما خروجك من بيتك تؤم البيت الحرام فإن لك بكل وطأة تطؤها راحلتك يكتب الله لك بها حسنة، ويمحو سيئة، وأما وقوفك بعرفة فإن الله -عز وجل- ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة فيقول: هؤلاء عبادي جاءوني شعثًا غبرًا من كل فج عميق؛ يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني، فكيف لو رأوني؟! فلو كان عليك مثل رمل عالج -أي متراكم- أو مثل أيام الدنيا أو مثل قطر السماء ذنوبًا غسلها الله عنك، وأما رميك الجمار فإنه مذخور لك، وأما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة، فإذا طفت بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك". الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ما أعظمه من تكريم، وما أجله من ثواب عظيم.

أيها الحجاج والعمار والزوار: العقيدة جمعتكم، ولحمة الدين نظمتكم؛ فتراحموا وتعاطفوا وتعاونوا، ولا تدافعوا ولا تزاحموا ولا تقاتلوا، ارحموا الضعيف وأرشدوا الضال وساعدوا العاجز المحتاج. عليكم بالطمأنينة والتأني والوداعة والوقار والخشوع والسكينة، واسألوا عما أشكل واستفتوا عما أقفل؛ فإنما شفاء العي السؤال، .وصونوا حجكم عما لا يليق به من البدع والخرافات والمحدثات، ولا تنحنوا لأموات، ولا ترجو شفاء من رفات، ولا تتبركوا بجدار أو بباب، ولا تتمسحوا بمنبر أو محراب، وجانبوا المعاصي والآثام، وحاذروا السباب والتنابذ بالألقاب، وإياكم والجدال والمراء، والملاحاة والمنازعة والملاسنة والخصام واللغو من الكلام.

وأكثروا من التوبة والاستغفار، وأظهروا التذلل والانكسار، والندامة والافتقار، والحاجة والاضطرار؛ فإنكم في مساقط الرحمة، ومواطن القبول، ومظنات الإجابة والمغفرة والعتق من النار، تذكروا جلالة المكان وشرف الزمان، تلقَّى الله دعاءكم بالإجابة، واستغفاركم بالرضا، وحجكم بالقبول، وجعل سعيكم مشكورًا، وذنبكم مغفورًا، وحجكم مبرورًا.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه إنه كان للأوابين غفورًا.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فيا أيها المسلمون: اتقوا الله وراقبوه، وأطيعوه ولا تعصوه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119].

أيها المسلمون: ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من أيام عشر ذي الحجة؛ فأكثروا فيهن من التكبير والتهليل والتحميد، وتزودوا فيهن من الحسنات، واستكثروا فيهن من عمل الصالحات.

ومن أراد منكم أن يضحي ودخلت عليه عشر ذي الحجة فلا يأخذ من شعره أو جلده أو أظفاره شيئًا حتى يضحي، ومن أخذ من ذلك شيئًا استغفر الله تعالى وأجزأته أضحيته ولا فدية عليه، سواء فعله عمدًا أم نسيانًا، ومن نوى في أثناء العشر أمسك من حين نوى، ولا يمنع الوكيل أو من يضحى عنه من أخذ شيء من شعره أو جلده أو أظفاره؛ لأن المنع يختص بمن يضحي.

ثم اعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وثلث بكم أيها المؤمنون من جنه وإنسه، وقال قولاً كريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب: 56]. اللهم صل على نبينا وسيدنا محمد، بشير الرحمة والثواب، ونذير السطوة والعقاب، الشافع المشفع يوم الحساب.

اللهم ارض عن جميع الآل والأصحاب، وعنا معهم بمنك ورحمتك وجودك يا كريم يا وهاب، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، وأصلح له بطانته يا رب العالمين..

اللهم اجز خادم الحرمين الشريفين وولي عهده خير الجزاء على ما يقومان به من أعمال جليلة وعظيمة لخدمة الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة وحجاج بيت الله الحرام.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وادفع عنا شر الكائدين ومكر الماكرين وعدوان المعتدين عنا وعن جميع بلاد المسلمين يا رب العالمين.. اللهم يا حي يا قيوم.. اللهم يا حي يا قيوم.. اللهم أنت القوي القاهر وأنت العزيز القادر، وأنت الولي الناصر، نسألك نصرًا عاجلا وفتحًا قريبًا وفرجًا ومخرجًا لإخواننا في فلسطين يا رب العالمين.. اللهم كن لإخواننا في غزة ناصرًا ومعينًا، ومؤيدًا وظهيرًا يا أرحم الراحمين..

اللهم عليك باليهود الغاصبين، الصهاينة الغادرين، اللهم طال ظلمهم، واشتد عداؤهم وبلاؤهم، وعظم حصارهم، اللهم اشدد عليهم وطأتك، وارفع عنهم عافيتك، وأنزل عليهم عذابك ورجزك وسخطك إله الحق يا رب العالمين..

اللهم طهر المسجد الأقصى من رجز اليهود يا رب العالمين، اللهم احفظ الحجاج والزوار والمعتمرين، اللهم تقبل مساعيهم وزكها، وارفع درجاتهم وأعلها، اللهم وحقق لهم من الأماني أعلاها، ومن الخيرات أقصاها، واجعل حجهم مبرورًا، وسعيهم مشكورًا، وذنبهم مغفورًا، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اشف مرضانا، وعافِ مبتلانا، وفك أسرانا، وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا، يا قوي يا عزيز يا رب العالمين.

اللهم أنت المدعو بكل لسان، المقصود في كل آن، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، ربيعًا وجدًا مطبقًا غدقًا، مغدقًا هنيئًا مريئًا، مريعًا سائغًا، مسبغًا مجللاً، نافعًا غير ضار.

اللهم أنزل في أرضنا زينتها، وأنزل علينا في أرضنا سكنها، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.

عباد الله: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
 

 

 

 

 

 

المرفقات

وفضله1

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات