الحث على التمسك بكتاب الله والتحذير من مخالفته

محمد بن صالح بن عثيمين

2015-10-07 - 1436/12/24
عناصر الخطبة
1/شفاء القرآن لصدور المؤمنين وانتفاعهم بمواعظه 2/عدم انتفاع المنافقين بالقرآن ومواعظه 3/بعض صور تجاهل المعرضين لأوامر القرآن ونواهيه 4/الحث على الانقياد لأوامر القرآن ونواهيه

اقتباس

أيها الناس: إن هذه الموعظة التي جاءتكم من ربكم هو كتاب الله، وما تضمنه من أخبار صادقة نافعة، وأحكام عادلة، مصلحة للخلق ليس في دينهم فحسب، ولكن في دينهم ودنياهم. إنه موعظة يتعظ بها العبد، فيستقيم على أمر الله، ويسير على نهجه وشريعته. إنه...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا)[الكهف: 1].

أنزله قيما يهدي للتي هي أقوم: (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا)[الكهف: 2- 3] وينذر: (بِهِ قَوْمًا لُّدًّا)[مريم:97] خصمين حججا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ينال بها مخلصها من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أقوم الناس في عبادة ربه، وأسدهم منهجا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن بهداهم اهتدى، فنجا، وسلم تسليما.

 

أما بعد:

 

فقد قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)[يونس: 57 – 58].

 

أيها الناس: إن هذه الموعظة التي جاءتكم من ربكم هو كتاب الله، وما تضمنه من أخبار صادقة نافعة، وأحكام عادلة، مصلحة للخلق ليس في دينهم فحسب، ولكن في دينهم ودنياهم.

 

إنه موعظة يتعظ بها العبد، فيستقيم على أمر الله، ويسير على نهجه وشريعته.

 

إنه شفاء لما في الصدور، وهي القلوب، شفاء لها من مرض الشك والجحود والاستكبار عن الحق، أو على الخلق.

 

إنه شفاء لما في الصدور من الرياء والنفاق، والحسد، والغل، والحقد، والبغضاء، والعداوة للمؤمنين.

 

إنه شفاء لما في الصدور من الهم والغم والقلق.

 

فلا عيش أطيب من عيش المتعظين بهذا القرآن المهتدين به، ولا نعيم أتم من نعيمهم، ولهذا قال بعض السلف: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف".

 

يعنون ما فيهم من شرح الصدور بالإيمان بالله، والسرور بطاعته وعبادته.

 

إن هذا القرآن هدى ومنار للسالكين، يخرجون به من الظلمات إلى النور، ويهتدون به إلى خالقهم، وإلى دار كرامته، فهو هدي علم وتوفيق ورحمة، لكن للمؤمنين به، أما المكذبون به، والمستكبرون عنه، فلا يزيدهم إلا عمى وخسارا: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ)[فصلت:44].

 

(وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا)[الإسراء: 82].

 

أيها الناس: قد تتساءلون: كيف يكون الكلام الواحد لقوم هدى وشفاء ورحمة، ولقوم آخرين ضلالا وعمى وخسارا؟

 

والجواب على ذلك: أن هذا هو ما نطق به القرآن، وهو حق.

 

وها نحن نرى في الأمور الحسية ما يشهد لذلك.

 

نرى بعض الطعام يكون لشخص غذاء يزداد به جسمه صحة ونموا، ويكون لشخص آخر داء يزداد به جسمه مرضا وضعفا.

 

فهكذا الأمور المعنوية، فالقرآن إذا أقره المؤمن ازداد به إيمانا لتصديقه بأخباره واعتباره بقصصه وتطبيقه لأحكامه، امتثالا لأمر الله، واجتنابا لنهيه، فيزداد بذلك علما وهدى وصلاحا.

 

وإذا قرأه ضعيف الإيمان ومن في قلبه مرض ازداد رجسا إلى رجسه لتشككه في صحة أخباره أو غفلته عن الاعتبار بقصصه، فيمر بها كأنها قصص عابرة وأساطير أمم غابرة لا توقظ له ضميرا، ولا تحرك له إرادة.

 

أو استكباره عن تطبيق أحكامه وتهاونه بها، فلا يمتثل أوامره، ولا يجتنب نواهيه تقديما لهواه على طاعة مولاه، فيكون القرآن خسارة له؛ لأن الحق بان له، فخالفه، فكان بذلك خاسرا.

 

أيها الناس: يقول الله -تعالى- في الآية الأولى مما سقناه: (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)[يونس: 58].

إن ما يحصل للعبد من فضل الله ورحمته بهذا القرآن العظيم من الهدى والرحمة والموعظة، وشفاء ما في الصدور؛ لهو الجدير بأن يفرح به العبد؛ لأنه سعادة دنياه وأخرته ليس من الجدير بالعبد أن يفرح بحطام من الدنيا يحصله على حساب عمل الآخرة، فليس المال مخلدا لأصحابه، ولا أصحابه بمخلدين له.

 

أما ما يحصل من فضل الله ورحمته بهذا القرآن الكريم، فهو الخالد الباقي لأصحابه، وهو خير مما يجمعون من الدنيا كلها؛ لأن غايته الوصول إلى الجنة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها"[البخاري ومسلم وغيرهما]

 

هكذا يقول أعلم الخلق بما عند الله، وهو الناصح الأمين الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، موضع السوط في الجنة وهو مقدار متر فأقل خير من الدنيا كلها وما فيها.

 

ليس للدنيا التي عشت فيها فقط، ولكنها الدنيا من أولها إلى آخرها موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ لأن الدنيا وما فيها متاع زائل كحلم نائم أما ما في الجنة، فباق لا يزول: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)[الأعلى:16- 17].

 

أيها الناس: إن كثيرا منكم يسمعون ما يتلى من كتاب الله -تعالى-، وما يؤثر من سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من الأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، يسمعون ذلك من الخطباء والوعاظ في المساجد وغيرها، ولكنهم للأسف الشديد لا يزدادون بذلك إيمانا، ولا قبولا للحق، ولا انقيادا لطاعة، وربما يصرخون بأنهم لا يفعلون ما به يؤمرون، ولا يتركون ما عنه يزجرون، فيصرون على الإثم وهم يعلمون.

 

فسبحان الله! سبحان الله! أهذه حال من يزعم أنه مؤمن بالله واليوم الآخر، موقن بالثواب والعقاب؟

 

بل أهذه حال المسلم والإسلام هو الاستسلام لله ظاهرا وباطنا والانقياد لطاعته.

 

أفيريد هؤلاء أن تكون أحكام الله وشرائعه تابعة لأغراضهم، وما يشتهون؟

 

أم يريدون أن يكونوا: (قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ)[الأنفال:21].

 

فإن: (شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ)[الأنفال:22].

 

(وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ) [الأنفال:23]؟

 

أفيرضى هؤلاء أن يشابهوا من قال الله فيهم: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا)[النساء: 46].

 

وأن يخرجوا عن طريق المؤمنين الذين قالوا: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)[البقرة:285].

 

أفلا يتعظ هؤلاء بقول الله -تعالى-: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)[الحديد: 16]؟

 

أيها الناس: كثير منكم يسمعون أوامر الله ورسوله في الصلاة، وما يتعلق بها، وفي الزكاة، وفي الصيام، وفي الحج، وفي بر الوالدين، وفي صلة الأرحام "الأقارب"، وفي حسن الجوار، وفي العدل في معاملة الناس، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسمعون أوامر الله -تعالى- في ذلك عليه، ويسمعون التوجيهات الشرعية، في البيع والإجارة، والنكاح والطلاق، والخصومات، وغيرها، ويتجاهلون كل ما يسمعون من تلك الأوامر، وهذه التوجيهات، ويسيرون على ما تمليه عليه أهواؤهم، فيكونون في ذلك مما اتخذ إلهه هواه.

 

وكثير منكم يسمعون نواهي الله ورسوله عن التهاون بشأن الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويسمعون نهي الله ورسوله عن عقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، وإساءة الجوار في معاملة الناس بالكذب والغش وغيرها، وعن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن الربا والتحيل عليه، وعن الميسر والمكاسب المحرمة بجميع وسائلها، يسمعون النهي عن ذلك كله، ويتجاهلون ما يسمعون، ويتجاسرون على فعل ما عنه يزجرون متناسين بذلك عظمة من عصوه وشدة عقابه، كأنهم لم يقرؤا قول الله -تعالى-: (وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)[الأنفال: 13].

 

مغترين بإمهال الله لهم، واستدراجه إياهم بنعمه؛ كأنهم لم يسمعوا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"[البخاري ومسلم وغيرهما].

 

وتلا قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)[هود:102].

 

إن هؤلاء الذين يسمعون الحق، ويعرضون عنه محرومون من قوله تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)[طه: 123].

 

ولهم نصيب من قوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)[طه: 124- 126].

 

فيا أيها الناس -يا عباد الله-: اتقوا ربكم اخضعوا لأوامره، وإن خالفت أهواءكم، واجتنبوا نواهيه، وإن وافقت أهواءكم لا تريدوا أن تجعلوا الحق تابعا لأهوائكم، بل اجعلوا أهواءكم تبعا للحق، وهو ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن ذلك الخير والبركة والصلاح والرشد: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ)[المؤمنون:71].

 

لو اتبع الحق أهواء الناس لصارت أمورهم فوضى، كل واحد يريد أن يستقل برأيه، ويكون متبوعا، ولكن الله تولى بيان ذلك في كتابه وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)[النساء: 59].

 

اللهم اجعلنا ممن اختاروا هداهم على هواهم، ورضوا بشريعتك، واطمأنوا بها، وانشرحت لها صدورهم، فلم يبغوا عنها حولا، ولم يرضوا بها بديلا.

 

اللهم أرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه.

 

اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

 

اللهم لا تجعلنا ممن زين له سوء عمله، فرآه حسنا، فأصبح من الخاسرين أعمالا، الضالين طريقا، واهدنا صراطك المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إنك جواد كريم.

 

 

المرفقات

على التمسك بكتاب الله والتحذير من مخالفته

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات